مستند الشّيعة - ج ٦

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ٦

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-81-7
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٣٩١
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الباب الثالث

في الصلوات الواجبة غير اليومية‌

وهي عدّة صلوات تذكر في مطالب‌ :

٥
٦

المطلب الأوّل

في صلاة الجمعة‌

والكلام إمّا في حكمها ، أو شرائطها ، أو من تجب عليه ، أو كيفيّتها ، أو وقتها ، أو لواحقها ، فهاهنا ستة أبحاث.

٧
٨

البحث الأوّل

في حكمها‌

وفيه ثلاث مسائل :

المسألة الأولى :

صلاة الجمعة واجبة في الجملة ، بإجماع الأمّة ، بل الضرورة الدينيّة.

وتدلّ عليه ـ مضافا إليهما ـ السنّة المتواترة (١).

بل الآية الشريفة (٢) ـ على ما ذكره الأكثر ـ وإن كان فيه نظر على الأظهر ؛ لعدم صراحتها في صلاة الجمعة ، لعموم الذكر ، وعدم المخصّص إلاّ ما قيل : من اتّفاق المفسرين (٣).

وإشعار المروي في العلل : « إذا قمت إلى الصلاة فأتها سعيا ـ إلى أن قال : ـ فإنّ الله عز وجل يقول ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) ومعنى فاسعوا هو الانكفاء » (٤).

وعدم وجوب السعي إلى غيرها حين النداء ، بل ولا استحبابه مترتبا عليه.

والأوّل ممنوع‌ ، كيف؟! وفسّره في الكشّاف وتفسير البيضاوي بمطلق الصلاة (٥). وبعض المفسّرين منّا بالحجج عليهم‌السلام. وعن صاحب التيسير (٦) عن المفسرين : أنّ المراد إمّا الصلاة ، أو الخطبة ، أو سماع الوعظ. وقال بعض المفسّرين ( إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) فبادروا‌

__________________

(١) انظر : الوسائل ٧ : ٢٩٥ أبواب صلاة الجمعة ب ١.

(٢) الجمعة : ٨.

(٣) انظر : رسائل الشهيد الثاني : ٥١ ، وروض الجنان : ٢٨٤.

(٤) العلل : ٣٥٧ ـ ١ ، الوسائل ٥ : ٢٠٣ أبواب أحكام المساجد ب ٧ ح ١ ، وفيه ( الانكفات ).

(٥) الكشّاف ٤ : ٥٣٥ ، تفسير البيضاوي ٥ : ١٣٣.

(٦) في النسخ المخطوطة : التفسير.

٩

إلى وظائفه من الغسل وقصّ الأظافر والشّوارب والتطيّب والتنوير وحلق الرأس ، وغير ذلك (١) ولو سلّم فلا دليل على حجيّته ، كيف؟! مع أنّ أكثرهم من أهل الخلاف ؛ ولا أدري من لا يقبل الإجماعات المتواترة من العلماء على عدم الوجوب العيني ، كيف يقبل دعوى اتّفاق المفسرين!؟

والثاني غير مشعر‌ ؛ لصحّة تعليل رجحان السعي إلى الصلاة ـ التي هي من أفراد الذكر ـ بأمر الله سبحانه بالسعي إلى مطلقه.

بل في المروي في الكافي إشعار على خلافه ، حيث قال : قلت له : قول الله عز وجل ( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) قال : « اعملوا وعجّلوا فإنّه يوم مضيّق على المسلمين » (٢) الحديث.

فإنّ ظاهره الأمر بالتعجيل إلى مطلق العمل.

والثالث : بعدم لزوم حمل الأمر على الوجوب‌ ؛ لأنّ ارتكاب التجوّز في الذكر ليس بأولى منه في السعي ، فيحمل على الاستحباب ويكون ترتّبه على النداء لكثرة ما رغب فيه من الوظائف والأعمال فيما بعد الزوال.

مع أنّ إرادة الأذان عند الزوال من النداء غير معلومة ؛ لجواز أن يراد به أذان الفجر ، الذي هو أيضا للصلاة من يوم الجمعة ـ كما نقل بعض المتأخّرين في رسالته في صلاة الجمعة عن بعض المفسرين ، وهو ظاهر من حمل الذكر على وظائف يوم الجمعة كما مرّ ـ لعدم دليل على إرادة الصلاة المعهودة ، سيّما عند نزول الآية.

فيكون إشارة إلى ما ورد في الروايات من كثرة أعمال يوم الجمعة ، حتى إنّ أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا يتجهّزون للجمعة يوم الخميس لأنّه يوم‌

__________________

(١) قد روي بهذا المضمون رواية في تفسير القمي ٢ : ٣٦٧.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٥ الصلاة ب ٧١ ح ١٠ ، الوسائل ٧ : ٣٥٣ أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب ٣١ ح ١.

١٠

مضيّق ، لكثرة وظائفه وأعماله (١).

سلّمنا أنّ المراد بالذكر صلاة الجمعة ، ولكن لا تدلّ الآية على وجوبها إلاّ بعد ثبوت ترجيح التجوّز في مادّة فاسعوا على التجوّز في الهيئة ؛ ضرورة عدم وجوب السعي الذي هو السير بالتعجيل.

المسألة الثانية : إذا عرفت أنّها واجبة في الجملة ، فاعلم أنّه لا خلاف عندنا في وجوبها عينا‌ على كلّ من استجمع الشرائط الآتية ، مع حضور الإمام المعصوم ، أو من ينصبه بخصوصه ـ عموما أو لصلاة الجمعة ـ وتمكّنه من إقامتها.

وإنّما الخلاف في صورة عدم حضوره ولا حضور منصوبه المذكور ، أو عدم تمكّنه ـ كزمان الغيبة ـ في انتفاء الوجوب العيني ، وثبوته.

فالأوّل مختار كلّ من شرط في وجوبه أو جوازه ، الإمام أو نائبه ، أو جعله منصب الإمام.

ومنهم : العماني والمفيد في الإرشاد (٢) ، والشيخ في الخلاف والمبسوط والجمل والنهاية والمصباح والتبيان (٣) ، والسيد في الناصريّات في المسألة الحادية عشرة والمائة والميافارقيات (٤) ، والفقه الملكي ، والديلمي في المراسم ورسالته والقاضي والكفعمي (٥) ، والوسيلة والسرائر والغنية والمجمع والجامع والمعتبر والشرائع‌

__________________

(١) انظر : الوسائل ٧ : ٣٥٣ أبواب صلاة الجمعة ب ٣١.

(٢) حكاه عن العماني في المختلف : ١٠٨ ، الإرشاد : ٣٤٧.

(٣) الخلاف ١ : ٦٢٦ ، المبسوط ١ : ١٤٣ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٩٠ ، النهاية : ١٠٣ ، المصباح : ٣٢٤ ، التبيان ١٠ : ٨.

(٤) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ٢٠٣ قال في المسألة الحادية عشرة بعد المائة : والذي يذهب إليه أصحابنا في صلاة العيدين بأنّهما فرض على الأعيان مع تكامل الشروط التي يلزم معها صلاة الجمعة مع حضور السلطان العادل. منه رحمه‌الله تعالى. الميافارقيات ( رسائل السيّد المرتضى ) المجموعة الأولى : ٢٧٢.

(٥) المراسم : ٧٧ ، القاضي في المهذب ١ : ١٠٠ ، الكفعمي في المصباح : ٤١٠.

١١

والنافع (١) ، والموجز وشرحه للصيمري ، والمنتهى والتذكرة والتحرير والإرشاد والقواعد والنهاية والمختلف (٢) ، والإيضاح والمهذّب والتنقيح (٣) ، والذكرى والنكت والدروس والبيان واللمعة (٤) ، وروض الجنان والروضة وشرح القواعد للمحقق الثاني (٥).

وجماعة من المتأخرين منهم : المحقق الخوانساري ووالده ، والشيخ البهائي ، وسلطان العلماء ، والمدقّق الشيرواني ، ومولانا خليل القزويني ، والمولى عبد الله الشوشتري ، ورفيع الدين النائيني ، وصالح الجيلاني ، والفاضل الهندي (٦) ، والتوني ، والكاظمي ، ووالدي العلامة أخيرا ، وأكثر مشايخنا (٧) ، ومعاصرينا (٨).

وهو ظاهر الكراجكي ، ومحتمل الحلبي (٩) ، ونسبه صريحا في الإيضاح والنكت والبيان وروض الجنان إلى الأخير (١٠).

بل هو ظاهر الشيخين الجليلين الصدوق والكليني (١١) ، بل مذهب كافة‌

__________________

(١) الوسيلة : ١٠٣ ، السرائر : ١ : ٢٩٠ و ١ : ٣٠٣ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٦٠ ، مجمع البيان ٥ : ٢٨٨ ، الجامع للشرائع : ٩٤ ، المعتبر ٢ : ٢٧٩ ، الشرائع ١ : ٩٤ و ٩٨ ، المختصر النافع : ٣٥ و ٣٦.

(٢) المنتهى ١ : ٣١٧ و ٣٣٦ ، التذكرة ١ : ١٤٤ و ١٤٥ ، التحرير ١ : ٤٣ و ١٨٥ ، مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٣٣ و ٣٦٠ ، القواعد ١ : ٣٦ ، نهاية الإحكام ١ : ١٤ ، المختلف : ١٠٩.

(٣) الإيضاح ١ : ١١٩ ، المهذب البارع ١ : ٤١٣ ، التنقيح ١ : ٢٣١.

(٤) الذكرى : ٢٣٠ ، الدروس ١ : ١٨٦ ، البيان : ١٨٨ ، اللمعة ( الروضة ١ ) : ٢٩٩.

(٥) روض الجنان : ٢٩٠ ، الروضة ١ : ٢٩٩ و ٣٠١ ، جامع المقاصد ١ : ٣٧١.

(٦) الفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٢٤١ و ٢٤٤ و ٢٤٥.

(٧) كالسيّد بحر العلوم في الدرّة النجفية : ١٦٥ ، وصاحب كشف الغطاء : ٢٥٢ ، وصاحب الرياض ١ : ١٨٤ و ١٩٠.

(٨) كالمحقق القمي في غنائم الأيام : ١٠٠ ، وصاحب مفتاح الكرامة ١ : ٧٢.

(٩) الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥١.

(١٠) الإيضاح ١ : ١١٩ ، البيان : ١٨٨ ، روض الجنان : ٢٩١.

(١١) انظر ص ١٦.

١٢

القدماء ظاهرا ، حيث لم ينقل أحد مع بذل جهد طائفة من المتأخرين في نقل الأقوال في هذه المسألة والفحص عن القائل بالوجوب العيني إلاّ عن ثلاثة أو أربعة منهم (١) ؛ وهو أيضا ليس كذلك كما يأتي.

وتوهّم عدم صراحة كلام العماني وإرشاد المفيد والخلاف ـ كما اتّفق لبعض المتأخرين ـ فاسد غايته :

لتخصيص الأوّل فرضية الحضور إلى صلاة الجمعة بالبلد الذي فيه الإمام ، أو المكان الذي فيه امراؤه ، ولو لا انتفاء الوجوب بدونه لما كان للتخصيص وجه.

واستدلال الثاني على وجوب وجود الإمام في كلّ عهد بأن يجمع الجمعات والعيدين ، ولو وجب مع غيره أيضا ، لما كان للدليل معنى. وذكره بعض أمور أخر قد تصدر من الفقهاء أيضا ، ممنوع ؛ إذ كلّ ما ذكره بعمومه الذي هو مقتضى ألفاظه لا يمكن صدوره إلاّ من إمام مبسوط اليد.

وتصريح الثالث بعدم انعقاد الجمعة بدون الإمام أو أميره ، وبأنّه لم يفعله من زمان النبي إلى زماننا غيرهما ، وبأنّ الإماميّة أجمعوا على اشتراط الإمام فيه بقول مطلق.

وأمّا ما ذكره في أثناء كلامه من أنّ ما روي من جواز الجمعة لأهل القرى والسواد فهو مأذون فيه فجرى مجرى نصب الإمام.

فهو توجيه للأخبار المروية بحملها على الاستحباب ؛ لحصول ما يجري مجرى النصب وإن لم يحصل حقيقة النصب الّذي هو شرط الوجوب. ففي الحقيقة هو تأويل لتلك الأخبار ، وهو لا يدل على أنّه فتواه ، كما ارتكب في التهذيب كثيرا ، مع أنّه لو كان فتواه أيضا لم يضر ، هذا.

ثمَّ إنّه على اشتراط الإمام أو نائبه ـ في وجوبها أو جوازها ـ الإجماع في كثير من كلمات الأصحاب ، كما في الخلاف والسرائر والغنية وكلام القاضي والديلمي‌

__________________

(١) انظر ص ١٦.

١٣

والمعتبر والمنتهى والتحرير والنهاية (١) ، وثلاثة مواضع من التذكرة (٢) ، ومثلها من الذكرى (٣) ، وموضعين من شرح القواعد للمحقق الثاني (٤) ، ومثلهما من رسالته وكنز العرفان وروض الجنان والروضة (٥) ، وشرحي الألفيّة والجعفريّة ، وعيون المسائل للسيّد الداماد ، والرسالتين للفاضل التوني والمحقق الخوانساري ، بل جعل ثانيهما القول بالوجوب بدون الإمام بدعة مخترعة.

وفي شرح الهندي على الروضة نفي الشك عن وقوع الإجماع على اشتراط الوجوب العيني بالإمام عليه‌السلام ، ودعوى تواتر الأخبار بالإجماع ، بل قيل : قد أطبق الأصحاب على نقل الإجماع عليه لا رادّ له في الأصحاب (٦). وصرّح الأردبيلي في شرح الإرشاد بأنّ القول بالوجوب العيني في زمان الغيبة قول مع عدم الرفيق (٧) ، إلى غير ذلك.

والتشكيك في دعاوي الفاضل الإجماع ـ لمنعه إيّاه في المختلف (٨) ـ ليس في محلّه قطعا ؛ لأنّ الممنوع فيه الإجماع على اشتراطه في مطلق الوجوب الشامل للتخييري أيضا ، لا خصوص العيني.

وكذلك لا يضرّ في هذه الدعاوي ذهاب طائفة من المدّعين إلى التخيير في زمن الغيبة (٩) ؛ إذ لا منافاة بين التخيير ونفي العينية. واستلزام الاشتراط لانتفاء المشروعية ـ لو سلّم ـ لا يوهن في دعوى الإجماع ؛ لاحتمال الغفلة عن الملازمة أو‌

__________________

(١) راجع ص ١١.

(٢) التذكرة ١ : ١٤٤ و ١٤٥ و ٤٤٣.

(٣) الذكرى : ٢٣٠ و ٢٣١.

(٤) جامع المقاصد ٢ : ٣٧١ و ٣٧٩.

(٥) كنز العرفان ١ : ١٦٨ ، روض الجنان : ٢٩٠ ، الروضة ١ : ٣٠.

(٦) حكاه في مفتاح الكرامة ٣ : ٦٠ عن عيون المسائل للمحقق الداماد.

(٧) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٦٣.

(٨) المختلف : ١٠٩.

(٩) انظر ص ٥٣.

١٤

ثبوت مطلق المشروعية بدليل آخر.

والثاني لشيخنا الشهيد الثاني (١) ، وتبعه أولاده (٢) ، وتلاميذه (٣) ، وجماعة ممّن تأخر عنهم ، كالمجلسيين (٤) ، وصاحب الذخيرة (٥) ، وأكثر الأخباريين اللاحقين لهم (٦) ، وإليه كان يذهب والدي العلامة أوّلا ، وألّف فيه رسالة مبسوطة لم أر أحسن منها ، وقد كتب عليها التصديق جمع من الأخباريين من معاصريه.

ونسب هذا القول إلى ظاهر المفيد في الإشراف والحلبي في الكافي ، والصدوق في الهداية والمقنع والأمالي بل الفقيه ، والكليني (٧) ، وأبي الفتح الكراجكي وعماد الدين الطبرسي (٨).

أقول : ظاهر الأوّلين وإن كان ذلك. إلاّ أنّ ذهاب الأوّل إلى خلافه في الإرشاد بل المقنعة (٩) ، حيث شرط كون الإمام مأمونا ، وليس إلاّ المعصوم أو نائبه. وقال أيضا : صادقا في خطبته ، ولا يعلم ذلك إلاّ من الإمام أو من ينصبه.

وتركه لصلاة الجمعة ـ وإلاّ لنقل قطعا ولم يخف على تلامذته المدّعين للإجماع على حرمته ـ مع وفور الشيعة في عهده ، ورفعه ستر التقية ، ومجادلته في المذهب مع المخالفين ، وتصريحه في كتبه بما ينافي التقية ، وتسلّط سلاطين الديالمة الذين هم من الشيعة في بلده.

__________________

(١) رسائل الشهيد : ٥١.

(٢) منهم صاحب المدارك ٤ : ٢١ ، ونقل في الحدائق ٩ : ٣٨٩ عن الحسن بن الشهيد في الاثني عشرية وعن ابنه محمّد في شرحها.

(٣) منهم الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي ، نقله عنه في الحدائق ٩ : ٣٨٧.

(٤) روضة المتقين ٢ : ٥٧٤ ، بحار الأنوار ٨٦ : ١٤٦.

(٥) الذخيرة : ٣٠٨.

(٦) كالفيض الكاشاني في المفاتيح ١ : ١٧ ، والبحراني في الحدائق ٩ : ٣٥٥.

(٧) الإشراف ( مصنفات الشيخ المفيد ٣ ) : ٢٥ ، الكافي في الفقه : ١٥١ ، الهداية : ٣٤ ، المقنع :٤٥ ، الأمالي : ٥١٣ ، الفقيه ١ : ٢٦٧ ، الكافي ٣ : ٤١٨ عنوان الباب.

(٨) حكاه عنهما في الحدائق ٩ : ٣٨١ و ٣٨٢.

(٩) الإرشاد : ٣٤٧ ، المقنعة : ١٦٣.

١٥

مضافا إلى ما قيل : من أنّ نسبة كتاب الإشراف إلى المفيد غير ثابتة ، وفي الإجازات غير منقول ، ولم ينقل إلاّ في الرسالة المنسوبة إلى الشهيد الثاني ومن تبعه بعده.

ونسبة خلافه إلى الثاني في الإيضاح والنكت والبيان (١).

ممّا (٢) يقدح في النسبتين جدّا ؛ لعدم ثبوت الكتابين بعينهما منهما بأقوى ممّا يخالفهما ، أو يحكم لهما بالقولين معا.

مع أنّ ما نقل عن الحلبي في المختلف (٣) لا يدلّ إلاّ على انعقاد الجمعة بإمام الجماعة أيضا ، لا وجوبه. وأمّا ذيل كلامه الظاهر في ذلك فهو غير مذكور ، وإنّما ذكر في الرسالة المنسوبة إلى الشهيد الثاني (٤).

وأمّا البواقي فلا ظهور لكلماتهم في هذه النسبة أصلا : أمّا الهداية والمقنع ، فلتصريحهما باشتراط الإمام ، وسيأتي ظهوره في المعصوم ، سيّما في الأوّل ، حيث عطف عليه قوله : وقاضيه ، ولا أقلّ من احتماله.

وأمّا الأمالي ، فلعدم ذكره فيه إلاّ وجوب الجمعة ، وهو ممّا لا كلام فيه ، كما يقولون بوجوب الجهاد أيضا ، بل يعدّونه من فروع الدين ، مع أنّه مشروط بالإمام.

ومنه يظهر عدم ظهور كلام الفقيه أيضا ، مع أنّه ذكر فيه صحيحة محمّد الآتية المتضمّنة لذكر الإمام وقاضيه (٥) ، وسائر أخبار اشتراط الإمام ، وأخبار من يخطب ، وسيأتي إجمالها ، ونقل في ذلك الباب صحيحة عبد الرحمن : « لا بأس أن يدع الجمعة في المطر » (٦) ولا شك أنّ هذا ليس شأن الواجب ، وحمله على ما يستلزم‌

__________________

(١) الإيضاح ١ : ١١٩ ، البيان : ١٨٨.

(٢) خبر لقوله : إلاّ أنّ ذهاب الأوّل ..

(٣) المختلف : ١٠٨.

(٤) رسائل الشهيد : ٧٩.

(٥) انظر : ص ٢٤.

(٦) الفقيه ١ : ٢٦٧ ـ ١٢٢١ ، التهذيب ٣ : ٢٤١ ـ ٦٤٥ ، الوسائل ٧ : ٣٤١ أبواب صلاة الجمعة

١٦

الحرج لا وجه له. وكذا كلام الكليني.

مع أنّ الصدوق لو أوجبها لما تركها مع ما له من العزّ والاحترام عند سلاطين الشيعة ووزرائهم ، ولو فعلها لنقل البتة ، ولم يقل الشيخ : إنّ إلى زماننا هذا لم يصلّها إلاّ الخلفاء والأمراء (١).

وأمّا الكراجكي ، فلتصريحه باشتراط الإمام المرضي المتمكّن. وشيوع إطلاق الإمام المرضي على الإمام المعصوم ـ كما صرّح به المحقق الخوانساري ـ واضح ، ولا أقلّ من الاحتمال ؛ مع أنّ كتاب تهذيب المسترشدين الذي نقل عنه ليس موجودا ولم ينقل عبارته إلاّ في الرسالة الشهيدية التي أنكر جماعة كونها منه ، ونقل بعض العلماء عن صاحب المعالم إنكار الرسالة ، ولا بعد فيه ، كما يظهر لمن تأمل فيها وفي سائر ما ذكره الشهيد الثاني في سائر كتبه في صلاة الجمعة.

وأمّا الطبرسي ، فلعدم ذكره إلاّ وجوب الجمعة عند الإمامية ، وكونهم أشدّ إيجابا لها من المخالفين ، ولا دلالة له على عدم اشتراط الإمام بوجه أصلا.

ومن هذا يظهر سرّ ما ذكرناه سابقا ، من عدم ظهور مخالف من القدماء في انتفاء الوجوب العيني.

وقد نسب بعض الأخباريين القول بالوجوب إلى جماعة من المتأخرين ، استنادا إلى مواظبتهم على هذه الصلاة (٢) ، مع أنّه لا دلالة لها عليه أصلا.

والحقّ هو الأوّل.

لنا‌ : اشتراط الوجوب العيني بالإمام المعصوم أو نائبه الخاص ، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. أمّا الثاني فظاهر. وأمّا الأوّل فلوجوه من الأدلّة :

الأوّل : الأصول ، كأصالة البراءة عن الخطبة والإصغاء إليها ، والركعتين ، عند فقد من ذكر.

__________________

وآدابها ب ٢٣ ح ١.

(١) انظر : الخلاف ١ : ٦٢٧.

(٢) كما في الحدائق ٩ : ٣٩٥.

١٧

ولا يضر لنا هنا معارضتها بمثلها في ركعتي الظهر من القراءة والركوع والسجود وغيرها ممّا يجب في الركعتين ، إذ غاية التعارض الرجوع إلى التخيير فينتفي الوجوب العيني.

وكذا أصالة عدم توقيف الجمعة ـ على كون ألفاظ العبادات أسامي للصحيحة ـ متعارضة مع أصالة عدم توقيف الظهر أيضا ، حيث إنّه لا تتحقق الظهر الصحيحة مع الجمعة ، ويرجع إلى التخيير.

وأمّا على المختار من أنّها ألفاظ للأعم فتبقى أصالة عدم توقيف الجمعة بلا معارض ، حيث إنّه لا يعلم تحقق صلاة الجمعة ولو بالمعنى الأعم إذا لم يكن الإمام أو نائبه كما يأتي ، بخلاف الظهر بالمعنى الأعم.

الثاني : الإجماع المحقّق‌ ـ المعلوم من تطابق فتاوى الفقهاء جيلا بعد جيل إلى زمن الشهيد الثاني ـ على الاشتراط ، من غير ظهور مخالف ، أو إلاّ شاذّ نادر ، حتّى إنّ صاحب مصائب النواصب (١) ـ مع شدّة اهتمامه في الردّ على الناصبي الطاعن علينا بترك الجمعة ـ لم ينقل القول بالوجوب إلاّ عن الشهيد الثاني. وحتّى إنّ في المختلف لم ينقل إلاّ القول بالحرمة والتخيير (٢). وجعل الأردبيلي الشهيد بلا رفيق (٣). والخوانساري الوجوب من البدع المحدثة في هذه الأزمان ، مع عموم البلوى في المسألة.

وتكثر دعوى الإجماع عليه بل تواتره ، وقد صرّح بالتواتر جماعة (٤) ، بل قيل : أطبق الأصحاب على نقل الإجماع عليه (٥) ، وقد نقلنا فيما سبق خمسة أو ستة‌

__________________

(١) وهو القاضي نور الله التستري المستشهد في سنة ١٠١٩ ، وألّف كتابه هذا ردّا على كتاب نواقض الروافض لميرزا مخدوم الشريفي.

(٢) المختلف : ١٠٨.

(٣) مجمع الفائدة ٢ : ٣٦٣.

(٤) كما في كشف الغطاء : ٢٥١ ، والرياض ١ : ١٨٣.

(٥) قاله المحقق الداماد في كتاب عيون المسائل ، على ما حكاه في مفتاح الكرامة ٣ : ٦٠.

١٨

وعشرين من دعاوي الإجماع عليه (١) ، وعدّ بعضهم أزيد من أربعين دعوى عليه (٢) ، وفي بعضها : أجمع علماؤنا قاطبة ، وفي آخر : أجمع علماؤنا الإمامية طبقة بعد طبقة من عصر أئمّتنا عليهم‌السلام إلى عصرنا على انتفاء الوجوب العيني في زمان الغيبة (٣) ، وفي ثالث : غبّ دعوى الإجماع وعمل الطائفة على عدم الوجوب في سائر الأعصار والأمصار ، وفي رابع : بلا خلاف بين أصحابنا (٤) ، وفي خامس : وذلك إجماع أهل الأعصار ، فإنّ من عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى زماننا ما أقام الجمعة إلاّ الخلفاء والأمراء (٥). إلى غير ذلك.

مضافا إلى كون ظهوره عندنا بحيث عدّه النواصب من معايبنا ، قال صاحب نواقض الروافض : من هفواتهم لزوم ترك الجمعة.

وإلى إطباق علمائنا على تركه إلى زمن الشهيد الثاني مع تمكنّهم من الإتيان به في كثير من الأزمنة ، كأزمنة الصفارية ، والديالمة ، وسلاطين المغول لا سيّما الجايتو وما بعده ، وأزمنة آل مظفّر ، وغيرها ، بل في كثير من الأمكنة مطلقا ، كسبزوار وقم والحلّة ، سيّما مع عدم تقاعدهم عمّا هو أعظم وأشدّ من ذلك بكثير ، حتى ظهر منهم وشاع ، كسبّ الشيخين ، وتحليل المتعتين ، ومسح الرجلين.

ولو لا ثبوت الإجماع في ذلك لما ثبت إجماع في الفروع أصلا وأبدا ؛ ولا سيّما مع أنّه لو لا اشتراط الإمام أو منصوبه ، لشاع فعله بدونهما في زمن النبي والولي والحسن ، حيث إنّهم لم يعيّنوا أميرا لكلّ بلدة بلدة ، وقرية قرية ، وكان يتخلّل بين عزل المنصوب وقيام الآخر زمان كثير لا محالة ، فلو لا الشرط لفعله الفاقدون للمنصوب ، ولو فعلوه لم يخف بهذه المثابة جدّا.

__________________

(١) راجع ص ١٤.

(٢) انظر : شرح المفاتيح للبهبهاني ( المخطوط ).

(٣) حكاه عن المحقق الثاني في مفتاح الكرامة ٣ : ٦٠‌

(٤) كما في السرائر ١ : ٣٠٣.

(٥) كما في الخلاف ١ : ٦٢٧.

١٩

الثالث : المستفيضة من الأخبار :

منها : رواية حمّاد بن عيسى : « إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمّع بالناس ، ليس لأحد ذلك غيره » (١).

نفى التجميع عن غير الخليفة عن الرسول ، ونائبه الخليفة عنه ؛ وتخصيص النفي بحال الخليفة حتى يكون بيانا للحكم حال قدومه خلاف الأصل ، كما أنّ عطفه على « جمّع » بحذف العاطف حتى يكون مقيّدا بالشرط كذلك من وجهين (٢).

وحملها على التقيّة ـ لاشتراطها المصر الدال على عدم التجميع في غيره ـ مدفوع ، بأنّ ذكر المصر هنا وارد مورد الغالب فلا اعتبار بمفهومه.

وضعفها سندا ـ لو سلّم ـ مجبور بالشهرة المحققة والإجماعات المحكيّة.

ومنها : رواية حفص : « ليس لأهل القرى جمعة » (٣).

فإنّ نفيها عنهم عموما لا يمكن أن يكون لعدم تمكّنهم من الصلاة جماعة ؛ لإمكانها فيها غالبا ، كما ورد في بعض الأخبار الآتية أيضا. ولا لعدم وجود قادر على الخطبة ؛ لوجوده أيضا في الأغلب ، سيّما أدنى الخطبة التي يقدر عليه كلّ من يصلّي ولو بالتلقين ، وهو : الحمد لله ربّ العالمين ، اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد ، حيّ على الفلاح ، وسورة خفيفة. فلم يبق إلاّ لعدم حضور الإمام عليه‌السلام أو نائبه ، حيث إنّه لا يكون إلاّ في الأمصار ، كما هو ظاهر.

ومنها : موثقة ابن بكير ـ الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ـ :

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٣ ـ ٨١ ، الوسائل ٧ : ٣٣٩ أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب ٢٠ ح ١.

(٢) أحدهما حذف العاطف ، والآخر التعليق على الشرط. منه رحمة الله.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٤٨ ـ ٦٧٩ ، الاستبصار ١ : ٤٢٠ ـ ١٦١٨ ، الوسائل ٧ : ٣٠٧ أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب ٣ ح ٤.

٢٠