🚘

غاية المرام وحجّة الخصام - ج ٦

السيّد هاشم البحراني الموسوي التوبلي

غاية المرام وحجّة الخصام - ج ٦

المؤلف:

السيّد هاشم البحراني الموسوي التوبلي


المحقق: السيد علي عاشور
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥٨
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الباب الحادي والستّون

في قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : أنا أولى بالأمر من أبي بكر وعمر وعثمان

واحتجاجه عليهم وقوله عليه‌السلام : انّ لنا حقّا إن نعطه نأخذه

وانّ الإمامة والخلافة له عليه‌السلام دونهم ، ولم يبايع حتّى راموا قتله عليه‌السلام

من طرق العامّة وفيه ثمانية أحاديث

الأوّل : موفّق بن أحمد من أعيان علماء العامّة في كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : أخبرنا الشيخ الإمام شهاب الدين أفضل الحفّاظ أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمداني المعروف بالمروزي فيما كتب إليّ من همدان ، أخبرنا الحافظ أبو عليّ بن الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد باصبهان فيما أذن في الرواية عنه ، أخبرني الشيخ الأديب أبو يعلى عبد الرزّاق بن عمر بن إبراهيم الطهراني سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ، أخبرني الإمام الحافظ طراز المحدّثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصبهاني ، حدّثنا الإمام شهاب الدين أبو النجيب سعد بن عبيد الله الهمداني ، وأخبرني بهذا الحديث عاليا الإمام الحافظ سليمان بن إبراهيم الاصفهاني في كتابه إليّ من اصبهان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، حدّثنا سليمان بن أحمد بن علي بن سعيد الرازي حدّثنا محمد بن حميد حدّثنا زافر بن سليمان بن الحارث بن محمد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال : كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم فسمعت عليّا عليه‌السلام يقول : بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحقّ به منه ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف ، ثمّ بايع أبو بكر لعمر وأنا والله أولى بالأمر منه ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا ، ثمّ أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذ لا أسمع ولا أطيع ، إنّ عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لي فضلا في الصلاح ولا يعرفونه لي كما نحن فيه شرع سواء ، وأيم الله لو أشاء أن أتكلّم بأشياء لا يستطيع عربهم لا عجمهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك أن يردّ خصلة منها ثمّ قال :

٥

أنشدكم الله أيّها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري؟

قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة أسد الله وأسد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد له ابن عم مثل ابن عمّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزيّن بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنّة؟

قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء هذه الامّة؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطا هذه الامّة ابنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد قتل مشركي قريش غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد وحّد الله قبلي؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد صلّى القبلتين غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد أمر الله سبحانه وتعالى بمودّته غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد غسّل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد ردّت عليه الشمس بعد غروبها حتّى صلّى صلاة العصر غيري؟ قالوا : لا ، قال : أمنكم أحد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين قرب إليه الطير ليأكله فقال : اللهم ايتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ، فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قوله فدخلت قال : وإليّ يا ربّ وإليّ يا ربّ ، غيري؟ قالوا : لا ، قال : أفيكم أحد كان قتل المشركين عند كلّ شدّة تنزل برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مني؟ قالوا : لا ، قال : أفيكم أحد كان أعظم عناء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت له مهجتي غيري؟

قالوا : لا ، قال : أفيكم أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير فاطمة؟ قالوا : لا ، قال : أفيكم أحد كان له سهم في الخاصّ وسهم في العامّ غيري؟ قالوا : لا ، قال : أفيكم أحد يطهّره كتاب الله غيري حتّى سدّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابي إليه حتّى قام إليه عمّاه حمزة والعبّاس وقالا : يا رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب عليّ فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما فتحت بابه ولا سددت أبوابكم ، بل الله فتح بابه وسدّ أبوابكم. قالوا : لا ، قال : أفيكم أحد أتمّ الله نوره حين قال : (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)؟ قالوا : اللهم لا ، قال : أفيكم أحد ناجى رسول الله ستّ عشرة مرّة غيري حين نزل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) غيري؟ قالوا : اللهم لا ، قال: أفيكم أحد ولي غمض عيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله غيري؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : أفيكم أحد آخر عهده برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين وضعه في حفرته غيري؟ قالوا : اللهم لا (١).

الثاني : ابن أبي الحديد من علماء السنّة في شرح نهج البلاغة قال : روى أبو جعفر ما قاله

__________________

(١) المناقب : ٣١٣ / ح ٣١٤.

٦

عليّ عليه‌السلام في يوم الشورى وهو : الحمد لله الذي اختار محمّدا منّا نبيّا وابتعثه إلينا رسولا فنحن أهل بيت النبوّة ومعدن الحكمة ، أمان لأهل الأرض ونجاة لمن طلب ، إنّ لنا حقّا إن نعطه نأخذ وان نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السّرى ، لو عهد إلينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنفذنا عهده ولو قال لنا قولا لجالدنا عليه حتّى نموت ، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصلة رحم ولا حول ولا قوّة إلّا بالله ، اسمعوا كلامي وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر بعد الجمع تنتضي فيه السيوف وتخان فيه العهود حتّى لا تكون لكم جماعة وحتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة (١).

الثالث : ابن أبي الحديد قال عوانة : حدّثني يزيد بن جرير عن الشعبي عن شقيق بن مسلمة أنّ عليّ ابن أبي طالب عليه‌السلام لما انصرف إلى رحله يعني في قصّة الشورى قال لبني هاشم : يا بني عبد المطّلب إنّ قومكم عادوكم بعد وفاة النبيّ كعداوتهم النبيّ في حياته ، إن يطمع قومكم لا تؤمروا أبدا ، والله لا يثبت هؤلاء إلى الحقّ إلّا بالسيف ، قال عبد الله بن عمر بن الخطّاب كان داخلا عليهم قد سمع الكلام كلّه فدخل فقال : يا أبا الحسن اريد أن يضرب بعضهم بعضا فقال : اسكت ويحك فو الله لو لا أبوك وما ركب منّي قديما وحديثا ، ما نازعني ابن عفّان ولا ابن عوف فقام عبد الله فخرج (٢).

الرابع : ابن أبي الحديد قال : قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : واعجبا أن تكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة قال الرضيّ رحمه‌الله : وقد روى له شعر قريب من هذا المعنى وهو :

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب

وقال ابن أبي الحديد في الشرح : حديثه عليه‌السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر ، أمّا النثر فإلى عمر توجيهه لأنّ أبا بكر لما قال لعمر : امدد يدك قال له عمر : أنت صاحب رسول الله في المواطن كلّها شدّتها ورخاؤها فامدد أنت يدك ، فقال عليّ عليه‌السلام : إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إيّاه في المواطن كلها ، فهلّا سلّمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك وزاد عليه بالقرابة ، وأمّا النظم فموجّه إلى أبي بكر لأنّ أبا بكر حاجّ الأنصار في السقيفة فقال : نحن عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبيضته التي تفقأت عنه ، فلمّا بويع احتجّ على الناس بالبيعة وانّما صدرت عن أهل الحلّ والعقد فقال عليّ : امّا احتجاجك على الأنصار بأنّك من بيضة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن قومه فغيرك أقرب نسبا منك إليه وأمّا احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك فقد كان قوم من جلّة الصحابة غائبين لم

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١ / ١٩٥.

(٢) شرح نهج البلاغة : ٩ / ٥٤.

٧

يحضروا العهد فكيف ثبت (١)؟.

الخامس : ابن أبي الحديد قال : قال عليه‌السلام : ما زلت مدفوعا منذ قبض الله نبيّه حتّى يوم الناس هذا (٢).

السادس : ابن أبي الحديد قال : قال عليه‌السلام : ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيّه حتّى يوم الناس هذا ، ولقد كنت أظلم من قبل ظهور الإسلام ، لقد كان يجيء أخي عقيل بذنب أخي جعفر فيضربني(٣).

السابع : ابن أبي الحديد في الشرح قال : نحن نذكر ما استفاض من الروايات من مناشدته أصحاب الشورى وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غيرهم ، قد روى الناس ذلك فأكثروا ، والذي صحّ عندي أنّه لم يكن الأمر كلّما روي من تلك التعديدات الطويلة ولكنّه قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن والحاضرون عثمان وتلكأ هو عليه‌السلام عن البيعة قال : إنّ لنا حقّا أن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السّرى ، في كلام قد ذكره أهل السيرة وقد أوردنا بعضه فيما تقدّم ثمّ قال لهم : أنشدكم الله أفيكم أحد آخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بينه وبين نفسه حيث واخى بين بعض المسلمين وبعض غيري؟ فقالوا : لا ، قال : أفيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فهذا مولاه غيري؟ فقالوا : لا ، فقال : أفيكم أحد قال له رسول الله : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا انّه لا نبيّ بعدي غيري؟ قالوا : لا ، قال : أفيكم من اؤتمن على سورة براءة وقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّه لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي ، غيري؟ قالوا : لا ، قال : ألا تعلمون أنّ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فرّوا عنه في مواطن الحرب في غير موطن وما فررت قطّ؟ قالوا : بلى ، قال : ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاما؟ قالوا : لي ، قال : فأيّنا أقرب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نسبا؟ قالوا : أنت ، فقطع عليه عبد الرحمن بن عوف كلامه وقال : يا عليّ قد أبى الناس إلّا على عثمان فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا ثمّ قال : يا أبا طلحة ما الذي أمرك به عمر قال : ان اقتل من شقّ عصا الجماعة ، فقال عبد الرحمن لعليّ : بايع إذا وإلّا كنت متبعا عن سبيل المؤمنين وأنفدنا فيك ما أمرنا به فقال : لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري والله لأسلمنّ الفضل إلى غيره ، ثمّ مدّ يده فبايع (٤).

الثامن : البلاذري وهو من أعيان العامّة وثقاتهم في كتابه عن الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف في إسناده له أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : لمّا بايع عبد الرّحمن عثمان كان قائما فقعد فقال له عبد الرحمن : بايع وإلّا ضربت عنقك ، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره فيقال : إنّ عليّا عليه‌السلام خرج

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١٨ / ٤١٦.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١ / ٢٢٣.

(٣) شرح نهج البلاغة : ٢٠ / ٢٨٣.

(٤) شرح نهج البلاغة : ٦ / ١٦٧.

٨

مغضبا فلحقه أصحاب الشورى فقالوا : بايع وإلّا جاهدناك ، فأقبل معهم يمشي حتّى بايع عثمان (١).

قال السيّد المرتضى عقيب ذكره هذا الحديث في الشافي فأيّ رضا هاهنا وأيّ إجماع؟ وكيف يكون مختارا من يهدّد بالقتل والجهاد؟ وهذا المعنى ـ يعني حديث التهديد بضرب العنق ـ لو روته الشيعة لتضاحك المخالفون منه ولتغامزوا وقالوا : هذا من جملة ما يدّعونه من المحال ويروونه من الأحاديث ، وقد أنطق الله به رواتهم وأجراه على أفواه ثقاتهم. إلى هاهنا كلام السيّد المرتضى (٢).

أقول : إنّه قد صحّ في أخبار العامّة وأهل السنّة والجماعة من الأخبار المتقدّمة في الباب السادس والخمسين وفي هذا الباب أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام إنّما بايع وصالح المتقدّمين عليه الذين أخذوا الإمامة والخلافة منه أبو بكر وعمر وعثمان ما وقع الصلح منه عليه‌السلام لهم إلّا بعد أن هدّد عليه‌السلام بالقرآن لم يبايعهم ، فإذا كان الأمر على ذلك فمما صالحهم إلّا لخوف القتل منهم له عليه‌السلام ، وبيعته عليه‌السلام وقعت منه على سبيل التقيّة والخوف ، فلا تكون بيعته عليه‌السلام حجّة للعامّة كما هو واضح بيّن ؛ لأنّ من هدّد بالقتل واكره على أمر ففعله لا يكون فعله له باختيار منه ، وما وقع على غير اختيار لا يكون صاحبه ينسب إليه الفعل الاختياري ويكون حجّة عليه وعلى أوليائه الموافقين له في أمره ، من ذلك يعلم أنّ مذهب العامّة على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم ألا ذلك هو الخسران المبين.

__________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج : ١٢ / ٢٦٥.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٢٦٥.

٩

الباب الثاني والستّون

في قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : أنا أولى بالأمر ممّن تقدّم عليّ

واحتجاجه عليه‌السلام عليهم ، وأنّ الخلافة والإمامة له عليه‌السلام دونهم

من طريق الخاصّة وفيه خمسة أحاديث

الأوّل : الشيخ الطوسي في أماليه قال : حدّثنا محمد بن محمّد يعني المفيد قال : أخبرني أبو الحسن عليّ بن محمّد الكاتب قال : حدّثنا الحسن بن علي الزعفراني قال : حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي قال : حدّثنا المسعودي قال : حدّثنا محمّد بن كثير عن يحيى بن حمّاد القطّان قال : حدّثنا أبو محمد الحضرمي عن [أبي] عليّ الهمداني أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال : يا أمير المؤمنين إنّي سائلك لآخذ عنك ، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله ، ألا تحدّثنا عن أمرك هذا كان بعهد من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو شيء رأيته فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل ، وأوثقه عندنا ما نقلناه عنك وسمعناه من فيك؟ إنّا كنّا نقول : لو رجعت إليكم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدري إذا سئلت ما أقول ، أأزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك؟ فإن قلت ذلك فعلام نصبك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد حجّة الوداع فقال : أيّها الناس من كنت مولاه فعليّ مولاه ، وإن كنت أولى منهم لما كانوا فيه فعلام نتولّاهم؟

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : يا أبا عبد الرحمن إنّ الله تعالى قبض نبيّه عليه‌السلام وأنا يوم قبضه أولى الناس منّي بقميصي هذا ، وقد كان من نبي الله إليّ عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت سمعا لله وطاعة ، وإنّ أوّل ما انتقصنا بعده إبطال حقّنا في الخمس ، فلمّا دقّ أمرنا طمعت رعيان قريش فينا ، وقد كان لي على الناس حقّ لو ردّوه إليّ عفوا قبلته وقمت به ، وكان إلى أجل معلوم وكنت كرجل له على الناس حقّ إلى أجل فإن عجلوا ماله أخذه وحمدهم عليه وإن أخّروه أخذه غير محمودين ، وكنت كرجل يأخذ السّهولة وهو عند الناس محزون ، وإنّما يعرف الهدى بقلّة من يأخذه من الناس ، فإذا سكت فاعفوني فإنّه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم ، فكفّوا عنّي ما كففت عنكم فقال عبد الرحمن : يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الأوّل :

١٠

لعمري لقد ايقظت من كان نائما

وأسمعت من كانت له اذنان (١)

الثاني : الشيخ في أماليه قال : أخبرنا محمّد بن محمّد قال : أخبرني أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال : أخبرنا الحسن بن عليّ بن عبد الكريم قال : حدّثنا إبراهيم بن محمّد الثقفي قال : أخبرني أبو نعيم الفضل بن دكين قال : حدّثنا أبو عاصم عن قيس بن مسلم قال : سمعت طارق بن شهاب يقول : لمّا نزل عليّ بالربذة سألت عن قدومه إليها فقيل : خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة ، فخرج يريدهم فصرت إليه فجلست حتّى صلّى الظهر والعصر ، فلمّا فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن عليّ عليهما‌السلام فجلس بين يديه ثمّ بكى وقال : يا أمير المؤمنين إنّي لا أستطيع أن اكلّمك ، وبكى فقال له أمير المؤمنين : لا تبك يا بنيّ وتكلّم ولا تحنّ حنين الجارية.

فقال : يا أمير المؤمنين انّ القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إمّا ظالمون أو مظلومون ، فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكّة حتّى تئوب العرب وتعود إليها أحلامها ويأتيك وفودها ، فو الله لو كنت في جحر ضبّ لضربت إليك العرب آباط الإبل حتّى تستخرجك منه ثمّ خالفك طلحة والزبير فسألتك ألا تتبعهما وتدعهما ، فإن اجتمعت الامّة فذاك وإن اختلفت رضيت بما قسم الله ، وأنا اليوم أسألك ألا تقدم العراق وأذكّرك بالله أن لا تقتل بمضيعة ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أمّا قولك : إنّ عثمان حصر فما ذاك؟ وما عليّ منه؟ وكنت بمعزل عن حصره ، وأمّا قولك ائت مكة فو الله ما كنت لأكون الرجل الذي تستحلّ به مكة ، وأمّا قولك اعتزل العراق ودع طلحة والزبير ، فو الله ما كنت لأكون كالضبع ينتظر حتّى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتّى يقطع عرقوبها فيمزّقها إربا إربا ، ولكن أباك يضرب بالمقبل إلى الحقّ المدبر عنه ، وبالسامع المطيع العاصي المخالف أبدا حتّى يأتي عليّ يومي ، فو الله ما زال أبوك مدفوعا عن حقّه مستأثرا عليه منذ قبض الله نبيّه عليه‌السلام حتّى يوم الناس هذا ، فكان طارق بن شهاب ـ أيّ وقت حدّث بهذا الحديث يبكي (٢).

الثالث : ابن بابويه قال : حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال : حدّثنا عبد الرحمن بن محمد الحسني قال : حدّثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي قال : حدّثنا الحسن بن عبد الواحد قال : حدّثني أحمد التغلبي قال : حدّثني أحمد بن عبد الحميد قال : حدّثني حفص بن منصور العطّار قال : حدّثنا أبو سعيد الورّاق عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عليهم‌السلام قال : لمّا كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ما كان ، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٩ / مجلس ١ / ح ٩.

(٢) أمالي الطوسي : ٥٢ / مجلس ٢ / ح ٣٧.

١١

ويرى منه انقباضا ، فكبر ذلك على أبي بكر فأحبّ لقاه واستخراج ما عنده والمعذرة إليه لمّا اجتمع الناس عليه وتقليدهم إيّاه أمر الامّة وقلّة رغبته في ذلك وزهده فيه ، أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة وقال له: والله يا أبا الحسن ما كان هذا الأمر مواطأة منّي ولا رغبة فيما وقعت فيه ولا حرصا عليه ولا ثقة بنفسي فيما يحتاج إليه الامّة ولا قوّة لي بمال ولا كثرة العشيرة ولا ابتزاز له دون غيري ، فمالك تضمر عليّ ما لم استحقّه منك ، وتظهر لي الكراهة فيما صرت إليه ، وتنظر إليّ بعين السّئامة منّي؟ قال : فقال له عليّ عليه‌السلام : فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه ولا حرصت عليه ولا وثقت بنفسك في القيام به وبما يحتاج منك فيه؟

فقال أبو بكر : حديث سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلال ، ولمّا رأيت اجتماعهم اتّبعت حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى وأعطيتهم قود الإجابة ، ولو علمت أنّ أحدا يتخلّف لامتنعت ، قال : فقال عليه‌السلام : أمّا ما ذكرت من حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلال ، أفكنت من الامّة أو لم أكن؟ قال : بلى ، وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمّار والمقداد وأبي ذرّ وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟ قال : كلّ من الامّة فقال علي عليه‌السلام : فكيف تحتجّ بحديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمثال هؤلاء قد تخلّفوا عنك وليس للامّة فيهم طعن ولا صحبة الرسول ونصيحته منهم تقصير؟ قال : ما علمت بتخلّفهم إلّا من بعد إبرام هذا الأمر وخفت إن دفعت عنّي الأمر أن يتفاقم إلى أن يرجع الناس مرتدّين من الدين وكان ممارستكم إلى أن أجبتهم أهون مئونة على الدين وأبقى لهم. وفي نسخة بقي له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعوا كفّارا ، وعلمت أنّك لست بدوني في الابقاء عليهم وعلى أديانهم.

فقال عليّ عليه‌السلام : أجل ولكن أخبرني عن هذا الذي يستحقّ هذا الأمر بما يستحقه؟

فقال أبو بكر : بالنصيحة والوفاء ورفع المداهنة والمحاباة وحسن السيرة وإظهار العدل والعلم بالكتاب والسنّة وفصل الخطاب ، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها وانصاف المظلوم من الظالم القريب والبعيد ، ثم سكت فقال علي عليه‌السلام : أنشدتك بالله يا أبا بكر أفي نفسك تجد هذه الخصال أو فيّ؟

قال : بل فيك يا أبا الحسن ، فقال : أنشدتك بالله أنا المجيب لرسول الله قبل ذكران المسلمين أم أنت؟

قال : بل أنت ، قال : أنشدك بالله أنا الأذان لأهل الموسم وجميع الأمة بسورة براءة أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : أنشدك بالله أنا وقيت رسول الله بنفسي يوم الغار أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال: فأنشدك

١٢

بالله ألي الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم أم لك؟ قال : بل لك ، قال : فأنشدك بالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الغدير أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله ألي الوزارة من رسول الله والمثل هارون من موسى أم لك؟ قال : بل لك ، قال : فأنشدك بالله أبي برز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبأهل بيتي وولدي في مباهلة المشركين من النصارى أم بك وبأهلك وولدك؟ قال : بل بكم.

قال : فأنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل بيتك؟ قال : بل لك ولأهل بيتك ، قال : فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله وأهلي وولدي يوم الكساء : اللهمّ هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار أم أنت؟ قال : بل أنت وأهلك وولدك ، قال : فأنشدك بالله أنا صاحب الآية (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الفتى الذي نودي من السماء : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي أم أنا؟ قال : بل أن ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي ردّت له الشمس لوقت صلاته وصلاها ثم توارت أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي حباك رسول الله برايته يوم خيبر ففتح الله له أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي نفّس (١) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كربته وعن المسلمين بقتل عمرو بن عبد ود أم أنا؟ قال : بل أنت قال : فأنشدك بالله أنت الذي ائتمنك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على رسالته إلى الجن فأجابت أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي طهّرك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من السفاح من أبيك آدم إلى أبيك بقوله : أنا وأنت من نكاح لا من سفاح من آدم إلى عبد المطلب ، أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنا الذي اختار لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وزوجني ابنته فاطمة وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الله زوجك ، أم أنت؟ قال : أنت ، قال : فأنشدك بالله أنا والد الحسن والحسين ريحانتيه اللذين يقول فيهما : هذان سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أخوك الذي بجناحين في الجنة يطير بهما مع الملائكة أم أخي؟ قال : بل أخوك ، قال : فأنشدك بالله أنا ضمنت دين رسول الله وناديت في الموسم بإنجاز موعده أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنا الذي دعاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والطير (٢) عنده يريد أكله ، فقال : اللهمّ ائتني بأحب خلقك إليك بعدي ، أم أنت؟ قال : بل أنت.

قال : فأنشدك بالله أنا الذي بشرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين على تأويل القرآن أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) في المصدر : نفّست.

(٢) فى المصدر : لطير.

١٣

وولّيت غسله ودفنه أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنا الذي دل عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعلم القضاء بقوله : عليّ أقضاكم أم أنت؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنا الذي أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه بالسلام عليه بالإمرة في حياته أم أنت؟ قال : فأنشدك بالله أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي حباك الله عزوجل بدينار عند حاجته وباعك جبرائيل واضفت محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله وأطعمت ولده أم أنا؟

قال : فبكى أبو بكر وقال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي حملك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على كتفيه في طرح صنم الكعبة وكسره حتى لو شاء أن ينال أفق السماء لنالها أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي ، قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بفتح بابه في مسجده حين أمر بسد جميع أبواب أصحابه وأهل بيته وأحل له فيه ما أحلّ الله له أم أنا؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي قدّم بين يدي نجوى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صدقة فناجاه أم أنا إذ عاتب الله عزوجل قوما فقال : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) الآية؟ قال : بل أنت ، قال : فأنشدك بالله أنت الذي قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة عليها‌السلام : زوّجتك أوّل الناس إيمانا وأرجحهم إسلاما في كلام له أم أنا؟ قال : بل أنت.

قال : فلم يزل عليه‌السلام يعد عليه مناقبه التي جعل الله عزوجل له دونه ودون غيره ويقول له أبو بكر : بل أنت. قال : بهذا وشبهه يستحق القيام بامور أمّة محمّد ، فقال له علي : فما الذي غرك عن الله وعن رسوله وعن دينه وأنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه ، قال : فبكى أبو بكر فقال : صدقت يا أبا الحسن أنظرني يومي هذا فأدبّر ما أنا فيه وما سمعت منك ، قال : فقال له علي : لك ذلك يا أبا بكر فرجع من عنده وخلى بنفسه يومه ولم يأذن لأحد إلى الليل ، وعمر يتردّد في الناس لما بلغه من خلوته بعليعليه‌السلام فبات في ليلته فرأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في منامه متمثلا له في مجلسه ، فقام إليه أبو بكر ليسلم [عليه] فولّى وجهه ، فقال أبو بكر : يا رسول الله هل أمرت بأمر فلم أفعل ، فقال [رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله] : أردّ السلام عليك وقد عاديت من ولّاه الله ورسوله (١)؟ ردّ الحقّ إلى أهله ، فقلت : من أهله؟ قال : من عاتبك عليه وهو علي.

قال : فقد رددت عليه يا رسول الله بأمرك ، قال : فأصبح وبكى وقال لعلي عليه‌السلام : أبسط يدك فبايعه وسلّم إليه الأمر وقال له : اخرج إلى مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاخبر الناس بما رأيت في ليلتي وما جرى

__________________

(١) في المصدر : عاديت الله ورسوله وعاديت من وإلى الله ورسوله.

١٤

بيني وبينك فاخرج نفسي من هذا الأمر وأسلّم عليك بالإمرة ، قال : فقال علي : نعم فخرج من عنده متغيرا لونه ، فصادفه عمر وهو في طلبه فقال ما : حالك يا خليفة رسول الله؟ فأخبره بما كان منه وما رأى وما جرى بينه وبين علي عليه‌السلام فقال : أنشدك بالله يا خليفة رسول الله أن تغتر بسحر بني هاشم ، فليس هذا بأول سحر منهم ، فما زال به حتى ردّه عن رأيه وصرفه عن عزمه ورغبه فيما هو فيه وأمره بالثبات عليه والقيام به ، قال : فأتى علي عليه‌السلام المسجد للميعاد فلم ير فيه [منهم] أحدا فأحسّ بالشرّ منهم فقعد إلى منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فمرّ عمر فقال له : يا علي دون ما تروم خرط القتاد ، فعلم بالأمر وقام ورجع إلى بيته (١).

الرابع : الشيخ في أماليه قال : أخبرنا جماعة عن أبي الفضل قال : حدّثنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن حفص الخثعمي الاسناني قال : حدّثنا عباد بن يعقوب السدي قال : أخبرنا علي بن هاشم بن البريد عن أبيه عن عبد الله بن مخارق عن هاشم بن مساحق عن أبيه أنه شهد يوم الجمل ، وإن الناس لمّا انهزموا اجتمع هو ونفر من قريش فيهم مروان فقال بعضهم لبعض : والله لقد ظلمنا هذا الرجل ونكثنا بيعته على غير حدث كان منه ، ثم لقد ظهر علينا فما رأينا رجلا قط كان أكرم سيرة ولا أحسن عفوا بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منه فتعالوا فلندخل عليه ولنعتذر مما صنعنا ، قال : فدخلنا عليه فلمّا ذهب متكلّمنا يتكلم قال : انصتوا أكفكم إنما أنا رجل منكم ، فإن قلت حقا فصدّقوني وإن قلت غير ذلك فردّوه علي، أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبض وأنا أولى برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبالناس؟ قالوا : اللهمّ نعم قال : فبايعتم أبا بكر وعدلتم عنّي فبايعت أبا بكر كما بايعتموه وكرهت أن أشقّ عصا المسلمين وأن أفرق بين جماعتهم ، ثم إنّ أبا بكر جعلها لعمر من بعده وأنتم تعلمون أني أولى الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبالناس من بعده فبايعت عمر كما بايعتموه فوفيت له ببيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة فدخلت حيث أدخلني ، فكرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم فبايعتم عثمان فبايعته ثم طغيتم على عثمان فقتلتموه وأنا جالس في بيتي ، ثم أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم فبايعتموني كما بايعتم كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان ، فما جعلكم أحق أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي؟ قالوا له : يا أمير المؤمنين كن كما قال العبد الصالح : (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (٢) ، فقال : كذلك أقول : (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) مع أنّ فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث

__________________

(١) الخصال : ٥٤٨ ج / ٣٠ ، والاحتجاج : ١ / ١٦٣.

(٢) يوسف : ٩٢.

١٥

باسته ، يعني مروان (١).

الخامس : الشيخ في أماليه قال : أخبرنا أحمد بن محمّد بن الصلت قال : أخبرنا أحمد بن محمّد ابن سعيد إجازة قال : حدّثنا علي بن محمّد بن حبيبته الكندي قال : حدّثنا حسن بن حسين قال : حدّثنا أبو غيلان سعد بن طالب الشيباني عن أبي إسحاق عن أبي الطفيل قال : كنت في البيت يوم الشورى وسمعت عليا عليه‌السلام يقول : انشدتكم بالله جميعا أفيكم أحد صلى القبلتين مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله غيري؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : أنشدكم بالله جميعا هل فيكم أحد وحّد الله قبلي؟ قالوا : اللهم لا ، قال: فأنشدكم بالله جميعا هل فيكم أحد أخو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ غيري قالوا : اللهمّ لا ، قال أنشدكم بالله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال أنشدكم بالله هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطيّ الحسن والحسين ابني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سيدي شباب أهل الجنة؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : فأنشدكم بالله هل فيكم أحد ناجى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقدّم بين يدي نجواه صدقة غيري؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه غيري؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال : له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنت مني بمنزلة هارون من موسى غيري؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : فأنشدكم بالله هل فيكم أحد أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بطير فقال : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فدخلت عليه فقال : اللهمّ وإليّ ، فلم يأكل معه أحد غيري؟ قالوا : اللهمّ لا ، قال : اللهمّ اشهد (٢).

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٥٠٧ / ١١٠٩.

(٢) أمالي الطوسي : ٣٣٣ / ٦٦٧.

١٦

الباب الثالث والستون

في سبب تركه عليه‌السلام جهاد من تقدّم عليه في الإمامة من خوفه الردّة على الأمة

حيث لم يجد أعوانا ، وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالجلوس في بيته

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «علي مثل الكعبة» وغير ذلك ، وتظلّمه عليه‌السلام منهم

من طريق العامة وفيه اثنا عشر حديثا

الأوّل : ابن أبي الحديد وهو من أفاضل علماء العامة المعتزلة في شرح نهج البلاغة قال : روي عن علي عليه‌السلام أن فاطمة عليها‌السلام حرضته على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذّن : أشهد أن محمدا رسول الله فقال لها : أيسرك زوال هذا النداء من الأرض ، قالت : لا ، قال : فإنه ما أقول (١).

قال : ابن أبي الحديد عقيب ذلك : وهذا المذهب هو أقصد المذاهب وأصحّها وإليه يذهب أصحابنا المتأخرون وبه نقول ، واعلم أن حال علي في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الإسهاب والإطناب ، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخمس وعشرين سنة ، وفي دون هذه المدة تنسى الاحقاد وتموت الترات وتبرد الاكباد الحامية وتسلو القلوب الواجدة ويعدم قرن من الناس ويوجد قرن ولا يبقى من أرباب تلك الشّحناء والبغضاء إلا الأقل فكانت حاله بعد هذه المدّة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمّهعليه‌السلام من إظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب حتى إن الاخلاف من قريش والاحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف احياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شأوه ، فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة وسيفه بعد يقطر دما من مهج العرب ، لا سيّما قريش الذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد بهم ، وعليهم كان يجب أن يعتمد؟

إذن كانت تدرس أعلام الملة وتعفى رسوم الشريعة وتعود الجاهلية الجهلاء إلى حالها ويفسد ما أصلحه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد ، فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه والله متمّ نوره ولو كره المشركون. إلى هنا كلام ابن أبي الحديد (٢).

أقول : هذا السبب القويّ والحال الأضلعي والعذر الواضح في أن أمير المؤمنين عليه‌السلام لو طلب

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١١ / ١١٣.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١١ / ١١٤.

١٧

حقه الذي جعله الله تعالى له على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رجعت الملة المحمدية إلى الجاهلية الجهلاء فلذلك ترك أمير المؤمنين عليه‌السلام جهادهم ولم يحمل على عاتقه السيف لما يؤول إلى فساد الدّين وإطفاء الحق المستبين ، فالعذر له ولا عذر للرعية ؛ إذ الواجب عليهم تسليم الأمة والخلافة له عليه‌السلام عفوا لما نص عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالإمامة والخلافة ، كما هو معلوم عند العامّ والخاص فعذره عليه‌السلام واضح وما فعلته الجماعة من بيعة أبي بكر وعمر وعثمان فعلهم واضح حيث انقلبوا على اعقابهم كما قال : الله تعالى (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) (١).

الثاني : ابن أبي الحديد قال : قال أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحدّثنا أحمد قال : حدّثنا ابن عفير قال : حدّثنا أبو عون عبد الله بن عبد الرّحمن عن أبي جعفر محمّد بن علي عليهما‌السلام أن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له وكانوا يقولون : يا ابنة رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي عليه‌السلام : أكنت أترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ميتا في بيته لا أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟

وقالت فاطمة عليها‌السلام : ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له وصنعوا هم ما كان الله حسيبهم عليه (٢).

الثالث : ابن أبي الحديد قال : في كتاب معاوية المشهور إلى علي عليه‌السلام : وعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر الصديق ، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدليت عليهم بابنيك واستنصرتهم على صاحب رسول الله فلم يجبك منهم إلّا أربعة أو خمسة ، ولعمري لو كنت محقا لأجابوك ولكنّك ادّعيت باطلا وقلت ما لا تعرف ورمت ما لم يدرك ، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك : لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم ، فما يوم المسلمين منك بواحد ولا بغيك على الخلفاء بظريف ولا مستبدع (٣).

الرابع : ابن أبي الحديد قال : وروى أبو جعفر الطبري عن الشعبي يقال : إن عليا عليه‌السلام لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه وكان يحمل فاطمة عليها‌السلام ليلا على حمار وابناها بين يدي الحمار وعلي عليه‌السلام يسوقه فيطرق بيوت الأنصار وغيرهم ويسألهم النصرة والمعونة أجابه

__________________

(١) آل عمران : ١٤٤.

(٢) شرح نهج البلاغة : ٦ / ١٣.

(٣) شرح نهج البلاغة : ٢ / ٤٧.

١٨

أربعون رجلا ، فبايعهم على الموت وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رءوسهم ومعهم سلاحهم فاصبح لم يوافه عليه‌السلام منهم إلّا أربعة الزبير والمقدار وأبو ذر وسلمان ، ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاء منهم إلا أربعة ، وكذلك في الليلة الثالثة وكان الزبير أشدّهم له نصرة وأنفذهم في طاعته بصيرة ، حلق رأسه وجاءه مرارا وفي عنقه سيفه ، وكذلك الثلاثة الباقون إلّا أن الزبير هو كان الرأس فيهم، وقد نقل الناس خبر الزبير لمّا هجم عليه ببيت فاطمة عليها‌السلام وكسر سيفه في صخرة ضربت به ، ونقلوا اختصاصه بعلي عليه‌السلام وخلواته به (١).

الخامس : ابن أبي الحديد وقد روى كثير من المحدثين أن عليا عقيب يوم السقيفة تظلم وتألم واستنجد واستصرخ حيث ساموه إلى الحضور والبيعة وأنه قال وهو يشير إلى القبر : «يا ابن أمّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني» وأنه قال : وا جعفراه ولا جعفر لي ، وا حمزتاه ولا حمزة لي اليوم (٢).

السادس : ابن أبي الحديد قال : روى كثير من المحدثين عن علي عليه‌السلام أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له : إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين قال : قلت : يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد؟ قال : قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وهم مخالفون للسنّة فقلت : يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟ قال : على الإحداث في الدين ومخالفة الأمر فقلت : يا رسول الله إنّك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها إلي بين يديك قال : فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، أما إنّي وعدتك الشهادة وستستشهد ، تضرب على هذه فتخضب هذه ، فكيف صبرك إذا؟ فقلت : يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر ، هذا موطن شكر ، قال : أجل ، أصبت فأعد للخصومة فإنّك مخاصم ، فقلت : يا رسول الله لو بينت لي قليلا ، فقال : إن أمتي ستفتتن من بعدي فتتناول القرآن وتعمل بالرأي وتستحل الخمر بالنبيذ والسّحت بالهدية والربا بالبيع ، وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال ، فكن جليس بيتك حتى تقلّدها ، فإذا قلّدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الأمور ، تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى ، فقلت : يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة؟ فقال : بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت : يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال : بل منّا ، بنا فتح الله وبنا يختم وبنا ألّف الله بين القلوب بعد الشرك ، وبنا يؤلّف القلوب بعد الفتنة ،

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١١ / ١٤.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١١ / ١١١.

١٩

فقلت : الحمد لله على ما وهب لنا من فضله.

وقوله عليه‌السلام : ليس هذا من مواطن الصبر ، كلام عال جدا يدل على يقين عظيم وعرفان تام ، ونحوه قوله عليه‌السلام وقد ضربه ابن ملجم : فزت ورب الكعبة (١).

قال : مؤلّف هذا الكتاب : قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتغلب كلمة الضلال فكن جليس بيتك حتى تقلدها نص صريح في أن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وقت تغلب كلمة الضلال فكن جليس بيتك حتى تقلدها ، حيث جعل الغاية حتى تقلدها وهو واضح بيّن لمن تأمل أدنى تأمل.

السابع : ابن أبي الحديد فقال : إنّه عليه‌السلام لما استنجد بالمسلين وما جرى فيه وكان يحمل فاطمةعليها‌السلام ليلا على حمار وابناها بين يدي الحمار وهو عليه‌السلام يسوقه فيطرق بيوت الأنصار وغيرهم ويسألهم النصرة والمعونة أجابه أربعون فبايعهم على الموت ، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رءوسهم ومعهم سلاحهم ، فأصبح لم يوافه منهم إلّا أربعة الزبير والمقداد وأبو ذر وسلمان ، ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا : نصبحك غدوة فما جاء منهم إلّا أربعة ، وكذلك في الليلة الثالثة ، وكان الزبير أشدهم له نصرة وأنفذهم في طاعته بصيرة حلق رأسه وجاء مرارا وفي عنقه سيفه ، وكذلك الثلاثة الباقون إلّا أن الزبير كان هو الرأس (٢).

الثامن : ابن أبي الحديد قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام : إن الأنصار لما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضها : لا نبايع إلا عليا. وذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي في تاريخه قال : فأمّا قوله لم يكن لي معين إلّا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فقوله ما زال عليه‌السلام يقوله ، ولقد قاله عقيب وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لو وجدت أربعين ذوي عزم ، ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفين (٣).

التاسع : ابن أبي الحديد قال : روى يونس بن حباب عن أنس بن مالك قال : كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي بن أبي طالب معي فمررنا بحديقة وقال علي عليه‌السلام : يا رسول الله ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة فقال : إن حديقتك في الجنة أحسن منها ، حتى مررنا بسبع حدائق يقول علي ما قال ، ويجيبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بما أجابه ، ثم إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقف فوقفنا فوضع رأسه على رأس علي فبكى فقال علي : ما يبكيك يا رسول الله؟ قال ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني فقال : يا رسول الله أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءهم قال : بل تصبر ، قال : فإن صبرت؟

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ٩ / ٢٠٦.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١١ / ١٤.

(٣) شرح نهج البلاغة : ٢ / ٢٢.

٢٠