🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

لك ان تلزمنا بما لم تلزم به نفسك ولم نلتزم به نحن ، فانا نقول : انه وقع ولسنا نقول ان النص على علي (عليه‌السلام) من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا يصح الا به فان ادعيت ذلك فاثبته علينا وحينئذ قد حصل النص الذي لا تختلجه الشكوك من قولك وروايتك ، على ان الامامية لا يحتاجون في اثبات النص على امير المؤمنين الى اكثر من خبر الغدير وخبر المنزلة كما زعمت لصراحتهما في ذلك ، وهل ابقيا شيئا من معنى الامامة والخلافة حتى يحتاج الامامية في اثباته الى دليل غيرهما لو كنت تنصف ، وهل مشابههما وغيره من الأخبار الا مؤكد لهما ، ومقو لدلالتهما ، ومضاعف لصراحتهما اضعافا مضاعفة ، فسبحان الله ما هذا النص الصريح بعد ما طلبت واقترحت؟ ألا تدلنا عليه ما هو وما صفته وما لفظه وما معناه حتى نعلمه ونقف عنده؟ فليس بيننا وبين الحق عداوة ، ولم يكن قدّمنا عليّا على غيره من الصحابة في الفضل والامامة طمعا في دنيا نصيبها ، ولا رغبة في ثروة ننالها ، فانا نعلم وانتم تعلمون ان الرئاسة في الدنيا قديما وحديثا لمن ناواه ، والمال والثروة والغلبة فيها لمن عاداه ، وان اولياءه ومحبيه ما زالوا مقهورين مغلوبين خائفين ، وانما صرنا الى ما صرنا إليه لما ساقنا إليه الدليل الواضح ، والبرهان المبين الذي اقررتم بصحته ، فدلونا على ما ينقضه مما اجتمعنا نحن واياكم على صحته وسلامته من مناقضة بعضه بعضا حتى نعدل إليه ، واما التأويلات الركيكة والاستبعادات الواهنة والتمحلات (١) الممتنعة والتعللات الباردة فليست مما يجوز ان يترك لها الدليل ، ولا ان يعدل بها عنه ، وبالجملة فما ادري ما هذه النصوص التي تدل على الامامة عند ابن ابي الحديد واصحابه التي لا يختلجها الشك ولا تطرق إليها الاحتمالات ، وما تلك الألفاظ الصريحة فيها غير تلك الألفاظ المذكورة حتى نعرفها ، فانا لا

__________________

(١) التمحل : الاحتيال والمماكرة

٣٤١

نفهم لفظا في الإمامة والخلافة اصرح من لفظ الامام والخليفة وما رادفهما مما رقمناه ورسمناه حتى نأتيهم به ، والصريح جئناهم به من حديثهم فما اذعنوا به ، وما ذلك الا تعللات عن قبول الحق ومدافعة للحجة بالراح ، وما اظن القوم الا انهم يريدون منا ان نرقي في السماء ثم نأتيهم بكتاب من الله تعالى يقرءونه وفيه الى عبادي المعتزلة فلان وفلان باسمائهم اما بعد فان رسولي محمد بن عبد الله قد نص على علي بالامامة والخلافة وقد صدق الامامية فيما قالوا فيكون حينئذ عند القوم نصا ، وهذا شيء تعذر على الأنبياء والأوصياء فكيف يمكن مثله لرواة اخبارهم ونقله آثارهم والمقتبسين من شعاع انوارهم ، واظن انه لو تيسر ذلك لم يقبلوه ولم يصدقوه ولتأولوه ودافعوا فيه ، والا لصدقوا ما رووه وصححوه عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من ذلك ، وكأنهم اقتدوا بأم المؤمنين عائشة لروايتهم في شأنها (خذوا نصف دينكم من الحميراء) (١) قد روت في حق علي (ع) ما سمعته قريبا وحضرت وصية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إليه كما قاله خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في شعره الذي مر عليك ، وقد خرجت تحاربه مع انها سمعت رسول الله يقول لها في حق علي (عليه‌السلام) (ستقاتلينه يوما وانت ظالمة له وتنبحك في طريقك كلاب الحوأب) فلما سارت الى البصرة ووصلت ذلك الماء نبحتها كلابه فسألت عن اسمه فقيل ماء الحوأب فقالت : ردوني فاني سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقول كذا وكذا وذكرت الحديث ، فلفق لها طلحة والزبير رجالا من الأعراب وقد جعلوا لهم جعلا

__________________

(١) انكر ابن حجر هذا الحديث وقال عنه : «لا اعرف له اسنادا ولا رأيته في شيء من كتب الحديث الا في النهاية لابن الأثير ذكره في (ح م ر) ولم يذكر من خرجه» قال : «ورأيته أيضا في كتاب الفردوس لكن بغير لفظه ذكره من حديث انس بغير اسناد ولفظه (خذوا ثلثي دينكم من بيت الحميراء) ونقل عن ابن كثير انه سأل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه عن (التقرير والتحبير ٣ / ٩٩).

٣٤٢

ورشوة فشهدوا عندها انه ليس بماء الحوأب فقبلت الإنكار بعد الاقرار وصدقت شهادة الأعراب كأن رسول الله لم يخبرها بذلك ، والعجيب انها بعد ذلك كتبت الى حفصة تبشرها ان عليّا لما بلغه كثرة جمعنا بقى متحيرا وصار كالفرس الأشقر ان تقدم عقر وان تأخر نحر حتى قال في ذلك كله سهل بن حنيف الأنصاري رحمه‌الله

عذرنا الرجال بحرب الرجال

فما للنساء وما للسباب

اما حسبنا ما اتينا به

لك الخير من هتك ذاك الحجاب

ومخرجها اليوم من بيتها

يعرفها الذنب نبح الكلاب

الى ان اتانا كتاب لها

مشوم باقبح ذاك الكتاب

وكل هذا ذكره ابن ابي الحديد ورواه غيره من اهل السير فروايته واصحابه شيئا والقول بخلافه شيء آخر : ولا ادري كيف قال : ليس على علي بالامامة نص صريح وانما هو تعريض وتلويح بعد روايته لحديث الغدير وقول عمر لعلي (عليه‌السلام) ذلك اليوم : هنيئا لك يا بن ابي طالب اصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة (١) كما روى أيضا عن ابن عباس قال دخلت على عمر في اوّل خلافته وقد القى له صاع من تمر على خصفة فدعاني الى الأكل فاكلت تمرة واحدة واقبل يأكل حتى اتى عليه ثم شرب من جر كان عنده ، واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد الله يكرر ذلك ، ثم قال : من اين جئت يا عبد الله قلت : من المسجد قال : كيف خلفت ابن عمك فظننته يعني عبد الله بن جعفر فقلت خلفته يلعب مع اتراب له ، فقال : لم أعن

__________________

(١) هذه التهنئة رواها جماعة من العلماء منهم الامام احمد في المسند ٤ / ٢١١١ والطبري في تفسيره ٣ / ٤٢٨ والشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٢٢٠ وابن حجر الهيثمي في الصواعق ص ٢٦ الخ.

٣٤٣

ذلك وانما عنيت عظيمكم اهل البيت ، قلت : خلفته يمتح بالغرب (١) على نخيلات بني فلان وهو يقرأ القرآن ، قال : يا عبد الله عليك دماء البدن ان كتمتنيها هل بقي في نفسه شيء من امر الخلافة؟ قلت : نعم قال : أيزعم ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نص عليه ، قلت : نعم وازيدك اني سألت أبي عما يدعيه فقال : صدق ، فقال عمر : لقد كان من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في أمره ذرو (٢) من القول لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربع (٣) في أمره وقتا ولقد اراد في مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام ، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش ابدا ، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من اقطارها ، فعلم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اني علمت ما في نفسه فامسك ، وابى الله الا امضاء ما حتم (٤).

قال ابن ابي الحديد : ذكر هذا الخبر احمد بن ابي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا (٥) انتهى فانظر الى قولهم انه ليس على إمامة علي (عليه‌السلام) نص صريح وانما هو تعريض وتلويح فانه مأخوذ من قوله هنا : لقد كان من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في أمره ذرو من القول لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذرا ، وقوله : فمنعت من ذلك ، لا يريد به الحقيقة بمعنى انه قال للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا تفعل لعدم قدرته على ذلك في ذلك الوقت ، لكنه اراد اني قلت قولا علم من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انا نخالفه لو صرح باسم علي (عليه‌السلام) فترك ذلك لعدم الفائدة ، واشار بهذا الى قصة الكتاب حيث قال النبي

__________________

(١) الغرب : الدلو.

(٢) الذرو : الشيء.

(٣) يربع يقوله وقتا ويتركه في أوقات.

(٤) شرح نهج البلاغة ١٢ / ٢٠.

(٥) أيضا ٦ / ٤٦.

٣٤٤

(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) للحاضرين عنده : (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا) فقال عمر : اهجر استفهموه ، فاختلف الحاضرون ، فقالت طائفة : قربوا إليه يكتب لكم ، وقالت طائفة اخرى : القول ما قاله عمر ، فغضب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وقال : (قوموا عني فلا ينبغي عند نبي تنازع) وهذا الحديث مروي في صحاح القوم كصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما وهو بالغ حد التواتر في الجملة ، والفاظه مختلفة بالزيادة والنقص ، وصورة ما ذكرناه متفق عليها وذكره ابن ابي الحديد بلفظه مرة واشار إليه مرارا.

ثم يقال لابن ابي الحديد : أليس دل هذا الحديث على النص من قول علي (عليه‌السلام) ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نص عليه وقوله حق عندك لأنه مع الحق ، ومن شهادة عمه العباس له بذلك ، فاين قولك ، انه لا نص هناك وانكارك على الامامية دعواه؟ او لست بانكارك النص كذبت عليا ، ورددت شهادة العباس ولم تكن كذبت الامامية خاصة؟ واين قولك في كثير من المواضع : ان عليا لم يحتج على الصحابة بالنص ، وهذا الخبر ينص على ذلك من قول عمر : أيزعم ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نص عليه ، ومن قول ابن عباس : نعم ، أفما في هذا دلالة صريحة على أن عليا (عليه‌السلام) كان طالبا للخلافة محتجا على ذلك بنص الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وان عمر قد علم ذلك وسمعه ، وان ابن عباس كذلك وان العباس سمعه وشهد له ، افترى باقي الصحابة لم يسمعوا ذلك! ولا ضير أيضا لو لم يسمعوا اذا كان الخصم قد سمع الدعوى والحجة عليها.

ثم يقال له أيضا أليس في كلام عمر تناقض بيّن لأنه انكر النص او لا وذكر انه لا نص وانما هو شيء من القول لا تقوم به الحجة ولا يقطع العذر

٣٤٥

ثم قال ولقد أراد رسول الله في مرضه ان يصرح باسمه ، أفليس يدل هذا القول على ان عمر قطع ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يريد التصريح باسم علي (عليه‌السلام) وتعيينه للخلافة فاخبر ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نص عليه بهذه الإرادة ، واذا علم ذلك فلا يحتاج الى اللفظ لأن الحاجة الى اللفظ انما هي لإبراز ما في الضمير ، واذا كان القصد معلوما من الاشارة فلا حاجة الى اللفظ ، واذا علم عمر من اشارة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الى الكتاب ارادته النص على علي (عليه‌السلام) فقد علم النص عليه ، فكيف يقول لا نص؟ فدل قوله على انه رد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قضاءه ومنعه من انفاذ حكمه.

ثم يقال له أيضا : أي ضرر على الاسلام اذا ولى الأمة اعلمهم بالكتاب والسنة واشجعهم وأتقاهم واقربهم الى الرسول قرابة حتى يشفق على الاسلام من ولايته وهو الذي شيد الاسلام بسيفه ومهد قواعده بجهاده؟ وكيف لا تجتمع عليه قريش بعد نص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليه وانت تزعم ان الصحابة لا يخالفون نص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم)؟ وكيف تنتقض عليه العرب مع النص عليه من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أليس هذا اخبارا صريحا من عمر عن تعمد قريش لمعصية الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومخالفته وعدم اعتنائهم بنصه فاين زعمك ان الصحابة لو سمعوا نصا من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لما خالفوه ، وهذا عمر يخبر عنهم وهو منهم انهم ملتزمون بمخالفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في علي (عليه‌السلام) اذا نص عليه وصرح باسمه ، فحديثك كله نص فيما نقول وشاهد على ما ندعي ، فبطل انكارك ما قلناه ، وكل ما أوردناه على ابن ابي الحديد وارد عن عمر حرفا بحرف ، ثم يقال له أيضا : هب ان قريشا تخالف نص الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وتعصيه لم ابتدأت أنت بذلك وبادرت الى المخالفة ومنعته من التصريح باسم علي

٣٤٦

(عليه‌السلام) ، وتحملت مخالفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وابتدعتها لقريش وجرأتهم عليها وطرقتها لهم والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حي ، ولم وافقتهم وشاركتهم في مخالفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومعصيته بعد وفاته في عدولهم عن وصيه الى غيره وكنت انت المتقدم لهم في ذلك واوّل الساعين فيه واعظم المساعدين عليه؟ وهلا كنت مساعدا لمن نص عليه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كما ساعدت غيره؟ وكيف تركت من قصد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) توليته وعدلت عنه وبادرت الى بزه خلافته وسارعت الى نصب من لم يشر إليه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في هذا الأمر وادعيت ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) رضيه للدين فرضيته للدنيا؟ وهلا عدلت عن ذلك كله الى طاعة الرسول حيا وميتا ولا يضرك عصيان من عصى؟ فما ادرى ما ذا تصنع المعتزلة أيكذبون هذه الأحاديث المروية من الكتب الصحيحة عندهم؟ أم يكذبون عليا (عليه‌السلام) في دعواه نص الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليه ويردون شهادة العباس بذلك له؟ أم يكذبون عمر الذي افتعلوا في شأنه (ان الملك ينطق على لسانه) في اخباره عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه اشار الى علي (عليه‌السلام) بالخلافة في أيام حياته وقصد التصريح به في مرضه وان المنع من التصريح باسمه انما جاء من قبله مع ان ذلك معاندة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وردا لأمره وجرأة على الله في مخالفته ، وليت شعري كيف يتابع هؤلاء القوم من يحرم الحلال ويحلل الحرام ويقبلون قوله ويقدمونه على نص الكتاب والسنة ، فاذا اخبر عن نفسه بانه عصى وخالف الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كذبوه ، وهذا يدلك على انهم قد تحيلوا على التقليد المحض في مذهبهم والتصديق الصرف لأسلافهم ، فهم مذعنون لهم فيما قالوه وان خالف ما رووه وصححوه وجملة الأمران الأولين قصدوا الى انكار النصوص الواردة عن النبي (صلى الله عليه

٣٤٧

وآله وسلم) على علي (عليه‌السلام) واخفائها وسترها ما استطاعوا قولا وفعلا والآخرون من معتزلة واشاعرة ورعاع الناس واهل الأطماع في الدنيا قلدوهم في ذلك واتبعوهم على غير بصيرة ، فتراهم يروون النص الصريح ويقولون ليس هذا بنص صريح ، والمنصف المتأمل في امرهم اذا نظر الى اقوالهم لا يختلجه الشك ولا يدخله الريب في ان هذه طريقتهم ودأبهم ، وليتهم اذا اخفوا نصوص إمامة علي (عليه‌السلام) اقتصروا على ذلك ولم يتعدوا عنه الى تزويرهم الأخبار في ذمه واختلاقهم الأحاديث في فضائل المتقدمين عليه ليعارضوا بها ما لم يجدوا الى اخفائه وستره سبيلا من مناقبه مثل خطبة ابنة ابي جهل وان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) غضب عليه لذلك وانه قال : (ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء) إلى غير ذلك مما ذكروا من الأكاذيب وسيأتي لهذا المبحث كشف وبيان في موضع هو اخلق بذكره من هنا فترقب والحاصل انه لو لا فعل الشيخين بامير المؤمنين وتهجينهما امره وتصغيرهما قدره لكانت النصوص المذكورة على إمامته زاهرة اقمارها ، مشرقة شموسها ، مضيئة انوارها تملأ عين كل ناظر وتقرع سمع كل باد وحاضر ، لكنهما اطفئا تلك الأنوار الظاهرة واخفيا تلك الشموس الزاهرة ولولاهما لم يخالف امير المؤمنين (عليه‌السلام) احد من الناس ولكان اجل قدرا من ان يضام ويجترئ احد من الناس على منازعته ولقد صرح بهذا معاوية بن أبي سفيان في كتابه الى محمد بن أبي بكر وهو غير متهم على الشيخين قال في ذلك الكتاب (فقد كنا وابوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علينا ، فلما اختار الله لنبيه ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، واظهر دعوته وافلج حجته قبضه الله إليه فكان ابوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه ، على ذلك اتفقا واتسقا الى آخر ما قال من شبه هذا فلقد صدق وليس بصدوق روى هذا الكتاب ابن ابي الحديد عن نصر بن

٣٤٨

مزاحم المنقري وكان عند ابن أبي الحديد ثقة ثبتا في الحديث (١) فاعطى قول معاوية ان مخالفته لعلي (عليه‌السلام) ومناواته له انما كانت لما فعلاه من ابتزاز حقه في اوّل الأمر فكان ذلك مطمعا لمعاوية في نيل الرئاسة ومجسرا له على المخالفة ، ولم يكن ذلك منه لعدم علمه بفضل علي (عليه‌السلام) ولا لجهالته بعدم لزوم حقه على الناس في حياة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وما ذاك الا لما بينه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من فضله وما الزمه الناس من حقه بالقول والفعل ، ولا يكون ذلك الا بنص عليه ، فلعمري ان في قول معاوية اقرارا بالنص من جهة اللزوم وتصريحا بمخالفة الشيخين له وذلك هو ما نقول ، وهو اعظم حجة على معاوية حيث صرح بتعمده مخالفة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في خلعه ما لزمه من حق علي (عليه‌السلام) تقليدا لفلان وفلان فقد ظهر الحق وتوجه النقض على ابن ابي الحديد واصحابه وبطل ما كانوا يعملون.

فان قيل : كيف قبحتم على المعتزلة صرف الفاظ الأخبار عن نصوصها والعدول بها عن ظواهرها مع انهم قصدوا بذلك التوفيق بينها وبين فعل الصحابة وانتم جوزتم لأنفسكم صرف الفاظ القرآن الدالة على صدور المعصية من الأنبياء مثل (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) (٢) وغيرها عن نصوصها وظواهرها الى مجازات بعيدة كترك الأولى وفعل المرجوح وغير ذلك ، فكيف جاز لكم صرف اللفظ عن صريحه الى بعض محتملاته البعيدة ولم يجز للمعتزلة ذلك؟ قلنا : هذه الحجة هي التي ركن إليها ابن ابي الحديد وقوم من اصحابه واستطالوا على الامامية بها وهي أوهن من بيت العنكبوت ، والجواب عنها ان نقول : انا انما صرنا الى ما صرنا إليه من صرف الألفاظ

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٣ / ١٨٩.

(٢) طه ١٢١.

٣٤٩

القرآنية الدالة على صدور المعاصي من الأنبياء عن ظواهرها الى المجازات مثل ترك الأولى وفعل المرجوح لما ثبت من وجوب عصمة الأنبياء عليهما‌السلام عن مواقعة الذنوب والخطايا كبائرها وصغائرها بالدليل القاطع من العقل والنقل ، فلذلك حملنا الألفاظ الواردة في صدور المعاصي منهم على ترك الأولى وفعل المرجوح وما أشبه ذلك ، وعدلنا بها عن مفادها ظاهرا الى مجازات بعيدة طلبا للتوفيق بين الدليلين المعلومين ، وهربا من تناقض الأمرين القطعيين ، ولو لا ما قام من الدليل المقطوع به من العقل والنقل على نزاهة الأنبياء من مباشرة الذنوب وطهارتهم من مقارفة المعاصي والعيوب لتركنا الألفاظ على حالها ، وأبقيناها على مفادها ، ولم نحتج الى تكلف التأويلات ، على ان المعتزلة قد شاركونا في تأويلها ووافقونا على صرفها في غير معانيها لوجوب عصمة الأنبياء عندهم ، غاية الأمر انهم حملوها على الصغائر المكفرة لوجوب عصمة الأنبياء عندهم عن الكبائر خاصة ، أما التأويل فعليه الاتفاق بيننا وبينهم وليس الأمر في الصحابة كذلك فانهم غير معصومين باتفاق الأمة ولم يكن منهم من قيل بعصمته الا صاحبنا الذي نحن بصدد اثبات النص عليه ، فلما كان الصحابة غير معصومين قطعا لم يجز صرف الألفاظ الصريحة عن معانيها اذا خالفت افعالهم ولم يسغ رد نصوص الكلمات الصحيحة اذا ناقضت سيرتهم اذ لا داعي الى ذلك بعد انتفاء عصمتهم وجواز وقوع المعصية منهم والسهو والغلط عليهم ، فهذا فصل ما بين الأمرين والفارق ما بين الحالين فما ظنك بعد هذا بما اذا كان وقوع العصيان منهم معلوما وصدور المخالفة لله ورسوله منهم متحققا ، ا فيجوز تخلية اليد من نص اللفظ المعلوم الصدور ممن قوله حجة وتركه والعدول به الى غير معناه لتصحيح افعالهم الباطلة في نفسها فنكون قد تركنا المعلوم للموهوم؟ حاشا ما يقول بذا ذو عقل فضلا عن ذي فضل فثبت المراد واندفع الإيراد.

واما الأمور الصادرة من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في شأن امير المؤمنين

٣٥٠

من افعال واقوال تنبئ عن عظيم منزلته وجلالته قدره ورفعة شأنه وتدل على ابانته اياه على غيره ، وتومي الى إرادة رئاسته وتشير الى قصد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اظهار إمامته فهي كثيرة.

فأما الأفعال فمنها مؤاخاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا (عليه‌السلام) فانه قد اتفق الناس على ان النبي (عليه‌السلام) حين آخى بين اصحابه آخى بين علي ونفسه ، وصفة المؤاخاة رووها عن عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن العباس ، قال ابن عمر : لما آخى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بين صحابته جاءه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام) وعيناه تدمعان فقال : يا رسول الله آخيت بين اصحابك ولم تؤاخ بيني وبين احد فسمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقول : (انت اخي في الدنيا والآخرة) (١).

وفي حديث ابن عباس قال : لما آخى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بين اصحابه من المهاجرين والأنصار وهو انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) آخى بين ابي بكر وعمر وآخى بين عثمان بن عفان وبين عبد الرحمن بن عوف وآخى بين طلحة والزبير وآخى بين أبي ذر والمقداد ولم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين احد منهم خرج علي مغضبا الى ان قال : (اغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين احد منهم؟ أما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي الا من أحبك فقد حف بالأمن والايمان ومن ابغضك أماته الله ميتة

__________________

(١) حديث المواخاة من الآثار الثابتة كما في الاستيعاب ٣ / ٣٥ ورواه غير واحد من حملة الآثار منهم الحاكم في المستدرك ٣ / ١٤ والترمذي في السنن ٢ / ٢٩٩ والمحب في الرياض ٢ / ١٧ الخ ...

٣٥١

جاهلية) (١).

وأما قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لعلي اخي فهو كثير في الأحاديث المتقدمة والآتية وغيرها ، وهذا الفعل من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعلي (عليه‌السلام) يدل على امرين.

احدهما : ان عليا (عليه‌السلام) لا يماثله احد من الصحابة ولو كان له مثيل او شبيه منهم لآخاه.

والثاني : ان عليا (عليه‌السلام) مماثل لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في صفاته الا ما خرج بدليل قاطع لأن حقيقة الأخوة رجوع شيئين أو اكثر الى اصل واحد فهي اذن مماثلة بين اثنين في صفة او صفات ، فمن النسب مماثلة شخصين في التولد من ابوين معا او من احدهما ، وبين المؤمنين مماثلتهم في الإيمان ، واخوة علي (عليه‌السلام) للرسول (عليه‌السلام) مماثلة في صفاته ، ولما كانت غير معينة في شيء ولا مخصوصة بصفة كانت عامة لكل الصفات الا ما علم انتفاؤه كالتولد من ابوين او من احدهما للعلم بانتفاء ذلك ، ومثل النبوة لختمها بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كما دل عليه الكتاب والسنة واجماع الأمة ، فبقي ما سواهما من الصفات داخلا في عموم المماثلة مثل العلم والعصمة والأفضلية على الخلق والامامة كما قال الحسن البصري فرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) خير الناس نفسا وخيرهم أخا ، فمؤاخاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لعلي دالة على ان عليا هو الصالح لمماثلته في صفاته والقيام مقامه بعد وفاته ، لأن من جملة ما ماثله فيه الامامة فهو الامام بعده وأن من سواه غير صالح لمماثلة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والا لآخاه ، ولا مستحقا لمشاكلة علي (عليه‌السلام)

__________________

(١) مجمع الزوائد ٩ / ١١١.

٣٥٢

والا لآخى بينه وبينه ، فمفاده أنه لا يصلح احد من الصحابة غير علي (عليه‌السلام) للقيام مقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في دينه وامته من بعده ، فهذا الفعل يكاد يلحق بالنصوص الصريحة على إمامة امير المؤمنين (عليه‌السلام) ان لم يكن من أدلها واوضحها عند اعطاء التأمل حقه وليس من ادلة الاشارات والامارات كما ترى ، والعجب كيف تقتضي صحبه ابي بكر لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الغار عند أبي عبيدة وعمر إرادة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) تقديمه عليهما بزعمهما فيمتنعان من التقدم عليه يوم السقيفة كما رواه ابن ابي الحديد (١) وغيره من قولهما مع ما في امر صحبته الغار من الايراد وعدم تحقق السلامة من الطعن كما سلف منا اشارة إليه ولا تقتضي مؤاخاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا عندهما إرادة تقديمه على الناس كافة مع ما فيها من التشريف الظاهر ، والتفضيل البين ، والتنويه الواضح بشأن امير المؤمنين (عليه‌السلام) مع ما يشاركه من الأفعال والأقوال ، والمدح العظيم والثناء الجسيم من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليه ما هذا الا عناد وانكار صريح لفضل امير المؤمنين (عليه‌السلام)؟ فاعاذنا الله تعالى من الغفلات وقد تقدم هذا كلام في موضع دعت الحاجة الى ذكره فيها واوضحنا هناك فيه ما ينتفع به هاهنا.

ومنها إباتة النبي (عليه‌السلام) عليا (عليه‌السلام) على فراشه لما اراد مشركوا قريش قتله في داره ، ونحن نذكر من ذلك ما ذكره ابن ابي الحديد عن شيخه ابي جعفر الاسكافي المعتزلي في نقضه على الجاحظ ، ونكتفي به فانه قد أتى من ذلك بما لا ينبغي الزيادة عليه ، قال في جواب الجاحظ : (ثم يقال له : ما بالك اهملت امر مبيت علي (عليه‌السلام) على الفراش بمكة ليلة الهجرة هل نسيته أم تناسيته؟ فانها المحنة العظيمة والفضيلة الشريفة التي

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ / ١٠.

٣٥٣

اذا امتحنها الناظر واجال فكره فيها رأى تحتها فضائل متفرقة ومناقب متفاوتة وذلك انه لما استقر الخبر عند المشركين أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) مجمع على الخروج من بينهم والهجرة الى غيرهم قصدوا الى معاجلته وتعاقدا على ان يبيتوه في فراشه وان يضربوه باسياف كثيرة بيد كل صاحب قبيلة من قريش سيف منها ليضيع دمه بين الشعوب ويتفرق بين القبائل ولا يطلب بنوا هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش وتحالفوا على تلك الليلة واجتمعوا عليها فلما علم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ذلك من أمرهم دعا أوثق الناس عنده وأمثلهم في نفسه وأبذلهم في ذات الله لمهجته واسرعهم اجابة الى طاعته فقال له : (إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتني هذه الليلة فامض الى فراشي ونم في مضجعي والتف في بردي الحضرمي ليروا أني لم أخرج واني خارج إن شاء الله تعالى) فمنعه أولا من التحرز واعمال الحيلة وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من انواع المكايد والجهات التي يحتاط بها الناس لنفوسهم والجأه الى ان يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من ارباب الحنق والغيظة فاجاب الى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه ونام على فراشه صابرا محتسبا واقيا له بمهجته ينتظر القتل ولا نعلم فوق بذل النفس درجة يلتمسها صابر ولا يبلغها طالب (والجود بالنفس اقصى غاية الجود) ولو لا إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) علم انه اهل لذلك لما اهله ولو كان عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه واختير لذلك لكان من اختاره (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) منقوصا في رأيه مقصّرا في اختياره ولا يجوز أن يقول هذا احد من اهل الاسلام وكلهم يجمعون على ان الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عمل بالصواب واحسن في الاختيار ثم في ذلك اذا تأمله المتأمل وجوه من الفضل منها انه وان كان عنده في موضع الثقة فانه غير مأمون عليه ألا يضبط السر فيفسد التدبير بافشائه تلك الليلة الى من يلقيه الى الأعداء ومنها انه وان كان ضابطا للسر ثقة عند من اختاره

٣٥٤

فغير مأمون عليه الجبن عند مفاجاة المكروه ومباشرة الأهوال فيفر من الفراش فيفطن لموضع الحيلة ويطلب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيظفر به ومنها انه وان كان ثقة ضابطا للسر شجاعا نجدا فلعله غير محتمل للمبيت على الفراش لأن هذا خارج عن الشجاعة اذ قد أقامه مقام المكتوف الممنوع ، بل هو أشد مشقة من المكتوف الممنوع ، لأن المكتوف الممنوع يعلم من نفسه انه لا سبيل الى الهرب وهذا يجد السبيل الى الهرب والى الدفع عن نفسه ولا يهرب ولا يدافع ، ومنها انه وان كان ثقة ضابطا للسّر شجاعا محتملا للمبيت على لفراش فانه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة والعذاب النازل بساحته حتى يبوح بما عنده ويصير الى الإقرار بما يعلمه وهو انه اخذ طريق كذا فيطلب فيؤخذ فلهذا قال علماء المسلمين : ان فضيلة علي (عليه‌السلام) تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها إلا ما كان من إسحاق وابراهيم عند استسلامه للذبح ولو لا ان الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إنّ محنة علي أعظم لأنه قد روي ان اسحاق تلكأ لما امره ان يضطجع وبكى على نفسه وقد كان أبوه يعلم أن عنده في ذلك وقفة ولذلك قال له (فَانْظُرْ ما ذا تَرى) (١) وحال علي (عليه‌السلام) بخلاف ذلك فانه ما تلكأ ولا تعتع ولا تغير لونه ولا اضطربت اعضاؤه» ـ ان قال ـ : «وذلك لعلم كل واحد منهما أن أحدا لا يصبر على ثقل هذه المحنة ولا يتورط هذه الهلكة الا من خصه الله بالصبر على مشقّتها والفوز بفضيلتها وله من جنس ذلك افعال كثيرة» ثم قال : «انه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش» قال : «وقال اهل التفسير ان قوله تعالى : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٢) كناية عن علي (عليه‌السلام) ثم ذكر ان مكرهم توزيع السيوف على بطون قريش ومكر الله هو منام علي على الفراش» قال : «وقد روى المفسرون كلهم ان قول الله

__________________

(١) الصافات : ١٠٢.

(٢) الأنفال : ٣٠.

٣٥٥

تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) (١) انزلت في علي (عليه‌السلام) ليلة المبيت على الفراش» ثم ذكر جوابه عن دعوى الجاحظ ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال لعلي ليلة المبيت (نم فلن يخلص أليك شيء تكرهه) فقال قال شيخنا ابو جعفر : هذا هو الكذب الصراح والتحريف والادخال في الرواية ما ليس منها والمعروف المنقول انه قال له ثم اورد الرواية وقال : ولم ينقل ما ذكره الجاحظ وانما ولده ابو بكر الأصم واخذه الجاحظ ولا اصل له ، ولو كان هذا صحيحا لم يصل إليه مكروه وقد وقع الاتفاق انه ضرب ورمى بالحجارة الى آخر ما قال (٢).

اقول وهذا الأمر اذا تدبره منصف عرف يقينا أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ما كان يؤهل للأمور العظائم إلا أخاه عليا فيشير الى أن عليا هو الذي يقوم مقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في عظام الأمور فهو خليفته في امره حيا وميتا فأين عمرو (٣) عن هذا فإذا ذكر لصاحبه الغار لم يذكر لصاحبنا الفراش أليس في تركه ذكر ذلك والأعراض عنه دليل واضح على ان قصد القوم صرف الأمر منه الى غيره واخفاء ماله من الفضل فكيف يستبعد منهم كتمان النص ومخالفته وهذا ظاهر لكل فاهم.

ومنها ابقاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا بمكة بعد خروجه لأداء أماناته قال ابن ابي الحديد : قال شيخنا ابو جعفر : والمعروف المنقول انه قال له : (اذهب فاضطجع في مضجعي وتغش ببردى الحضرمي فان القوم سيفقدوني ولا يشهدون مضجعي فلعلهم اذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فاذا اصبحت فلتقم في اداء امانتي).

__________________

(١) البقرة : ٢٠٧.

(٢) شرح نهج البلاغة ج ١٣ من ص ١٦٠ ـ ٢٦٢ عن نقض العثمانية.

(٣) شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٦٣. والمراد بعمرو الجاحظ.

٣٥٦

وقال ابن ابي الحديد قال محمد بن اسحاق في كتاب المغازي لم يعلم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) احدا من المسلمين ما كان عزم عليه من الهجرة الا علي بن أبي طالب وأبا بكر بن أبي قحافة اما علي (عليه‌السلام) فان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اخبره بخروجه وامره ان يبيت على فراشه يخادع المشركين عنه ليروا انه لم يبرح فلا يطلبوه حتى تبعد المسافة بينهم وبينه وان يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الودائع التي عنده للناس وكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) استودعه رجال من مكة ودائع لهم لما يعرفونه من امانته واما ابو بكر فخرج معه (١) انتهى. وهذا الفعل من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيه اشارة ظاهرة الى ان عليا (عليه‌السلام) هو القائم مقامه فيما ينوبه والمؤدي عنه اذا غاب ما يلزم عليه اداؤه في حضوره فهو خليفته في جميع الأمور واين غيره من هذين الأمرين واين يقعون في منزلة هذين الموضعين كلا بل ليس لهما الا ابو حسن على صلوات الله وسلامه عليه.

ومن الأفعال التي ابان بها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا (عليه‌السلام) واظهره بفضل لا يدانية فيه احد تركه بابه مفتوحا الى المسجد حين سد ابواب الصحابة مع اخباره ان ذلك عن امر الله تعالى والأمر فيه مشهور (٢).

قال ابن ابي الحديد الحديث العشرون كانت لجماعة من الصحابة ابواب

__________________

(١) أيضا ١٣ / ٣٠٣.

(٢) حديث سد الأبواب الشارعة في مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إلا باب علي (عليه‌السلام) رواه اكثر المحدثين كالإمام احمد في المسند ٤ / ٣٦٩ والنسائي في الخصائص ص ١٣ والحاكم في المستدرك ٣ / ١٢٥ والمحب في الرياض ٢ / ١٩٢ الخ.

٣٥٧

شارعة في مسجد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقال يوما سدوا كل باب في المسجد الا باب علي فسدت فقال في ذلك قوم حتى بلغ ذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقام فيهم فقال ان قوما قالوا في سد الأبواب وتركى باب علي (عليه‌السلام) اني ما سددت ولا فتحت ولكني أمرت بأمر فاتبعته رواه احمد في المسند مرارا وفي كتاب الفضائل (١).

قلت : في هذا ما لا يخفى على عارف منصف من الاشارة البينة الى إمامة امير المؤمنين لأن الله حيث لم يجز لأحد من الصحابة مساواته في فتح باب الى المسجد ولم يرض بمشاركتهم اياه في ذلك ، بل جعله في ذلك شريكا للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومثيلا فيرضى بعد ذلك لهم ان يتقدموه الى مقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، أو يجوز ان يكون ابو بكر وعمرو عثمان أمراء عليه وحكاما وأئمة له كما يزعم الخصم وهؤلاء هم الذين لم يرض الله بالأمس بمساواتهم اياه في باب شارع الى المسجد ، أترى يعقل ذلك عاقل ويعتقده رشيد ، وفي الحديث أيضا دلالة على ان بعض الصحابة كانوا يتهمون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في علي (عليه‌السلام) ولا يسلمون له فيه ما فعل به وما قال ، ويطلبون مخالفته في ذلك ما استطاعوا ولذلك قالوا فيه ما اوجب ان يقوم فيهم ويخبرهم ان ما فعل بعلي (عليه‌السلام) من التشريف عليهم عن الله لا عن نفسه وذلك في حياته وسلطانه فما ظنك بعد وفاته.

ومنها مناجاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا (عليه‌السلام) يوم الطائف روى ابن أبي الحديد عن احمد بنت حنبل في المسند ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) دعا عليا (عليه‌السلام) في غزاة الطائف فانتجاه وأطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك ، فقال قائل منهم :

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧٢.

٣٥٨

لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ذلك فجمع منهم قوما ثم قال : (ان قائلا قال لقد اطال اليوم نجوى ابن عمه ، اما اني ما انتجيته ولكن الله انتجاه) (١) فأنظر الى ما تضمنه هذا الفعل من الرفعة لعلي (عليه‌السلام) وعلو المنزلة التي تقصر عن تناول ادناها يد المتناول ، أو ليس صريحا في ان عليا (عليه‌السلام) هو المخصوص بالعناية الإلهية بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والمؤهل من الله تعالى : للفيوضات القدسية؟ أفليس في هذا اشارة بينة الى انه (عليه‌السلام) هو التالي للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الدرجة والمرشح من الله من بعده للرئاسة فهو الامام بعده والخليفة؟ ثم ان هذا الحديث كسابقة في الدلالة على ان بعض الصحابة يسؤهم ما كان يفعله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعلي (عليه‌السلام) من التشريف والتفضيل ، وينكرون عليه ما يميزه به من التعظيم والتبجيل ، ويتهمونه في ذلك بانه لحجبه اياه وميله إليه لا لأمر الله اياه بذلك ولذا قال في جوابهم : (ما انتجيته ولكن الله انتجاه) والمراد ان الله امرني بنجواه وان الله لا ينتجى أحدا ولا يخلو بأحد واذا كانوا ينكرون على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فعله وقوله في علي (عليه‌السلام) وهو حي فهم الى انكار فعله به بعد وفاته اقرب ولمخالفة قوله فيه اذ ذاك اشد لزوال ما كانوا يحذرونه من عقوبته لقهره عليهم وقوته ويرشدك الى هذا ترك عمر واصحابه يوم السقيفة ذكر ما كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) خص به عليا (عليه‌السلام) من هذا الفعل وشبهه مما هو معلوم عند كل الصحابة بل تركهم ذكر علي بالمرة واكثارهم من ذكر الغار والاحتجاج به لأبي بكر فمن كان هذا شأنهم لا يبعد منهم انكار النص على علي (عليه‌السلام) اذ ليس ذلك الا كإنكارهم مناقبه ذلك اليوم وقد حصل منهم كما ترى فأين

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧٣ عن مسند أحمد ورواه الترمذي ٢ / ٣٠٠ وفي كنز العمال ٦ / ٣٩٩ ان القائل هو ابو بكر (رضي الله عنه) وقال اخرجه الطبراني.

٣٥٩

المستبعدون عليهم مخالفة نص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على علي (عليه‌السلام) عن هذا وشبهه مما تقدم ويأتي؟ وهل بقي للاستبعاد بعد ذلك مجال فتأمل.

ومنها اختصاص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا (عليه‌السلام) في أسفاره وحضره ومشاركته له في أموره من حله وارتحاله ومسيره ونزوله ، وانه صاحب رحله في سفره والملاصق له وقت سيره ، ومستودع سره في كل احواله واوقاته ، وكل ذلك مذكور مشهور وفي التواريخ والسير مسطور بحيث لا ينكره الا جاهل او متجاهل ولقد ذكر (عليه‌السلام) من ذلك ما روى في النهج قال (عليه‌السلام) وهو يخبر عن حاله مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني الى صدره ، ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل) ـ الى ان قال ـ : (ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر أمه ، يرفع لي كل يوم علما من اخلاقه ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فاراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة ، واشم ريح النبوة ، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه ، فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال : (هذا الشيطان قد أيس من عبادته انك تسمع ما أسمع وترى ما ارى الا انك لست بنبي ولكنك لوزير وانك لعلى خير) (١).

قال ابن ابي الحديد روى الفضل بن العباس قال : سألت أبي عن ولد

__________________

(١) نهج البلاغة من الخطبة ١٩٠ وهي القاصعة.

٣٦٠