الشّهيد مسلم بن عقيل عليه السلام

المؤلف:

السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة البعثة
الطبعة: ١
الصفحات: ١٨٦
🚘 نسخة غير مصححة

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا ونبينا

محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم

أجمعين إلى قيام يوم الدين

١ ـ المؤلف :

مؤلف هذا الكتاب هو : « العلوي النسيب ، الفاطمي الحسيب ، المخلص في ولائه لآل الرسول ، المتفاني في حبهم ، والمتهالك في مسيرهم ، العلامة المعاصر حجة الاسلام والمسلمين ، السيد عبد الرزاق المقرّم الموسوي النجفي » (١) الذي يصل نسبه الكريم بثلاثة وعشرين ظهرا إلى الامام موسى بن جعفر عليه‌السلام.

ولد المؤلف في سنة ١٣١٦ هـ في النجف الأشرف في بيت علم وتقوى وسيادة (٢).

جده لأمّه هو السيد حسين المتوفى سنة ١٣٣٤ هـ ، وخاله هو السيد أحمد المتوفى سنة ١٣٣٤ هـ ، وكانا من علماء زمانهما. وأبوه ، السيد محمد المتوفى ١٣٥١ هـ ، كان كثير الاعتكاف في مسجد الكوفة.

وكانت أمه من نساء زمانها الصالحات ، وقد توفيت سنة ١٣٧٠ هـ.

درس المغفور له على جده السيد حسين وعلى علماء عظام مثل : الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء ( ت : ١٣٦٦ هـ ) ، والسيد محسن الحكيم ( ت : ١٣٩٠ هـ ) ، وآقا ضياء الدين العراقي ( ت : ١٣٦١ هـ ) ، والسيد أبو الحسن الاصفهاني ( ت : ١٣٦٥ هـ ) ، والشيخ محمد حسين النائيني ( ت : ١٣٥٥ هـ ) ، والشيخ محمد جواد البلاغي ( ت : ١٣٥٢ هـ ) ، والشيخ محمد حسين الاصفهاني ( ت : ١٣٦١ هـ ) ، والشيخ عبد الرسول الجواهري ( ت : ١٣٨٩ ) ، والشيخ حسين الحلي والسيد أبو القاسم الخوئي ـ دام ظله ـ. ولقد كان لثلاثة من اساتذته ، وهم الشيخ محمد جواد

__________________

١) كما وصفه بذلك سماحة العلامة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي ـ دام ظله ـ في تقديمه على كتاب « علي الاكبر عليه‌السلام » للمؤلف قدس‌سره طبعة قم ١٤٠١ هـ.

٢) أرّخ المرحوم شيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه « الذريعة » سنة ولادته بـ ١٤١٢ هـ كما جاء في كتاب « معجم مؤلفي الشيعة » تأليف الشيخ على الفاضل النجفي ، ص ٤٠٠ ، غير أن التاريخ الذي ورد المتن منقول من المقدمة التي كتبها نجل المؤلف لكتاب « مقتل الحسين عليه‌السلام » طبع بيروت سنة ١٣٩٩ هـ ، وهو أصح.

١

البلاغي ، والشيخ محمد حسين الاصفهاني ، والشيخ عبدالرسول الجواهري ، تأثير بالغ في نفس مؤلفنا الجليل.

كان المرحوم العلامة السيد عبدالرزاق المقرم يكن حبا عميقا لآل بيت العصمة والطهارة عليهم‌السلام ، ولقد انعكس هذا الحب الشديد في آثاره العلمية التي خلفها الفقيد. وإليكم بعض تلك الآثار :

١ ـ « زيد الشهيد عليه‌السلام ».

٢ ـ « مقتل الحسين عليه‌السلام ». (٣)

٣ ـ « المختار بن أبي عبيد الثقفي ».

٤ ـ « السيدة سكينة عليها‌السلام ».

٥ ـ « الصديقة الزهراء عليه‌السلام ».

٦ ـ « علي الاكبر عليه‌السلام ».

٧ ـ « الشهيد مسلم بن عقيل عليه‌السلام ».(٤)

٨ ـ « الامام زين العابدين عليه‌السلام ».

٩ ـ « الامام الرضا عليه‌السلام ».

١٠ ـ « الامام الجواد عليه‌السلام ».

١١ ـ « قمر بني هاشم ، العباس عليه‌السلام ».

١٢ ـ « يوم الاربعين عند الحسين عليه‌السلام ».

١٣ ـ « سر الايمان في الشهادة الثالثة » ( وهو بحث في الشهادة بولاية أمير المؤمنين علي عليه‌السلام في الأذان ».

١٤ ـ « محاضرات في الفقه الجعفري ».

وجميع هذه الكتب قد طبعت. أما كتبه التي لم تطبع بعد فهي :

١ ـ « المنقذ الأكبر محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ».

٢ ـ « الحسن بن علي عليه‌السلام ».

٣ ـ « عاشوراء في الاسلام ».

٤ ـ « الأعياد في الاسلام ».

٥ ـ « زينب العقيلة عليها‌السلام ».

٦ ـ « ميثم التمار ».

٧ـ « أبو ذر الغفاري ».

__________________

٣) ترجم هذين الكتابين إلى الفارسية الشيخ عزيز الله عطاردي وطبعتهما « انتشارات جهان ».

٤) الكتب الاربعة الأخيرة ترجمها إلى الفارسية حسن طارمي ونشرتها « انتشارات ميقات ».

٢

٨ ـ « عمار بن ياسر ».

٩ ـ « نقل الأموات في الفقه الاسلامي ».

١٠ ـ « نقد التاريخ في المسائل الست ».

١١ ـ « حلق اللحية ».

١٢ ـ « ربائب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ».

١٣ ـ « لكني والألقاب ».

١٤ ـ « حاشية على كفاية الاصول ».

١٥ ـ « حاشية على المكاسب للشيخ الانصاري ».

١٦ ـ « نوادر الآثار ».

١٧ ـ « يوم الغدير ».

وقد كان المرحوم المقرم ،علاوة على تأليفاته المذكورة ،يتعاون مع الكثيرين ممن كانوا يتصدون لطبع كتب الشيعة القديمة ،ويكتب لها المقدمات والتعليقات القيمة. من ذلك :

١ ـ « دلائل الامامة » للطبري الامامي.

٢ ـ « الامالي » للشيخ المفيد.

٣ ـ « الخصائص » للسيد الرضي.

٤ ـ « الملاحم » لابن طاووس.

٥ ـ « فرحة الغري » للسيد عبد الكريم بن طاووس.

٦ ـ « إثبات الوصية » للمسعودي.

٧ ـ « الكشكول » للسيد حيدر الآملي.

٨ ـ « بشارة المصطفى » لعماد الدين الطبري.

٩ ـ « الجمل » للشيخ المفيد.

١٠ ـ « طرف من الانباء والمناقب » لابن طاووس.

وكان العلامة السيد عبدالرزاق المقرم يقيم كل سنة عددا من المجالس في مواليد المعصومين ووفياتهم ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وقد ضم كتابه « نوادر الآثار » طائفة من القصائد التي ألقيت في تلك المجالس ، كما نشرت طائفة أخرى منها في عدد من كتبه المطبوعة. وله أبيات في التوسل بأهل بيت الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والتمسك بأذيالهم ، منها هذان البيتان يخاطب بهما أبا الفضل العباس عليه‌السلام :

أبا الفضل يا نور عين الحسين

ويا كافل الظعن يوم المسير

أتعرض عني وأنت الجواد

وكهف لمن بالحمي يستجير

وفي ١٧ محرم الحرام من سنة ١٣٩١ هـ وافى الأجل العلامة السيد عبدالرزاق المقرم فانتقل

٣

إلى دار البقاء عن عمر قضاه في خدمة آل البيت عليهم‌السلام وإحياء ذكرهم الكريم.

وقد أرخ لوفاته الشيخ أحمد الوائلي في قصيدة رثاه بها فقال :

« رحت عبدالرزاق للرزاق » ( ١٣٩١ هـ ) (٥)

٢ ـ هذا الكتاب :

هذا الكتاب واحد من آثار مؤلفنا الفقيد الخالدة عن أول شهيد من قافلة شهداء كربلاء العظام ، وسفير سيد الشهداء عليه‌السلام ونائبه ، مسلم بن عقيل عليه‌السلام.

مقدمة الكتاب تتناول حياة أبي طالب ( جد مسلم ) وحياة عقيل. ويتناول الكتاب نفسه سيرة حياة نائب الامام الحسين عليه‌السلام فيورد نقاطا لم تذكر من قبل عن حياة مسلم عليه‌السلام ويبحثها بكل دقة وتمحيص ويسير مع مسيرته خطوة خطوة. وفي غضون ذلك يحقق في مواضيع أخرى ، مثل « الطيرة في المنظور الاسلامي »، وغير ذلك من الدروس الأخلاقية والإجتماعية ، يتطرق إليها ضمن كلامه على حركة مسلم بن عقيل (ع) التاريخية.

لقد طبع هذا الكتاب قبل سنوات عديدة في النجف الأشرف. واليوم أعيد طبعه بحلة قشيبة ، بعد تصحيح الأغلاط المطبعية السابقة بقدر الإمكان.

نسأل الله تعالى أن يحشر روح المؤلف الرفيعة مع مواليه المعصومين الأربعة عشر ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وأن يزيد من توفيقنا في نشر المعارف القرآنية العظيمة وسير العترة الطاهرة. إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله والأئمة المعصومين ، ولا سيما مولانا وصاحبنا بقية الله في الأرضين.

قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة

محرم الحرام ١٤٠٧ هـ

__________________

٥) لمعرفة المزيد عن حياة العلامة السيد عبدالرزاق المقرم وآثاره يمكن الرجوع إلى المصادر التالية :

١ ـ مقالة للشيخ محمد هادي الأميني نشرت في مجلة « العدل » طبع النجف ، العدد ١٧ بتاريخ ١٤ شعبان ١٣٩١.

٢ ـ مقدمة آية الله المرعشي النجفي لكتاب « علي الأكبر » طبع قم ١٤٠١ هـ

٣ ـ « معجم مؤلفي الشيعة » ص ٤٠٠.

٤ ـ « الذريعة » ٧ / ١١٩ و ١٢١ و ١٢٣ و ١٧ / ١٦٧ و ٢٢ / ٣٢ و ٢٤ / ٤٣٠ و ٢٥ / ١٣٥.

٥ ـ مقدمة السيد محمد حسين المقرم ، نجل الفقيد لكتاب « مقتل الحسين عليه‌السلام » ، طبع بيروت ١٣٩٩ هـ.

وقد اعتمدنا هذه المقدمة كأهم مصدر استقينامه ما جاء في هذا المختصر.

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام : « اني أحب عقيلا حبين حبا له وحبا لحب أبي طالب له وان ولده لمقتول في محبة ولدك تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون » ثم بكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال « إلى الله تعالى أشكو ما تلقى عترتي من بعدي ».

الأمالي للشيخ الصدوق

٥
٦

المقدمة

بيت أبي طالب : (١)

لقد كان بيت أبي طالب موطد الأساس بالنبوات ، مرفوعة معالمه بخلافة الكبرى ، وكانت آصرة النبوة ضاربة فيه من آدم إلى شيث إلى نوح إلى إبراهيم إلى إسماعيل الذبيح إلى ما تناسل منه ممن دان بالتوحيد وكانت له الوصاية في المحافظة على نواميس الأنبياء ، وإنك لا تجد أحدا من عمود النسب الوضاح الذي يقف عنده الحديث النبوي (٢) إلا آخذا بأعضاد الشرف والسودد ، حاملا للحنيفيّة البيضاء دين السلام ، والوئام ، وشرعة الخليل إبراهيم عليه‌السلام.

وان الوقوف على بعض ما ذكره التأريخ في حق هؤلاء الرجال يشهد لهذه الدعوى المدعومة بالوجدان ، فكان « عدنان » يصارح في خطبته بأن فيمن يتناسل منه النبي الكريم خاتم الرسل أجمعين ، الداعي الى كلمة الحق ورسالة الصدق ثم أوصى باتباعه.

ولكن ولده « معد » على نهجه أمر الله تعالى « أرميا » أن يحمله على البراق كيلا تصيبه نقمة بختنصر ، وعرّفه بأنه سيخرج من صلبه نبيا يكون خاتم الأنبياء فحمله

__________________

١) طبعت هذه المقدمة في كتاب العباس عليه‌السلام ولنفاد النسخ رغب جماعة في إعادتها حرصا على الفائدة.

٢) في مناقب ابن شهر آشوب ج١ ص١٠٦ وكشف الغمة للاربلي ص٦ : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إذا بلغ نسبي الى عدنان فأمسكوا. وكأن السر فيه أن ما فوق عدنان من الأسماء مما يتعاصى نطق العامة بها نظرا الى غرابتها فلا يؤمن معه من التصحيف فيسبب الوهن في ساحة جلالتهم والخفة في مقدارهم وقد ولد الرسول الأعظم ووصيه أمير المؤمنين المقدم ـ صلى الله عليهما وعلى آلهما أجمعين ـ.

٧

إلى أرض الشام إلى أن هدأت الفتنة (٣).

وكان نور النبوة يشع في جبهة « نزار » (٤) ، وورد النهي عن سب ربيعة ومضر والياس لكونهم مؤمنين ، والياس أول من أهدى البدن الى البيت الحرام ، وأول من ظفر بمقام إبراهيم ، وقد أدرك « مدركة بن الياس » كل عز لآبائه وفي جبهته نور النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ساطع ، وكان « كنانة » بن خزيمة بن مدركة يجاهر بالدعوة الى دين « الخليل » ورفض عبادة الاصنام ، وأنّ من صلبه نبيا يدعو إلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق.

و « فهر بن مضر » كانت العرب تهابه لجمعه خصال الخير والنور اللائح على أسارير جبهته ، ولانتصاره على حسان بن عبد كلال حين جاء من اليمن لأخذ أحجار الكعبة ليبني بها بيتا باليمن يزوره الناس فأسر حسان وانهزمت حمير وبقي حسان في الأسر ثلاث سنين ، ثم فدى نفسه بمال كثير وخرج فمات بين مكة والمدينة. (٥)

ولم يزل كعب بن لؤي يذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويعلم قريشا بأنه من ولده ، ويأمر باتباعه ، وفي المأثور من كلامه : زينوا حرمكم وعظموه وتمسكوا به ولا نفارقوه فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ، ثم قال :

نهارٌ وليلٌ واختلاف حوادث

سواءٌ علينا حلوها ومريرها

يؤبان بالأحداث حتى تأوَّبا

وبالنعم الضافي علينا ستورها

على غفلة بأتي النبي محمد

فيخبر أخباراً صدوقاً خبيرها

ثم قال :

يا ليتني شاهد فخواء دعوته

حين العشيرة تبغي الحق خذلاناً (٦)

إن هذه السلسلة هي التي أنتجت قصيا فعبد مناف (٧) فهاشما فعبد المطلب ثم

__________________

٣) السيرة الحلبيّة ج١ ـ ص ٢٠.

٤) الروض الأنف للسهبلي ج١ ـ ص٨.

٥) السّيرة الحلبية ج١ ـ ص٩ وص١٩.

٦) صبح الأعشى ج١ ـ ص٢١١.

٧) كان اسمه عبدا ثم أضيف إليه مناف لأنه أناف على الناس وعلا أمره حتى ضربت إليه الركبان من أطراف الأرض فقيل عبد مناف ، وهو الصحيح كما في اثبات الوصية للمسعودي ص٧٥ ، فما في السيرة النبوية لإبن دحلان من أن أمه أخدمته صنما اسمه مناف لا يعبأ به لأنه لم يكن من الأصنام اسمه مناف وإنما الموجود « مناة » بالتاء المثناة من فوق ، ومن هنا كان ابن الكلبي يقول في كتاب الاصنام ص ٣٢ : لا أدري أين

٨

عبدالله وأبا طالب ومنهما أشرق الكون بخاتم الأنبياء وسيد الأوصياء ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ.

والذي يجب الهتاف به أن كل واحد من عمود النسب غير مدنس بشيء من رجس الجاهلية ، ولا موصوم بعبادة وثن ، وهو الذي يرتضيه علماء الحق لكونهم صديقين بين أنبياء وأوصياء ، وقد نزههم الله سبحانه في خطابه لنبيه الأقدس : « وتقلبك في الساجدين » فانه أثبت لهم بلفظ الجمع المحلى باللام السجود الحق الذي يرتضيه لهم.

وأن ما يؤثر عنهم من الأشياء المستغربة عندنا لابد وأن تكون من الشريعة المشروعة لهم أو يكون له معنى تظهره الدراية والتنقيب.

وليس آزر الذي كان ينحت الأصنام ، وكاهنة نمرود أبا ابراهيم عليه‌السلام الذي نزل من ظهره لأن أباه اسمه تارخ ، وآزر إما أن يكون عمه كما يرتئيه جماعة المؤرخين ، واطلاق الأب على العم شائع على المجاز وبه جاء الكتاب المجيد : « إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق » فأطلق على إسماعيل لفظ الأب ولم يكن أبا يعقوب وإنما هو عمه كما أطلق على إبراهيم لفظ الأب وهو جده.

وإما أن يكون آزر جد إبراهيم لامه كما يرتئيه المنقبون والجد للأم أب في الحقيقة ومما يؤيد أنه غير أبيه قوله تعالى : « وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر » فميّزه باسمه ولو أراد أباه الذي نزل من ظهره لاستغنى باضافة الابوة عن التسمية بآزر.

كل ذلك مضافا الى مصارحة الرسول الكريم بطهارة آبائه عن رجس الجاهلية وسفاح الكفر فإنه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

« لما أراد الله تعالى أن يخلقنا ، صورنا عمود نور في صلب آدم فكان ذلك النور في جبينه ثم انتقل الى وصية شيث ، وفيما أوصاه ألا يضع هذا النور الإلهي إلاّ في أرحام المطهرات من النساء ولم تزل هذه الوصية معمولا بها يتناقلها كابر عن كابر فولدنا الأخيار من الرجال والخيّرات المطهرات المهذبات من النساء حتى انتهينا إلى صُلب

__________________

كان هذا الصنم ولمن كان ومن نصبه ، ومنه نعرف الغلط في قول البرقي والزبير كما في الروض الأنف ج١ ـ ص٦ : أن أمه أخدمته « مناة » بالتاء المثناة فسمي عد مناة ولكن رآه قصي يوافق عبد مناة بن كنانة فحوله عبد مناف فإنه لا شاهد عليه ، والصحيح ما عليه المسعودي.

٩

عبد المطلب فجعله نصفين نصف في عبدالله فصار الى آمنة ونصف في أبي طالب فصار إلى فاطمة بنت أسد ». (٨)

ولم يزل هذا الحال كما وصفناه حتى أقبل دور شيخ الأبطح أبي طالب وورده أمير المؤمنين والإمامين السطين سيدي شباب أهل الجنة والأئمة من ولد سيد الشهداء حتى يقف العدد على ناموس الدهر وولي الأمر في كل عصر عجل الله فرجه.

ههنا يقف اليراع عن تصوير عظمة هذا البيت المنيع ، ويرتج على الكاتب ويعي الشاعر ، فإن حقيقة القداسة بين طرفي النبوة والإمامة التي جمعها هذا البيت لم تدع مسرحا لقائل أو متسعا لواصف لتقاعس القدرة البشرية عن نعت ما هو فوق مستواها ، ولا يمكنها الخبرة بحقائق أنوار عالم الملكوت.

نعم لها الاضافة في مقدار ما يمكنها من التوصل اليه ولو في الجملة من أنه بيت نبوة وإمامة ، بيت علم ودين ، بيت عز وسؤدد.

بيت علا سمك الضراح رفعة

فكان أعـلا شرفا وأمنعا

أعزّه الله فما تهـبط فـي

كعبته الأملاك إلا خضعا

بيت من القدس وناهيك به

محط أسرار الهدى وموضعا

فكان مأوى المرتجي والملتجي

فما أعز شأنه وأمنعا (٩)

وهذه الصفات الكريمة هي التي أهلت أبا طالب عليه‌السلام لحمل أعباء الوصاية عن الأنبياء عليهم‌السلام بعد أن تلقاها عن أبيه عبد المطلب الذي كان وصيا من الأوصياء ، وقارئا للكتب السماوية ، كما أخبر أبو طالب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك إذ قال له : كان أبي يقرأ الكتب جميعا ، وقال : إن من صلبي نبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به فمن أدركه من ولدي فليؤمن به (١٠).

وكان أبو طالب كأبيه « شيبة الحمد » عالما بما جاء به الأنبياء وأخبروا به أممهم من حوادث وملاحم لأنه وصي من الأوصياء ، وأمين على وصايا الأنبياء حتى سلمها إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله (١١)

__________________

٨) هذا حاصل أحاديث ذكرها المجلسي في البحار ج٦ ـ ص٦ وج٩ ـ ص٨.

٩) من قصيدة للعلامة الحجة السيد محمد حسين الكيشوان رحمه‌الله.

١٠) البحار ج٩ ـ ص٣١.

١١) مرآة العقول ج١ ـ ص٣٦٢.

١٠

وفي ذلك يقول درست بن منصور لأبي الحسن موسى عليه‌السلام :

أكان رسول الله محجوجا بأبي طالب؟ قال عليه‌السلام : « لا ولكن كان مستودع الوصايا فدفعها إلي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : قلت : دفعها على أنه محجوج به؟ قال عليه‌السلام : « لو كان محجوجا به ما دفعها اليه » قلت : فما كان حال أبي طالب؟ قال : عليه‌السلام : « أقر بالنبي وبما جاء به حتى مات ». (١٢)

وقال شيخنا المجلسي ـ أعلا الله مقامه ـ :

أجمعت الشيعة على أن أبا طالب لم يعبد صنما قط ، وأنه كان من أوصياء ابراهيم عليه‌السلام ، وحكى الطبرسي إجماع أهل العلم على ذلك ، ووافقه ابن بطريق في كتاب الاستدراك (١٣)

وقال الصّدوق :

كان عبد المطلب ، وأبوطالب من أعرف العلماء ، وأعلمهم بشأن النبي ، وكانا يكتمان ذلك عن الجهال والكفرة (١٤).

وممّا يشهد على ذلك ، الحديث الصحيح عن أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« والله ما عبد أبي ، ولا جدي عبد المطلب ، ولا عبد مناف ، ولا هاشم صنما ، وإنما كانوا يعبدون الله ، ويصلون إلى البيت على دين إبراهيم متمسكين به ». (١٥)

ويقول أبو الحسن الرضا عليه‌السلام :

« كان نقش خاتم أبي طالب : رضيت بالله ربا وبابن أخي محمّد نبيّاً وبابني علي وصيا له » (١٦).

مضافا إلى أن قريشا لما أبصرت العجائب ليلة ولادة أمير المؤمنين عليه‌السلام خصوصا لما أتوا بالآلهة إلى جبل أبي قبيس ليسكن ما حل بهم ارتج الجبل ، وتساقطت

__________________

١٢) البحار ج٩ ـ ص٢٩.

١٣) المصدر.

١٤) إكمال الدين ص١٠٢.

١٥) المصدر ص١٠٤.

١٦) الدرجات الرفيعة للسيد علي خان بترجمة أبي طالب.

١١

الأصنام ، ففزعوا إلى أبي طالب لأنه مفزع اللاجي وعصمة المستجير ، وسألوه عن ذلك فرفع يديه مبتهلا الى المولى ـ جل شأنه ـ قائلا : إلهي أسألك بالمحمدية المحمودة ، والعلوية العالية ، والفاطمية البيضاء إلا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة فسكن ما حل بهم. وعرفت قريش فضل هذه الأسماء قبل ظهورها ، فكانت العرب تكتب هذه الأسماء وتدعو بها عند المهمات وهي لا تعرف حقيقتها (١٧).

ومن هنا اعتمد عليه عبد المطلب في كفالة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فخصه به دون سائر بنيه وقال :

وصّيتُ من كنّيته بطالـب

عبد مناف (١٨) وهو ذو تجارب

با ابن الحبيب أكرم الأقـارب

بابن الذي قد غـاب غيـر آب

فقال أبو طالب :

لا توصِني بلازمٍ وواجبِ

إني سمعت أعجب العجائب

من كل حبر عالم وكـاتب

بأن بحمد الله قـول الراهب

فقال عبد المطلب : أنظر يا أبا طالب أن تكون حافظا لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ، ولم يذق شفقة أمه ، أنظر أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك فإني قد تركت بني كلهم ، وخصصتك به ، فانصره بلسانك ويدك ومالك ، فإنه والله سيسودكم ويملك ما لا يملك أحد من آبائي ، هل قبلت وصيتي؟ قال : نعم قد قبلت ، والله على ذلك شاهد.

فقال عبد المطلب : مد يدك ، فمد يده وضرب عبد المطلب بيده على يد أبي ـ

__________________

١٧) روضة الواعظين للقتال ص٦٩.

١٨) إختلف في إسم أبي طالب على أقوال أربعة : الأول : اسمه شيبة حكاه السيوطي في شرح شواهد المغني ص ١٣٥ مصر ، الثاني : اسمه عمران حكاه ابن حجر في الإصابة ج٤ ص١١٥ بترجمته ، الثالث : كنيته حكاه الحكام النيسابوري في المستدرك ج٣ ص١٠٨ ، عن محمد بن إسحاق ، الرابع اسمه عبد مناف نص عليه ابن حبيب في المحبر ص١٦ والطبري في التاريخ ج٦ ص٨٩ ، وابن الاثير في الكامل ج٣ ص١٥٨ ، وأبو الفدا في المختصر ج١ ص١٧٠ ، وحكاه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص٨٤ عن ابن معين ، والنويري في نهاية الأرب ج٢ ص٣٤١ ، والسيوطي في شرح الشواهد المغني ج١ ص١٣٥ ، وابن قتيبة في المعارف ص٨٨ ، وعند ابن حجر في الإصابة : أنه المشهور ، وفي عمدة الطالب ص٥ نجف هو الصحيح وبذلك نطقت وصية أبيه عبد المطلب فإنه قال :

أوصيك يا عبد منافٍ بعدِي

بواحد بعد أبيه فرد

وقال أيضاً :

وصيت من كنيته بطالـب

عبد مناف وهو ذو تجارب

١٢

طالب ثم قال عبد المطلب : الآن خفف عليّ الموت ، ولم يزل يقبله ويقول : أشهد أني لم أر أحدا أطيب ريحا منك ولا أحسن وجها (١٩).

لم ينص عبدالمطلب عليه بالوصية لمحض أنه شقيق أبيه عبدالله فلقد كان الزبير يشارك أبا طالب في ذلك وإنما هو لكفايته لتلك المرتبة القدسية فقد صاغه المهيمن سبحانه متأهلا لحمل النواميس الإلهية « شديد بأعباء الخلافة كاهله ».

فاجتمعت فيه القابلية الذاتية والمعدات المفاضة عليه من سلفه الطاهر ومن الأوصياء الماضين وتأكدت بمصاحبة النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله آناء الليل وأطراف النهار فلا يكاد يفارقه آنا ما وبمشهد منه الإرهاصات النبوية والإفاضات الإلهية المكهربة للمواد اللائقة.

فرح أبو طالب بهذه الخطوة من أبيه العطوف ، وراح يدخر لنفسه السعادة الخالدة بكفالة نبي الرحمة ، فقام بأمره ، وحماه في صغره بماله وجاهه من اليهود ، والعرب ، وقريش ، وكان يؤثره على أهله ونفسه وكيف لا يفعل هذا وهو يشاهد من ابن أخيه ولما يبلغ التاسعة من عمره هيكل القدس يملأ الدست هيبة ، ورجاحة أكثر ضحكه الابتسام ، ويأنس بالوحدة أكثر من الاجتماع ، وإذا وضع له الطعام والشراب لم يتناول منه شيئا إلا قال : باسم الله الأحد ، وإذا فرغ من الطعام حمد الله وأثنى عليه ، وإن رصده في نومه شاهد النور يسطع من رأسه إلى عنان السماء (٢٠).

وكان يوما معه بذي المجاز فعطش أبوطالب ، ولم يجد الماء فجاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى صخرة هناك ، فركله برجله فنبع من تحتها الماء العذب (٢١) ، وزاد على ذلك توفر الطعام في بيته حتى أنه يكفي الجمع الكثير إذا تناول النبي منه شيئا (٢٢).

وهذا وحده كاف في الإذعان بأن أبا طالب كان على يقين من نبوة ابن أخيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أضف الى ذلك قوله في خطبته لما أراد أن يزوجه من خديجة :

« وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل » (٢٣).

وكان يقول في وصيته لقريش عند الوفاة :

__________________

١٩) مرآة العقول ج١ ص٣٦٨.

٢٠) مناقب ابن شهر آشوب.

٢١) السيرة الحلبية ج١ ص١٣٩.

٢٢) المصدر.

٢٣) المصدر.

١٣

« يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب ، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ، ولا شرفا إلا أدركتموه ، فلكم به على الناس الفضيلة ، ولهم به إليكم الوسيلة ، والناس لكم حرب وإلى حربكم إلب ، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البينة فإن فيها مرضاة للرب ، وقواما للجأش ، وثباتا للوطأة ، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ؛ فان صلة الرحم منسأة للأجل وزيادة في العدد ، واتركوا البغي والعقوق ففيهما شرف الحياة والممات ، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة ؛ فإن فيهما محبة للخاص ومكرمة للعام.

واني اوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب كأني أنظر الى صعاليك العرب وأهل الوبر الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته ، وصدّقوا كلمته ، وعظموه ، فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ، ودورها خرابا ، وأعظمهم عليه أحوجهم اليه ، وأبعدهم أقربهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ، وأصغت له فؤادها وأعطته قيادها.

دونكم يا معشر قريش المحافظة على ابن أخيكم وكونوا له ولاة ولحزبه حماة ؛ والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا سعد ، ولا يأخذ بهديه إلا رشد ، ولو كان للنفس مدة ، وللأجل تأخير لكفيت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي.

وأنشد :

أوصي بنصر النبي الخيـرُ مشهـدُهُ

عليا ابنـي وشيخ القوم عباسا

وحمـزة الأسد الحامي حقيقتـه

وجعفـرا أن يذودا دونه الناسا

كونوا فداء لكم أمي وما ولدت

في نصر أحمد دون الناس أتراسا (٢٤)

ولمّا جاء العباس إلى أبي طالب يخبره بتألب قريش على معاداته قال له :

__________________

٢٤) الدرجات الرفيعة للسيد علي خان بترجمة أبي طالب ، واختصر هذه الوصية في تاريخ الخميس ج١ ص٣٣٩ ، وطراز المجالس للخفاجي ص٢١٧ ، وثمرات الأوراق للحموي بهامش المستطرف ج٢ ص١٠ ، وبلوغ الأرب ج١ ص٣٢٧ ط أول ، وأسنى المطالب لزيني دحلان ص٥.

١٤

« إن أبي أخبرني أن الرسول على حق ولا يضره ما عليه قريش من المعادات له ، وإن أبي طان يقرأ الكتب جميعا وقال : إن من صلبي نبيا لوددت أني أدركته فآمنت به فمن أدركه فليؤمن به (٢٥) ».

واستشهاده بكلمة أبيه القارئ للكتب الإلهية مع أنه كان يقرؤها مثله ، يدلنا على تفننه في تنسيق القياس ، وإقامة البرهان على صحة النبوة وأن الواجب اعتناق شريعته الحقة.

أما هو نفسه فعلى يقين من أن رسالة ابن أخيه خاتمة الرسالات ،وهو افضل من تقدمه قبل أن يشرق نور النبوة على وجه البسيطة ، ولم تجهل لديه صفات النبي المبعوث ، وعلى هذا الأساس أخبر بعض أهل العلم من الأحبار حينما أسر إليه بأن ابن أخيه الروح الطيبة والنبي المطهر على لسان التوراة والإنجيل فاستكتمه أبو طالب الحديث كي لا يفشو الخبر ، ثم قال له : إن أبي أخبرني أنه النبي المبعوث وأمر أن أستر ذلك لئلا يغرى به الأعادي ولو لم يكن معتقدا صدق الدعوة لما قال لأخيه حمة لما أظهر الإسلام (٢٦) :

فصبراً أبا يعلَى علىَ دينِ أحمـد

وكـن مظهرا للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالدين من عند ربه

بصـدق وحق لا تكن حمز كافرا

فقد سريي إذ قلت أنك مؤمـن

فكـن لرسول الله في الله ناصرا

وناد قريشا بالذي قد أتيته

جهارا وقل : ما كان أحمد ساحرا

وقال رادا على قريش (٢٧) :

ألم تعلموا أنا وجدنا مـحـمـدّاً

نبيا كموسى خط في أول الكتب

وقال (٢٨) :

وأمسى ابن عبدالله فيننا مصدّقـا

على سخط من قومنا غير معتب

وقال (٢٩) :

__________________

٢٥) الحجة على الذاهب ص٦٥.

٢٦) المصدر ص٧١.

٢٧) خزانة الأدب للبغدادي ج١ ص٢٦١.

٢٨) الحجة على الذاهب ص٤٥.

٢٩) شرح النهج الحديدي ج٣ ص٣١٣.

١٥

أمين محبٌّ فِي العبـادِ مسوَّمٌ

بخاتمِ ربٍّ قاهـرٍ للخواتمِ

يَرى النّاسَ برهانـاً عليه وهيبةً

ومَا جاهلٌ فِي فعلـهِ مثلُ عالـمِ

نبيٌّ أتاهُ الوحيُ مِن عندِ ربهِ

فمن قالَ لاَ ، يقـرع بهَا سنَّ نادمِ

ومما خاطب بها النجاشي :

تعلم خيـار الناس أن محمدا

وزير لموسى والمسيح ابن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به

فكل بأمر الله يهدي ويعصم

وإنكم تتلونـه في كتابكم

بصدق حديث لا حديث المترجم

فلا تجعلـوا لله نـدا وأسلموا

فإن طريـق الحـق ليس بمطلم

وقال (٣٠) :

اذهب بني فما عليك غضاضة

اذهب وقر بذاك منك عيونا

والله لن يصلوا اليك بجمعهـم

حتى أوسدفي التـراب دفينا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي

وصدقت ثم وكنت قبل أمينا

وذكرت دينا لا محالة أنـه

من خير أديان البرية دينـا

وبعد هذه المصارحة هل يخالج أحدا الريب في إيمان أبي طالب؟ وهل يجوز على من يقول إنا وجدنا محمدا كموسى نبيا إلا الإعتراف بنبوته والإقرار برسالته كالأنبياء المتقدمين؟ وهل يكون إقرار بالنبوة أبلغ من قوله « فأمسى ابن عبدالله فينا مصدقا »؟ ، وهل فرق بين أن يقول المسلم : أشهد أن محمدا رسول الله وبين أن يقول (٣١) :

وإن كان أحمد قد جاءهم

بصـدق ولم يتهم بالكذب

أو يعترف الرجل بأن محمدا كموسى وعيسى جاء بالهدى ، والرشاد مثل ما أتيا به ، ثم يحكم عليه بالكفر؟ ، وهل هناك جملة يعبر بها عن الاسلام اصرح من قول المسلم :

وذكرت دينا لا محالة أنه

من خير أديان البرية دينا

__________________

٣٠) أورد الأبيات الزمخشري في الكشاف ج١ ص٤٤٨ طع سنة ١٣٠٨ ، وابن دحلان في السيرة النبوية بهامش السيرة الحلبية ج١ ص٩٧ طبع سنة ١٣٢٩ ، وأوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج ج٣ ص٣٠٦ باختلاف يسير ، وفي خزانة الأدب للبغدادي ج١ ص٢٦١ ، والإصابة ج٤ ص١١٦ ، وبلوغ الأرب ج٢ ص٣٢٥ طب سنة ١٣٤٢ ذكر البيت الثالث والرابع ، وفي السيرة الحلبية ج١ ص٣١٣ البيت الثاني ، وفي تاريخ أبي الفدا ج١ ص١٢٠ ثلاثة ابيات باختلاف يسير.

٣١) شرح النهج لابن أبي الحديد ج٣ ص٣٠٩.

١٦

كلاّ ، ولو لم يعرف أبوطالب من ابن أخيه الصدق فيما أخبر به لما قال له بمحضر قريش ليريهم من فضله ، وهو به خبير ، وجنانه طامن : يا ابن أخي الله أرسلك؟ قال؟ « نعم » ، قال أبو طالب : إن للأنبياء معجزة وخرق عادة فأرنا آية ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « يا عم ادع تلك الشجرة وقل لها : يقول لك محمد بن عبدالله : اقبلي بإذن الله » فدعاها أبو طالب فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم أمرها بالإنصراف فانصرفت.

فقال أبوطالب : أشهد أنك صادق ، ثم قال لابنه : « يا علي الزمه. » (٣٢) وفي بعض الأيام رأى عليا يصلي مع النبي فقال له : يا بني ما هذا الذي أنت عليه؟ ، قال : يا آبة آمنت بالله وبرسوله وصدّقت بما جاء به ودخلت معه واتبعته ، فقال أبوطالب :

أما أنه لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه (٣٣).

وهل يجد الباحث بعد هذا ملتحدا عن الجزم بأن شيخ الأبطح كان معتنقا للدين الحنيف ، ويكافح طواغيت قريش حتى بالصلاة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وان أهمله فريق من المؤرخين رعاية لما هم عليه من حب الوقيعة في أبي طالب ورميه بالقذائف حنقا على ولده أمير المؤمنين عليه‌السلام ، الذي لم يتسن لهم أي غميزة فيه ، فتحاملوا على أمه وأبيه إيذاء له وإكثارا لنظائر من يرمون إكباره ، وإجلاله ممن سبق منهم الكفر ، وحيث لم يسعهم الحط من كرامة النبي والوصي ، عمدوا إلى أبويهما الكريمين فعزوا إليهما الطامات ، وستروا ما يؤثر عنهما من الفضائل إيثارا لما يروقهم إثباته.

يشهد لذلك ما ذكره بعض الكتاب عند ذكره أسرى بدر فانه قال : وكان من الأسرى عم النبي وعقيل ابن عمه ( أخو علي ) (٣٤).

فلو كان غرضه تعريف المأسور لكان في تعريف عقيل بأنه ابن عم النبي كفاية كما اكتفى في تعريف العباس به ، ولم يحتج أن يكتب بين قوسين ( أخو علي ) وأنت تعرف المراد من ذكر هذه الكلمة بين القوسين ، والى أي شيء يرمز بها الكاتب ، ولكن فاته الغرض ، وهيهات الذي أراد ففشل.

ثم جاء فريق آخر من المؤرخين يحسبون حصر المصادر في ذوي الأغراض

____________

٣٢) الحجة على الذاهب ص٢٥.

٣٣) تاريخ الطبري ج٢ ص٢١٤.

٣٤) تاريخ الأمة العربية للمقدادي ص٨٤ مطبعة الحكومة بغداد سنة ١٩٣٩م.

١٧

المستهدفة ، وأن ما جاؤا به حقائق راهنة فاقتصروا على مروياتهم مما دب ودرج ، وفيها الخرافات وما أوحته إليهم الأهواء والنوايا السيئة ومن هنا أهملت حقائق ورويت أباطيل.

فعزوا إلى أبي طالب قوله : إني لا أحب أن تعلوني أستي (٣٥) ، ثم رووا عنه أنه قال لرسول الله : ما هذا الدين؟ قال رسول الله :

« دين الله ودين ملائكته ورسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله به الى العباد ، وأنت أحق من دعوته الى الهدى وأحق من أجابني »

فقال أبو طالب : إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي ، والله لا يخلص اليك من قريش شيء تكرهه ما حييت (٣٦).

فحسبوا من هذا الكلام أن أبا طالب ممن يعبد الأوثان ، كيف وهو على التوحيد أدل ، وجوابه هذا من أنفس التورية ، وأبلغ المحاورة ، فإن مراده من قوله لرسول الله عقيب قوله أنت أحق من دعوته : « إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي ». الاعتراف بايمانه وأنه باق على حنيفية إبراهيم الخليل التي هي دين الحق ودينه ودين آبائه. ثم زاد أبوطالب في تطمين النبي بالمدافعة عنه مهما كان باقيا في الدنيا.

نعم من لا خبرة له بأساليب الكلام وخواص التورية يحسب أن أبا طالب أراد بقوله : إني لا افارق ديني ـ الخ ، الخضوع للأصنام فصفق طربا واختال مرحا.

وجاء آخر يعتذر عنه بأن شيخ الأبطح كان يراعي بقوله هذا الموافقة لقريش ليتمكن من كلائة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتمشية دعوته.

نحن لاننكر أن أبا طالب كان يلاحظ شيئا من ذلك ويروقه مداراة القوم للحصول على غايته الثمينة كي لا يمس كرامة الرسول سوء لكنا لا نصافقهم في كل ما يقولونه من انسلاله عن الدين الحنيف انسلالا باتا ، فإنه خلاف الثابت من سيرته حتى عند رواة تلكم المخزيات ومهملي الحقائق الناصعة حذرا عما لا يلائم خطتهم فلقد كان يراغم الطواغيت بما هو أعظم من التظاهر بالإيمان والإئتمام بالصلاة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

٣٥) السيرة الحلبية ج١ ص٣٠٦.

٣٦) الطبري ج١ ص٢١٣ وابن الأثير ج٢ ص٢١.

١٨

وانّ شعره الطافح بذكر النبوة والتصديق بها سرت به الركبان وكذلك أعماله الناجعة حول دعوى الرسالة.

ولولا أبو طالب وابنه

لما مثل الدين شخصا فقاما

فذاك بمكـة آوى وحامـا

وهذا بيثرب جس الحماما

تكفل عبد مناف بأمر

وأودى فكـان علي تماما

فلله ذا فاتح للهدى

ولله ذا للمعـالـي ختامـا

وما ضر مجـد أبي طالب

عـدو لغى وجهول تعامى

وخلاصة البحث أن أبا طالب حلقة الوصل بين سلسلة الوصاية عن الرسل الماضين حتى أوصلها إلى النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وكما تنتهي به الحلقات الغابرة فإن بولده أمير المؤمنين تبتدى سلسلة الخلافة المحمدية ثم تتواصل في بينه الأطهرين حتى تنتهي الى حجة العصر وناموس الدهر الحجة المهدي المنتظر عجل الله فرجه.

فبيت أبي طالب بيت ضرب على النبوة سرادقه ، وبني على الوصاية أطرافه ، ونيطت بالدين أطنابه ، وأسدل على العلم سجافه ووطدت على التقوى أوتاده.

إذا فما ظنك بمن ضمه هذا البيت وتربى فيه فهل يعدوه أن يكون إما داعية إلى الهدى أو مهذبا للبشر أو معلما للنواميس الإلهية أو هاديا إلى سبل السلام أو قائدا إلى الصالح العام.

نعم لا يجوز أن يكون من حواه هذا البيت إلا كما وصفناه بعد أن كان نصب عينه الأعلام الالهية وملء اذنه الوحي والإلهام ، وحشو فؤاده نكت من عالم الغيوب ومعه التمارين المسعدة والتعاليم المصلحة.

وقد لبى هتاف الدعوة الالهية زوج شيخ الأبطح التي شهد لها الرسول الأمين بأنها من الطاهرات الطيبات المؤمنات في جميع أدوار حياتها ، والعجب ممن اغترّ بتمويه المبطلين فدوّن تلك الفرية زعما منه أنها من فضائل سيد الأوصياء وهي : أن فاطمة بنت أسد (٣٧) دخلت بيت الحرام حاملة بعلي بن أبي طالب فأرادت أن تسجد لهبل

__________________

٣٧) في نهاية الارب للنويري ج٢ ص٣٤١ هي بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهي أول هاشمية تزوجت هاشميا ، وعند ابن جرير الطبري في التاريخ ج٦ ص٨٩ ، وابن الأثير في الكامل ج٣ ص١٥٨ ، وأبو الفداء في المختصر ج١ ص١٧٠ ، وابن كثير في البداية ج٧ ص٣٣٢ كما في النهاية.

١٩

فمنعها علي عليه‌السلام وهو في بطنها.

وقد فات المسكين أن في هذه الكرامة التي حسبها طعنا بتلك الذات المبرأة من رجس الجاهلية ودنس الشرك ، وكيف يكون أشرف المخلوقات بعد خاتم الأنبياء المتكون من النور الآلهي مودعا في وعاء الكفر والجحود.

كما أنهم أبعدوها كثيرا عن مستوى التعاليم الآلهية ودروس خاتم الأنبياء الملقاة عليها كل صباح ومساء وفيها ما فرضه المهيمن سبحانه على الأمة جمعاء من الايمان بما حبا ولدها الوصي بالولاية على المؤمنين حتى اختص بها دون الأئمة من أبناءه وإن كانوا نورا واحدة ولقد غضب الإمام الصادق عليه‌السلام على من سماه أمير المؤمنين وقال : « مه لا يصلح هذا الإسم إلا لجدي أمير المؤمنين ».

فرووا أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقف على قبرها وصاح : « ابنك علي لا جعفر ولا عقيل » ولما سئل عنه أجاب : « ان الملك سألها عمن تدين بولايته بعد الرسول فخجلت أن تقول ولدي » (٣٨).

أمن المعقول أن تكون تلك الذات الطاهرة الحاملة لأشرف الخلق بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بعيدة عن تلك التعاليم المقدسة؟ ، وهل في الدين حياء ، نعم أرادوا أن يزحزحوها عن الصراط السّويّ ولكن فاتهم الغرض وأخطأوا الرمية.

فإن الصحيح من الآثار ينص على أن النبي لما أنزلها في لحدها ناداها برفيع صوت :

« يا فاطمة أنا محمد سيد ولد آدم ولا فخر فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك من ربّك ، فقولي : الله ربي ، ومحمد نبيي ، والإسلام ديني ، والقرآن كتابي ، وإبني إمامي ووليي ، ثم خرج من القبر وأهال عليها التراب ». (٣٩)

ولعلّ هذا خاص بها ومن جرى مجراها من الزاكين الطيبين كفاطمة الزهراء عليها‌السلام فإن الحديث ينص على أنها لما سألها الملكان عن ربها قالت : الله ربي ، قالا : ومن نبيك؟ قال : أبي ، قالا : ومن وليك؟ قالت : هذا القائم على شفير قبري

__________________

٣٨) خصائص أمير المؤمنين للسيد الرضي وفي طريق الحديث محمد بن جمهور العمى الضعيف بنص النجاشي والكشي وابن الغضائري والعلامة الحلي.

٣٩) مجالس الصدوق ص١٨٩ مجلس٥١.

٢٠