🚘

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة - ج ٤

سلطان محمّد الجنابذي [ سلطان علي شاه ]

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة - ج ٤

المؤلف:

سلطان محمّد الجنابذي [ سلطان علي شاه ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
الطبعة: ٢
الصفحات: ٢٩١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

١

سورة الزّمر

مكّيّة كلّها ، وقيل : سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة وهي

قوله : قل يا عبادي (الى آخرهنّ) وهي خمس وسبعون آية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) تنزيل الكتاب مبتدء خبره من الله ، أو خبره محذوف ، أو خبر مبتدءه محذوف اى هذا تنزيل الكتاب ووصف الله بالعزيز الحكيم تفخيما لشأن الكتاب وتحذيرا عن مخالفته وترغيبا في اتّباعه والمراد بالكتاب القرآن أو الرّسالة والنّبوّة وأحكامهما ، أو الولاية وآثارها ، أو كتاب ولاية علىّ (ع) وخلافته ، وقد سبق في اوّل البقرة بيان للكتاب (إِنَّا أَنْزَلْنا) جواب سؤال مقدّر كأنّه قيل : من انزل الكتاب؟ وعلى من انزل؟ فقال : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ) الّذى هو المشيّة وهو ولاية علىّ (ع) وعلويّته اى بسبب الحقّ أو متلبّسا بالحقّ أو مع الحقّ (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) اى الطّريق ، أو اعمال الملّة وإخلاص الطّريق الى الله بان لا يكون مبدء السّلوك عليه ولا غايته مشوبا بشيء من أغراض النّفس واشراك الشّيطان وهو امر صعب لا يتأتّى الّا من كامل حكيم مراقب لأحواله في كلّ أفعاله (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) تقديم لله لشرافته وقصد الحصر ، ويفيد نفى رجوع غير الخالص اليه بمفهوم مخالفة القيد وذلك لانّه اغنى الشّركاء كلّما كان له فيه شريك يتركه للشّريك (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ) حال أو خبر أو مستأنف معترض بين المبتدأ والخبر والكلّ بتقدير القول (إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) جملة مستأنفة جواب لسؤال مقدّر عن حالهم أو الجملة خبر عن الّذين اتّخذوا أو خبر بعد خبر عنه (فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من امر الدّين أو من الرّسالة أو من ولاية علىّ (ع) روى عن النّبىّ (ص) في خبر انّه أقبل على مشركي العرب وقال : وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟ ـ فقالوا : نتقرّب بذلك الى الله تعالى فقال : أو هي سامعة مطيعة لربّها عابدة له حتّى تتقرّبوا بتعظيمها الى الله؟ ـ قالوا : لا ، قال : فأنتم الّذين نحتّموها بأيديكم؟ ـ قالوا : نعم ، قال : فلأن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة اخرى من ان تعبدوها إذا لم يكن أمّركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلّفكم (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي) في مقام التّعليل أو خبر بعد خبر والرّابط تكرار المبتدء بالمعنى (مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) لعدم استعداده وعدم استحقاقه (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً)

٢

كما نسبوا اليه الملائكة والمسيح وعزيرا (لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ) من أصناف الملائكة وأنواع البشر والجنّ (ما يَشاءُ) من البنين لا ما نسبوا اليه من البنات (سُبْحانَهُ) عن الشّريك والولد والصّاحبة (هُوَ اللهُ الْواحِدُ) الّذى لا مثل له حتّى يكون له ولد القهار الّذي لا يجوز في قهّاريّته ان يكون له شريك ومثل ، والولد يكون مثلا له ، والشّريك يكون مثلا له ومقابلا لا مقهورا (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ) بمعنى يولج اللّيل في النّهار ، أو هو من تكرير العمامة ولفّ طاقاته كلّ على الاخرى ، أو بمعنى يغشى اللّيل النّهار ، أو بمعنى يكرّر تتابع اللّيل للنّهار والنّهار للّيل (وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وللاشارة الى تتابع اللّيل والنّهار وتكرار تكويرهما أتى بالمضارع في جانبهما وبالماضي هاهنا (كُلٌّ يَجْرِي) على الاستمرار (لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ) الّذى لا يمنع من مراده حيث لا يمنعه مانع من هذا التّكوير وذلك التّسخير الغفار الّذي لا يؤاخذ عباده على ما هم فيه من الإشراك ونسبة الولد اليه وسائر المعاصي لعلّهم يتوبون فيغفر لهم (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) قد سبق في سورة النّساء بيان الآية (ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) أتى بثمّ للاشارة الى التّعقيب في الاخبار فانّ خلق الجماعة الكثيرة من نفس واحدة لا غرابة فيه ، وخلق الزّوج الّتى تكون شريكة لها في خلق الجماعة الكثيرة منها امر غريب بالنّسبة اليه (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) قد سبق بيان الثّمانية الأزواج في سورة الانعام وانزل بمعنى خلق كما نسب الى أمير المؤمنين (ع) ، واستعمال انزل للاشعار بانّ شيئيّة الشّيء بفعليّته الاخيرة والفعليّة الاخيرة لكلّ ذي نفس هي نفسه والتّحقيق انّ النّفوس وان كانت جسمانيّة الحدوث لكنّها منزلة من سماء الأرواح وأرباب الأنواع الى افراد الأنواع فاستعمال انزل في معنى خلق لم يكن على سبيل المجاز (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) حيوانا سويّا بعد خلق اللّحم والعظام بعد المضغة والعلقة والنّطفة (فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) ظلمة البطن والرّحم والمشيمة كما في الخبر (ذلِكُمُ اللهُ) الّذى هذه المذكورات أوصافه وافعاله ربكم فلا تطلبوا ربّا سواه (لَهُ الْمُلْكُ) جملة ما يملك ممّا سواه اوّله عالم الملك مقابل الملكوت (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) لمّا بالغ في وعظهم وصرفهم عن المعبودات الباطلة توهّم انّ الله تعالى للاحتياج إليهم يستصرفهم عن المعبودات ، فرفع ذلك التّوهّم بانّ اهتمامه لصرفكم اليه ليس الّا محض الرّحمة والتّفضل عليكم لا لاحتياجه إليكم (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ).

تحقيق كون الكفر بإرادة الله وعدم رضاه به ورضاه بالايمان

قد سبق في مطاوى ما سلف انّ الرّحمة الرّحمانيّة الّتى بها وجود الأشياء وبقاؤها بمنزلة المادّة للرّحمة الرّحيميّة والغضب ، وللرّضا والسّخط ، وللهداية والإضلال ، وانّ المكوّنات كلّها كمالاتها الاوّليّة الذّاتيّة تحصل بالرّحمة الرّحمانيّة ، والكمالات الثّانية الّتى تصل إليها تكوينا ان لم يعقها عائق تحصل بالرّحمة الرّحيميّة ويقال لها : الولاية التّكوينيّة والرّضا التّكوينىّ ، وانّ ذوي العقول وصولها الى كمالاتها الثّانية التّكليفيّة بالرّحمة الرّحيميّة ، ويقال لها : الولاية التّكليفيّة والرّضا والهداية والتّوفيق وغير ذلك ، وانّ انحراف المكوّنات تكوينا عن طريقها المستقيمة الّتى تكون بالفطرة سالكة عليها الى كمالاتها الثّانية وانحراف المكلّفين عن طريقهم المستقيمة التّكليفيّة لا تكون الّا بإرادة الله ومشيّته لكن ذلك الانحراف لا يكون الّا من نقص مادّته وحدود وجوده فيكون نسبته الى نفسه اولى من نسبته الى خالقه ويكون غير مرضىّ لله وان كان مرادا له فانّ الارادة بحسب الرّحمة الرّحمانيّة ، والرّضا بحسب الرّحمة

٣

الرّحيميّة ويكون مبغوضا ومسخوطا وصاحبه مخذولا وضالّا وغير قابل للولاية التّكوينيّة أو التّكليفيّة (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) لانّ الشّكر من الكمالات الثّانية التّكليفيّة وقد فسّر الكفر بالخلاف اى خلاف الولاية وخلاف الامام والشّكر بالولاية والمعرفة (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ردّ لمن قال للّذين آمنوا بلسان القال كما حكى الله تعالى أو بلسان الحال كما هو شأن المنافقين من الامّة وكما هو شأن المترأسين في الدّين من غير اذن واجازة : اتّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تعريض بمجازاتهم على عملهم فانّ الاخبار بالعمل في الآخرة ليس الّا للمجازاة عليه (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) قد تكرّر سابقا انّ ما في الصّدور امّا من قبيل الإرادات والعزمات والنّيّات والخيالات والخطرات ويصدق عليها انّها ذات الصّدور ، وامّا من قبيل القوى والاستعدادات المكمونة في النّفوس الّتى لا شعور لصاحبي الصّدور بها وهي اولى بكونها ذات الصّدور لزوال المذكورات السّابقة عنها بسرعة بخلافها فهي اولى بصدق المصاحبة والجملة تعليل لقوله تعالى: ينبّئكم وتهديد لمن يخفى اعماله (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ) عطف على قوله ان تكفروا يعنى كيف تكفرون وإذا مسّكم ضرّ تلتجؤن اليه لا الى غيره يعنى انّكم مفطورون على الإقرار به والالتجاء اليه فليس كفركم ولا كفرانكم لنعمه الّا لستر ما أنتم مفطورون عليه (دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ) لما سبق انّ الخيال بتصرّف المتخيّلة يمنع العاقلة عن التّدبير والتّصرّف ويستر نصحه وردعه وحين مسيس الضّرّ يسكن الخيال عن التّصرّف فيظهر الفطرة وحكم العقل (ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ) أعطاه تفضّلا فانّه لا يستعمل الّا في هذا المعنى (نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) يعنى نسي الضّرّ الّذى يدعو الله الى دفعه ، أو نسي اللّطيفة الغيبيّة الّتى كان يدعو قواه وأهل مملكته حين الضّرّ إليها فانّ التجاءه اليه دعوة لجميع أهل مملكته اليه ، وان كان نزوله في ابى الفضيل كما ورد ، فانّه روى عن الصّادق (ع) انّها نزلت في ابى الفضيل انّه كان رسول الله (ص) عنده ساحرا فكان إذا مسّه الضّرّ يعنى السّقم دعا ربّه منيبا اليه يعنى تائبا اليه من قوله في رسول الله (ص) ما يقول ثمّ إذا خوّله نعمة منه يعنى العافية نسي ما كان يدعو اليه من قبل يعنى نسي التّوبة الى الله تعالى ممّا كان يقول في رسول الله (ص) : انّه ساحر ، ولذلك قال الله عزوجل : (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) يعنى امرتك على النّاس بغير حقّ من الله عزوجل ومن رسوله (ص) قال ثمّ عطف من الله عزوجل في علىّ (ع) يخبر بحاله وفضله عند الله تبارك وتعالى فقال: أمّن هو قانت (الآية) (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً) أمثالا وشركاء مثل الأصنام والكواكب أو جعل لله أندادا في وجوده من اهوية نفسه ومشتهياتها (لِيُضِلَ) النّاس أو أهل مملكته (عَنْ سَبِيلِهِ) وقرئ ليضلّ بفتح الياء (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً) يا أبا الفضيل أو يا أبا فلان أو يا ايّها المنصرف من باب القلب الى باب النّفس ومشتهياتها (إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) فانّ الانصراف من الله ومن الولاية ومن علىّ (ع) ، أو من باب القلب ليس الّا للمبتلى بدواعى النّفس ، ودواعي النّفس ليست الّا الشّواظ من النّار (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) كمن ليس كذلك؟! حذف الخبر لدلالة الحال ودلالة قوله قل هل يستوي الّذين يعلمون (الآية) عليه ، أو المعنى أمّن كفر خير أمّن هو قانت ، فحذف المعادل الاوّل لدلالة القرينتين عليه ، وقرئ امن هو قانت بتخفيف الميم ، وعليه يكون الخبر محذوفا اى امن هو قانت كمن ليس كذلك؟! أو الخبر والمعادل جميعا والتّقدير أمّن هو قانت خير أم من كفر ، وقد فسّر القانت بعلىّ (ع) ومن ليس كذلك ليس الّا أعداءه ، والتّخصيص في الذّكر بعلىّ (ع) لكونه أصلا في الخصال الحميدة والأعمال الرّضيّة لا ينافي تعميمها كما

٤

تكرّر سابقا (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ) الّذين يقومون آناء اللّيل ساجدا وقائما فانّ العلم يلزمه ذلك لتلازم العلم والعمل كما سبق في فصول اوّل الكتاب (وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) فيكفرون بالله ، أو بنعمه ، أو بالرّسول (ص) ، أو بعلىّ (ع) (إِنَّما يَتَذَكَّرُ) عدم التّسوية بينهما (أُولُوا الْأَلْبابِ) لا غيرهم كأنّه قال : لكن لا فائدة في تذكرتك ذلك لخلوّهم من اللّبّ ومن كان خاليا عن اللّبّ لا يتذكّر ولو ذكر له كلّ آية وأتى له بكلّ آية ، وقد تكرّر انّ الإنسان بدون تأبير الولاية وبدون الاتّصال بولىّ الأمر كالجوز الخالي من اللّبّ اللّائق للنّار ، وبعد الاتّصال والدّخول في امر ـ الائمّة (ع) ودخول الايمان في القلب الّذى هو بمنزلة لبّ القلب يصير ذا لبّ ولذلك فسّروا عليهم‌السلام اولى الألباب في الآيات بشيعتهم بطريق الحصر ، عن الباقر (ع) : انّما نحن الّذين يعلمون ، وعدوّنا الّذين لا يعلمون ، وشيعتنا أولوا الألباب ، وعن الصّادق (ع) : لقد ذكرنا الله وشيعتنا وعدوّنا في آية واحدة من كتابه فقال : (هَلْ يَسْتَوِي) (الآية) ، وبتلك المضامين اخبار كثيرة (قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا) امره (ص) ان يخاطب عبيده بنسبة عبديّتهم الى نفسه اشعارا بانّه (ص) خليفة له في أرضه بل في أرضه وسمائه ومظهر لجميع أوصافه ونسبه فكلّ من كان عبدا له تعالى يكون عبدا لخليفته (ص) عبد طاعة لا عبد عبادة (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) اى سخطه (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا) متعلّق بأحسنوا أو حال عن قوله تعالى حسنة فانّ المحسن كما يكون له الحسنى في الآخرة يكون له الحسنة الّتى هي سهولة الطّريق والسّلوك عليه والالتذاذ به في الدّنيا ، ونعم ما قال المولوىّ في تفسير الحسنة في الدّنيا والآخرة بقوله :

آتنا في دار دنيانا حسن

آتنا في دار عقبانا حسن

راه را بر ما چو بستان كن لطيف

مقصد ما باش هم تو اى شريف

والجملة في موضع تعليل بملفوظها ومحذوفها لمنطوق قوله تعالى اتّقوا ربّكم ومفهومه كأنّه قال : اتّقوا سخطه فانّ العاصي معذّب والمطيع مثاب ، لانّه للّذين أحسنوا (حَسَنَةٌ) وللّذين أساؤا عقوبة (وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ) فان لم تتمكّنوا من الإحسان في ارض فهاجروا الى ارض يمكنكم الإحسان فيها (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ) جواب سؤال مقدّر كأنّه قيل : ان لم يمكن الهجرة فما لمن صبر على مشاقّ الإحسان في محلّ يشقّ عليه الإحسان؟ أو كأنّه قيل : فما لمن هاجر وصبر على مشاقّ الهجرة؟ أو كأنّه قيل : ما لمن صبر على الإحسان في الأوطان؟ أو على الهجرة؟ فقال : انّما يوفّى الصّابرون على ذلك (أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) كناية عن عظمة الأجر وكثرته ، وفي الاخبار اشارة الى انّ المراد إعطاء الأجر بدون محاسبة الأعمال (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) اى طريق السّلوك أو اعمال الملّة عن اشراك الشّيطان واشراك النّفس ومداخلة الهوى فاعبدوا ما شئتم وأشركوا في الدّين والأعمال ما شئتم فهو تعريض بهم وبانّ اشراكهم غير مرضىّ لله وغير مأمور به منه تعالى (وَأُمِرْتُ) بذلك (لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) فمن شاء ان يكون اقدام المسلمين فليعبد مخلصا له الدّين ، أو المعنى : أمرت بان أكون اوّل المسلمين ، فيكون اللّام زائدة للتّقوية (قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) في ترك ما أمرني به من إخلاص الدّين (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فافعلوا ما شئتم من الإشراك والإخلاص (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ) تقديم الله للحصر يعنى قل امتثل امره واعبده (مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) وأشركوا في دينه ما شئتم (قُلْ) أنتم خاسرون لاضراركم بأنفسكم وقواها وجنودها ، وهذا الخسران هو الخسران العظيم (إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ)

٥

الدّاخلة والخارجة (يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) لا خسران المال الّذى هو مغاير معكم ولا نسبة بينه وبينكم الّا بمحض الاعتبار الّذى اعتبره الشّرع أو العرف (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) استعمال الظّلل الّتى هي ما تظلّك فيما كان تحت الاقدام امّا من باب المشاكلة أو من جهة انّها ظلل لمن تحتها (ذلِكَ) المذكور من الخسران أو من التّظليل بالظّلل من النّار (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) قوله تعالى الا ذلك هو الخسران ممّا امر الرّسول (ص) ان يقوله ، أو ابتداء كلام من الله ، أو قوله لهم من فوقهم ابتداء كلام منه أو قوله ذلك يخوّف الله ابتداء كلام منه ، أو قوله يا عباد فاتّقون ابتداء كلام منه (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ) مقابل قوله الّذين خسروا وفي موقع انّ الرّابحين كذا لكنّه عدل الى هذا لبيان ما فيه الرّابح (أَنْ يَعْبُدُوها) بدل من الطّاغوت (وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى) ولمّا كان الطّاغوت مفسّرة ببعض أعداء علىّ (ع) فليكن المراد بالانابة الى الله التّوبة على يد علىّ (ع) والبيعة معه وهو كذلك لانّ الرّجوع الى الله ليس الّا بالسّير الى طريق القلب ، ولا يعلم طريق القلب ولا يفتح الّا بالولاية الّتى هي البيعة على يد ولىّ الأمر ، والأصل في ذلك هو علىّ (ع) (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) وضع الظّاهر موضع المضمر تشريفا لهم بإضافتهم اليه وترغيبا وتوصيفا لهم بوصف مدح تشويقا لهم الى ذلك الوصف والاهتمام بالعبوديّة.

بيان اتّباع أحسن القول وتحقيقه

واعلم ، انّ القول يطلق على الأقوال اللّفظيّة والأقوال النّفسيّة والكلمات الوجوديّة الّتى هي بالنّسبة الى الله تعالى كالاقوال النّفسيّة بالنّسبة إلينا واللّام في القول امّا للجنس ولمّا لم يكن استماع الجنس الّا في ضمن الإفراد فالمراد به امّا استغراق الإفراد بنحو العموم الجمعىّ أو بنحو العموم البدلىّ لكن مع التّقييد بما يخرجه عن المحاليّة ويكون المعنى والتّقدير : الّذين يستمعون جميع الأقوال الّتى يتّفق سماعها لهم ، أو الّذين يستمعون كلّ قول يتّفق سماعه لهم بقرينة الحال وتقدّم الاستماع ، أو المراد به فرد منكّر من القول ويكون المعنى والتّقدير : الّذين يستمعون قولا منكّرا لا يمكن تعريفه وهو قول الولاية وهذا الوجه بحسب اللّفظ بعيد ، أو اللّام فيه للعهد والمنظور من القول المعهود هو علىّ (ع) وولايته ، ولمّا كان الأقوال دوالّ المعاني لم يكن المنظور منها ومن حسنها الّا حسنها بحسب المدلولات لانّ الدّالّ على الشّيء لا يحكم عليه ولا به من حيث انّه دالّ كما انّ الاسم من حيث انّه اسم لا يحكم عليه ولا به فعلى هذا لم يكن المقصود من حسن الأقوال حسنها بحسب ألفاظها بل حسنها بحسب مدلولاتها ، والمقصود من اتّباع الأحسن ان كان المراد من القول الاستغراق اتّباع أوامره ونواهيه بالامتثال والانتهاء ، والاتّعاظ بمواعظه ونصائحه ، والاعتبار بحكاياته وأمثاله ، ولمّا لم يمكن لكلّ أحد اتّباع الأحسن المطلق فالمراد بالأحسن الأحسن بالاضافة فانّه ورد في الكتاب والسّنّة الأمر بالاقتصاص من المسيء والأمر بكظم الغيظ والصّفح اى عدم الحقد على المسيء والإحسان اليه وهذه أو امر اربعة مترتّبة في الفضيلة ويأمر النّفس بالاقتصاص والزّيادة على إساءته ، ومن النّاس من لا يمكنه كظم الغيظ فان امر بكظم الغيظ كان امرا بالمحال فالأحسن في حقّه الاقتصاص وعدم التّجاوز منه الى الزّيادة ، فلو استمع سامع تلك الأقوال الخمسة وميّز بين حقّها وباطلها وحسنها وأحسنها بالاضافة اليه واتّبع ما هو أحسن بالنّسبة اليه كان ممّن استمع القول واتّبع أحسنها سواء كان ممّن كان الأحسن بالنّسبة اليه القصاص أو كظم الغيظ أو الصّفح والإحسان الى المسيء ، أو المراد اتّباع أحسنه بحسب حكايته فانّ الحكاية بلفظه أحسن من الحكاية بمعناه ، والحكاية بالمعنى بالإتيان بتمام المعاني أحسن من الحكاية ببعض معانيه كما عن الصّادق (ع) هو الّذى يسمع الحديث فيحدّث به كما سمعه ، لا يزيد فيه ولا ينقص منه، وهذا أحد وجوه الآية ، أو المقصود

٦

من اتّباع أحسن الأقوال اتّباع أحسن جهاتها فانّ لكلّ قول يسمعه السّامع جهة لتقوية نفسه وجهة لتقوية عقله ، وبعبارة اخرى كلّ قول يسمعه السّامع امّا يسمعه بسمع نفسه أو بسمع عقله ، فان سمعه بسمع عقله واتّبع حكم العقل فيه كان ممّن اتّبع أحسن جهاته ، وان كان المراد به الولاية وصاحبها فالمقصود من اتّباع أحسنها أحسن جهاتها فانّ للولاية جهة الى الكثرات واحكام الرّسالات وجهة الى الوحدة وآثارها ، وإذا دار الأمر بين اتّباع جهة الوحدة وجهة الكثرة فليرجّح جهة الوحدة وهي أحسن جهاتها ، وهكذا الأمر إذا دار الأمر بين اتّباع خليفة الرّسالة وخليفة الولاية وهما الشّيخان في الرّواية والطّريقة فليرجّح شيخ الطّريق إذا كان الإنسان فارغا من احكام قالبه ، وإذا لم يكن عالما بأحكام قالبه فليرجّح شيخ الرّواية ، وإذا كان محتاجا إليهما في أحكامهما فليرجّح كلّ من كان حاجته اليه اشدّ ، فانّه أحسن الأقوال بالنّسبة اليه ، وهكذا في اتّباع جهات الولاية والرّسالة (أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ) الى الولاية فتمسّكوا بها فانّ الهداية ليست الّا بالتّوسّل بالولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة (وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ) بتلقيح الولاية كما مرّ مرارا (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ) كهؤلاء المبشّرين أو التّقدير خير أم هؤلاء المبشّرون؟ أو التّقدير يتخلّص منه أو الخبر فأنت تنقذ من في النّار بتقدير القول (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) يعنى انّ من حقّ عليه كلمة العذاب واقع في النّار ليس لوقوعه في النّار انتظار القيامة وليست بقادر ان تنقذه منها فهذه الجملة كناية عن وقوعهم في النّار ولذلك أتى في جانب مقابليهم بأداة الاستدراك كأنّه قال : ليس من حقّ عليه كلمة العذاب حالهم مثل من كان مبشّرا من الله فانّهم واقعون في النّار في هذه الحيوة الدّانيّة فكيف بالحيوة الآخرة (لكِنِ) المبشّرون (الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) وأتى بالاسم الظّاهر للاشعار بوصف آخر لهم ، وبانّ التّقوى محصورة فيهم وانّهم محشورون بذلك (لَهُمْ غُرَفٌ) جمع الغرفة بمعنى القصر الرّفيع (مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ) في الجنّة بناها الله بأيدى عمّاله لهم وهذا تشريف لهم ببناء القصر لهم (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) قد مضى في آخر سورة النّساء بيان جريان الأنهار من تحت الجنّات (وَعْدَ اللهِ) وعد الله وعدا (لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ) عن الباقر (ع) انّه قال : سأل علىّ (ع) رسول الله (ص) عن تفسير هذه الآية بما ذا بنيت هذه الغرف يا رسول الله (ص)؟ ـ فقال : يا علىّ (ع) تلك غرف بناها الله لأوليائه بالدّرّ والياقوت والزّبرجد ، سقوفها الذّهب محبوكة بالفضّة لكلّ غرفة منها الف باب من ذهب على كلّ باب منها ملك موكّل به ، وفيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والدّيباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والعنبر والكافور وذلك قول الله وفرش مرفوعة (أَلَمْ تَرَ) الخطاب عامّ والاستفهام للتّقريع أو خاصّ بمحمّد (ص) والاستفهام للتّقرير لانّه (ص) يرى ذلك وان كان غيره لا يراه (أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) اصنافه وأنواعه ، أو المقصود اختلاف الألوان حقيقة (ثُمَّ يَهِيجُ) يثور عن منبته بالجفاف (فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً) متفتّتا (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى) تذكيرا بالصّانع وكمال حكمته وقدرته وعنايته بخلقه لا سيّما ببني آدم لانتفاعهم بما سواهم وكون ما سواهم لانتفاعهم دون ما سواهم وتذكيرا بانّ الأحياء بالحيوة الدّنيا مثل إنبات النّبات واخضراره وانحطاطه ويبسه واصفراره وتفتّته فلا يغترّ بها ويعلم انّها أيضا ليست مقصودة بالذّات بل هي كسائر الموجودات مقدّمة لغيرها وليطلب ذلك وليعمل له (لِأُولِي الْأَلْبابِ) الّذين قبلوا ولاية علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة الولويّة كما تكرّر انّه لا يحصل اللّبّ للإنسان الّا بتأبير الولاية (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) يعنى اولى الألباب هم الّذين شرح الله صدورهم للإسلام أفمن شرح الله صدره للإسلام خير أم

٧

من شرح الله صدره للكفر؟ أو مثل من جعل الله صدره ضيّقا حرجا وقد مضى بيان شرح الصّدر في سورة الانعام عند قوله تعالى : يشرح صدره للإسلام (فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) والنّور هو الولاية الّتى هي الحافظة له عن اتّباع الشّيطان والأصل في ذلك النّور علىّ (ع) وبعد شيعته الّذين قبلوا ولايته بالبيعة الخاصّة ، ثمّ شيعته الّذين قد تنعّش فيهم الولاية التّكوينيّة وتنعّش تلك الولاية هو النّور الّذى يقذف في قلب العبد فيعبّر عنه بالعلم كما ورد ، انّ العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) في مقام كمن قسى قلبه لكنّه ادّاه هكذا لافادة هذا المعنى مع شيء آخر (مِنْ ذِكْرِ اللهِ) لأجل ذكر الله أو معرضين من ذكر الله (أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) اى ولاية علىّ (ع) فانّها النّبأ العظيم وأحسن من كلّ حديث والقرآن صورتها فانّ أصل الولاية هي المشيّة وقد نزّلها الله عن مقامها العالي ومقام جمع الجمع على مراتب العقول والنّفوس وعالم المثال وعالم الطّبع ، وبعد نزولها على مراتب الإنسان صارت حروفا وأصواتا وكلمات وأقوالا فصارت كتبا سماويّة وأصل الكلّ هو القرآن وهو صورة الولاية فصحّ تفسيره بالقرآن (كِتاباً) بدل من أحسن الحديث أو حال أو تميز (مُتَشابِهاً) فانّ مراتب العالم كلّ مرتبة منها مشابه لعاليتها وسافلتها فانّ السّافلة صورة مفصّلة نازلة من العالية والعالية صورة مجملة بسيطة من السّافلة ، وصورة القرآن أيضا متشابهة من حيث دلالة كلّ اجزائه على مبدء قدير وصانع حكيم عليم ذي عناية بخلقه ومن حيث دلالته على صدق الآتي به ومن حيث ظهور تنزيله وبطون تأويله ومن حيث اشتماله على البطون ومن حيث اشتماله على الوجوه العديدة الصّحيحة بحسب مراتب الخلق ، ومن حيث فصاحته وبلاغته بحسب قد فاق كلّ خطاب وكلام ، أو المراد المتشابه في مقابل المحكم فانّ القرآن وكتاب الولاية بعد نزوله الى عالم الطّبع مخفىّ المقصود غير ظاهر المراد (مَثانِيَ) قد مضى بيان كون القرآن وكون فاتحة الكتاب مثاني في اوّل الفاتحة وفي سورة الحجر (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) وهم الّذين قبلوا ولاية علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة أو ظهر فيهم ولايته التّكوينيّة الّتى هي ظهور العلم التّكوينىّ فيهم فانّ العلم التّكليفىّ محصور فيمن قبل الولاية التّكليفيّة ، والتّكوينىّ محصور فيمن ظهر فيه الولاية التّكوينيّة وخرج من حجب الاهوية وإليهما أشار النّبىّ (ص) حين سئل عنه : ما العلم؟ ـ فقال : الإنصات ، ثمّ سئل عنه ، فقال : الاستماع فانّ الإنصات اشارة الى ظهور العلم التّكوينىّ المعبّر عنه بالولاية التّكوينيّة ، والاستماع اشارة الى الولاية التّكليفيّة فانّ الاستماع ليس الّا بعد الانقياد والانقياد لا يحصل الّا بالبيعة الخاصّة الّتى هي الولاية بوجه وهي سبب حصول الولاية بوجه ، والخشية لا تكون الّا بعد العلم والخشية محصورة فيمن له العلم بنصّ الآية الشّريفة فلا تكون الخشية الّا لشيعة علىّ (ع) تكوينا أو تكليفا ، ومن قبل الولاية ودخل في الطّريقة يدرك اقشعرار الجلد من تذكّر الولاية ومشاهدة ولىّ امره وقراءة القرآن (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ) عطف على جلودهم (إِلى ذِكْرِ اللهِ) متعلّق بتلين بتضمين تسكن أو قلوبهم مبتدء وخبره الى ذكر الله والجملة حال يعنى تسكن جلودهم عن الاقشعرار والحال انّ قلوبهم مائلة أو ساكنة الى ذكر الله ، وذكر الله هو الولاية أو ولىّ الأمر أو الذّكر المأخوذ من ولىّ الأمر أو ملكوت ولىّ الأمر أو القرآن أو المراد تذكّرهم لله أو ذكر الله لهم الجنّة والنّار والثّواب والعقاب (ذلِكَ) الكتاب المفسّر بالولاية وولىّ الأمر والقرآن أو ذلك الاقشعرار ولين الجلود أو ذلك التّنزيل (هُدَى اللهِ) حمل الهدى من قبيل حمل المصدر على الذّات على بعض الوجوه (يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) اى من يخذله أو من لم يجده الله ، من اضلّ الدّابّة بمعنى لم يجدها كما قيل (فَما لَهُ مِنْ هادٍ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ) الّذى هو أشرف أعضائه ويجعل سائر أعضائه جنّة له في كلّ حال (سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) لشدّة العذاب بحيث لا يقدر على تحريك أعضائه ، أو لكون أعضائه مغلولة ، أو لدهشته

٨

وحيرته بحيث لا يميّز بين الأشرف وغير الأشرف ، والخبر محذوف أو الخبر والمعادل كلاهما محذوفان (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ) وضع الظّاهر موضع المضمر اشارة الى ظلمهم وذمّهم بذلك وتلويحا الى علّة الحكم وهو عطف على يتّقى والاختلاف بالمضىّ والمضارعة للاشارة الى استمرار العذاب والاتّقاء بخلاف هذا القول كأنّه قال : أفمن يتّقى بوجهه سوء العذاب ويتّهكم به بهذا القول خير أم من هو آمن؟ (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) اى نفس ما كنتم تعملون أو جزاءه على ما مضى من تجسّم الأعمال وجزائها أيضا بالجزاء المناسب لها (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل : هل لهم نظير في تكذيبهم؟ ـ فقال تعالى : كذّب الّذين من قبلهم (فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) تفصيل لعذابهم الآتي يعنى أتاهم العذاب فأذاقهم الله ذلك العذاب بالمسخ أو الخسف أو القتل أو الاجلاء أو السّبى أو النّهب أو البلايا الواردة الإلهيّة فانّها ان كانت نعمة بالنّسبة الى المؤمنين كانت نقمة بالنّسبة الى المنافقين والكافرين (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) فانّ عذاب الدّنيا وان كان اشدّ ما يكون يكون جزء من سبعين جزء من عذاب الآخرة (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لاجتنبوا أو لفظة لو للتّمنّى (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) اى بعضا من كلّ مثل يحتاج اليه النّاس في معاشهم ومعادهم (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أحوالهم وأحوال دنياهم وآخرتهم (قُرْآناً) حال موطّئة (عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) غير ذي انحراف عن الطّريق المستقيم الانسانىّ (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الانحراف عن طريق الإنسان (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) للكافر والمؤمن والمنافق والموافق حتّى يتذكّر المؤمن المخلص حاله ويشكر ربّه والكافر والمنافق فينزجر عنها ويتوب (رَجُلاً) بدل من مثلا بتقدير مثل رجل (فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ) اى مختلفون متعاسرون (وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ) بدل من مثلا بتقدير مثل رجل (فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ) اى مختلفون متعاسرون (وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ) فانّ المتّبع للأهواء الّذى يتّبع غير ولىّ الأمر ينبغي ان يرى في نفسه تجاذب اهويته له الى إرادات عديدة ومشتهيات كثيرة بحيث قد يتحيّر ويقف عن الكلّ ويبغض نفسه في ذلك ، وما لم يتّبع هواه لم يتّبع رئيسا باطلا والمتّبع لولىّ الأمر الغير المتّبع لهواه يرى في نفسه انّه مستريح الى ربّه لا يجذبه ارادة وهوى الى غير ربّه ، وهذا النّاظر إذا نظر الى حال المتّبع للأهواء يشكر ربّه لا محالة والمتّبع للأهواء ان تنبّه بحاله انزجر لا محالة وتاب منه لكن قلّ من يتنبّه لانغمارهم في اهويتهم وسكرهم وغفلتهم وقد فسّر السّلم في اخبار عديدة بعلىّ (ع) وشيعته والرّجل الّذى فيه شركاء بأعداء علىّ (ع) (هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) حالا أو حكاية (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إظهار للشّكر على نعمة عدم الاستواء تعليما للعباد (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ليس لهم مقام علم ، أو لا يعلمون عدم الاستواء لطموح نظرهم على المتاع الفاني ، أو لا يعلمون أحوالهم حتّى ينزّلوا هذا المثل على أحوالهم فيتنبّهوا وينزجروا (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) بشارة وتسلية له ولموافقى أمّته وتهديد لمخالفيه ومنافقي أمّته (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) تسلية تامّة لعلىّ (ع) وشيعته ، وتهديد تامّ لمخالفيهم وقد فسّر المتخاصمون بعلىّ (ع) وأعدائه.

الجزء الرّابع والعشرون

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ) يعنى فلم يكن حينئذ أظلم منهم وهذا تهديد آخر لهم وتسلية اخرى لعلىّ (ع)

٩

وموافقيه ، ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بوصف ذمّ لهم والاشارة الى الحكم وعلّته فانّ كلّ من ترأّس في الدّين باىّ نحو من التّرأّس من القضاء والفتيا وإمامة الجماعة والجمعة والوعظ والتّصرّف في الأوقاف واموال الأيتام والغيّاب وأخذ البيعة من العباد وتلقين الذّكر وتعليم الأوراد من دون اذن واجازة من الله بتوسّط خلفائه فهو ممّن كذب على الله ، وهكذا من اتّبع هذا المترأس فانّه بحاله كذب على الله حيث اعتقد انّ هذا المترأس رئيس من الله في الدّين واتّبعه ولم يكن رئيسا من الله (وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ) الّذى هو ولايته التّكوينيّة حيث انّها تزجره عن هذا التّرأّس وذلك الاتّباع وولايته التّكليفيّة ان كان قد حصّل الولاية التّكليفيّة وولىّ امره ، فانّ هذا المتّبع مكذّب بالكلّ والكلّ صدق وصادق (إِذْ جاءَهُ) تكوينا أو تكليفا في الباطن أو في الظّاهر بنفسه أو على لسان نبيّه أو على لسان قرينه (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ) جواب سؤال مقدّر كأنّه قيل : ما حالهم في الآخرة؟ فقال : انّهم في جهنّم (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) وهو كلّ من قبل الولاية التّكليفيّة فانّه جاء بالولاية التّكوينيّة والولاية التّكليفيّة وصدّق بها فانّه ان لم يتّبع هواه يصدّق الولايتين في أحكامهما ويصدّق ولىّ امره في كلّ امر ونهى وقول وفعل وخلق صدر منه (أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) يعنى من الظّلم وهو في مقابل من أظلم ممّن كذب كما انّ قوله والّذى جاء بالصّدق في مقابل كذّب على الله (الى آخره) (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) مقابل أليس في جهنّم مثوى للكافرين (ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) بسط ذكر الجزاء بالنّسبة الى المصدّقين دون المكذّبين تشريف لهم وتحقير لمقابليهم (لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ) علّة لحصر التّقوى فيهم وكون ما يشاؤن لهم عند ربّهم يعنى لمّا كفّر الله وجزاهم بأحسن أعمالهم صار لهم ذلك ، أو غاية لما ذكر يعنى انّ التّقوى وإعطاء ما شاؤا صار سببا لتكفير سيّئاتهم (أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) فكيف بغيره (وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) قد سبق انّ المقصود جزاءهم لجميع أعمالهم بجزاء أحسن الأعمال وقد سبق وجهه وانّ كلّ عمل سيّئة كانت أو حسنة يحصل منه فعليّة ما للنّفس فان كانت الأعمال حسنات يحصل منها فعليّة في جهتها العقلانيّة وان كانت سيّئات يحصل منها فعليّات في جهتها الشّيطانيّة وكلّ فعليّة تحصل في جهتها الشّيطانيّة إذا تسلّط العقل وأخذ الملك من الشّيطان صارت من سنخ الحسنات لصيرورة الفعليّات حينئذ كلّها سيّئاتها وحسناتها من جنود العقول فصارت السّيّئات حسنات إذ لا معنى للحسنة الّا كون الفعليّة الحاصلة منها من جنود العقل وهذا معنى تبديل السّيّئات حسنات وبهذا الاعتبار يجزى تمام السّيّئات جزاء أحسن الأعمال فضلا عن الحسنات (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) تسلية للرّسول (ص) عن تخويف قومه ايّاه أو تخويفهم عليّا (ع) أو عن تخويفهم ايّاه بان لا يدعوا الأمر في علىّ (ع) والمراد بالعبد محمّد (ص) أو علىّ (ع) (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) قيل : قالت قريش : انّا نخاف ان تخبلك آلهتنا لعيبك ايّاها ، وقيل : يقولون لك : يا محمّد (ص) اعفنا من علىّ (ع) ويخوّفونك بانّهم يلحقون بالكفّار (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) جملة حاليّة (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) يعنى انّهم اضلّهم الله ولست أنت تهديهم أو لا يهتدون الى ما يتخيّلون من اللّحوق بالكفّار ، أو من منع علىّ (ع) من الخلافة (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ) فلا تخف من آلهتهم ولا ممّا قالوا في علىّ (ع) فانّ الله هداك وعليّا (ع) (أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ) غالب لا يغلب في مراده حتّى تخاف منهم وممّا قالوا في علىّ (ع) (ذِي انْتِقامٍ) فلا تحزن على تقلّبهم في البلاد وتمتّعهم في الايّام فانّا ننتقم منهم بل تقلّبهم وتمتّعهم باسر النّفس والخيال انتقامنا منهم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) عطف على من يضلل الله وهو حال في مقام التّعليل (مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) فكيف

١٠

يخوّفونك بالّذين من دون (قُلْ) ردّا عليهم في تخويفهم (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ) والحال ان لا ضرّ الّا منه ولا رحمة الّا باذنه فكيف تخوفوننى بها والخوف لا يكون الّا بالإضرار أو منع النّفع وفي إيراد الضّمائر مؤنّثات توهين لآلهتهم سواء أريد بها الأصنام والكواكب وأمثالها أو المترأسين في الدّين مقابل الرّؤساء الحقّة (قُلْ) لهم بنحو التّجرى ولا تخف (حَسْبِيَ اللهُ) ولا حاجة لي الى غيره فلتفعل الهتكم بى ما قدروا (عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) يعنى ينبغي ان يتوكّل عليه المتوكّلون لانّه لا فاعل في الوجود بإقرار الكلّ الّا هو (قُلْ) لهم تهديدا لهم مقابل تهديدهم لك (يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) اى على منزلتكم أو على مقدرتكم سواء جعل من كان أو من مكن (إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) قد مضى الآية بعينها في أوائل سورة هود (إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) جملة مستأنفة في مقام التّعليل للأمر بالقول يعنى انّا أنزلنا عليك الكتاب (لِلنَّاسِ بِالْحَقِ) لأجل تهديدهم وترغيبهم فما لك لا تقول لهم فقل لهم ما أنزلنا إليك ولا تبال سمعوا أو لم يسمعوا (فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) حتّى تراقب عدم ضلالهم وتحزن لضلالهم (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) كلام منقطع عن سابقه وقد مضى في سورة النّساء وجه الجمع بين توفّى الله وتوفّى ملائكته ورسله وتوفّى ملك الموت (حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ) عطف على الأنفس من قبيل عطف العامّ على الخاصّ وقوله (فِي مَنامِها) متعلّق بلم تمت يعنى انّ للإنسان نفسا حيوانيّة ونفسا عقلانيّة والله يتوفّى جميع الأنفس حين الموت ويتوفّى أيضا حين الموت الأنفس الحيوانيّة الّتى لم تكن تخرج من الأبدان حين النّوم فانّ الّتى تخرج حين النّوم هي الأنفس العقلانيّة ويشبه ان لا يكون الله يقبضها حين الموت لتسفّلها وعدم الاعتناء بها بل تكون تفنى أو تقبضها الملائكة ، أو في منامها متعلّق بيتوفّى الأنفس والمعنى انّ الله يتوفّى الأنفس ، ويتوفّى بان يقبضها حين نومها ومعنى قوله تعالى (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى) على الوجه الاوّل انّه يمسك الأنفس الّتى قضى عليها الموت من الأنفس المتوفّاة ويرسل الاخرى الّتى لم يتوفّاها بالموت يعنى يبقيها في أبدانها الى أجلها ، أو يمسك الأنفس العقلانيّة الّتى يتوفّاها بالنّوم ويرسل الأنفس الحيوانيّة الّتى لم يتوفّاها يعنى يبقيها في أبدانها والمعنى على المعنى الثّانى انّه يمسك الأنفس الّتى يتوفّاها بالموت ويرسل الاخرى الّتى توفّيها بالنّوم بان يرسلها بعد توفّيها الى أبدانها (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) موقّت معلوم (إِنَّ فِي ذلِكَ) التّوفّى والإرسال حين الموت والنّوم (لَآياتٍ) عديدة على مبدئيّته وعلمه وقدرته وكمال حكمته ، وبقاء عالم آخر غير هذا العالم وعود الأنفس الى ذلك العالم ، وكون الإنسان ذا مراتب وانّ بعض مراتبه حكمها حكم الطّبع ، وبعض مراتبه حكمها حكم العقل المجرّد وانّه يمكن ان يشاهد ما في العالم الباقي كما انّه يشاهد ما في هذا العالم وغير ذلك (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) باستعمال المفكّرة باستخدام العقل في استنباط المعاني الدّقيقة والنّتائج الخفيّة من المقدّمات الجليّة وغيرهم وان كانوا ذوي شعور وعلم وذوي عقول والباب وذوي تذكّر وتنبّه لا ينتقلون الى آياته من مشهوداته (أَمِ اتَّخَذُوا) أم منقطعة متضمّنة للاستفهام أو مجرّدة عنه ، أو متّصلة محذوف معادلها والتّقدير اتّخذوا من دون الله آلهة يعبدونها أم اتّخذوا (مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ) لهم أتتّخذونهم آلهة أو شفعاء (أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً) ممّا يملك

١١

(وَلا يَعْقِلُونَ) بمنزلة بل لا يعقلون (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) فما لكم تجعلون غيره شفيعا عنده ، أو المعنى بل اتّخذوا من دون علىّ (ع) الّذى هو مظهر تامّ لله وبهذه المظهريّة يطلق اسم الله عليه شفعاء قل لهم أتتّخذونهم شفعاء وائمّة لكم ولو كانوا لا يملكون شيئا ممّا يملك حتّى نفوسهم وقوى نفوسهم الّتى تكون مملوكة لكلّ ذي نفس ولا يعقلون خير أنفسهم وشرّها الانسانيّين فكيف بغيرهم قل لهم ايّتها العصابة الّذين تطلبون شفعاء عند الله لعلىّ (ع) الشّفاعة جميعا يعنى بجميع مراتب الشّفاعة وجزئيّاتها ليس لأحد شيء منها فما لكم تنصرفون عن علىّ (ع) الى غيره (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) في مقام التّعليل (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) يعنى انّ الشّفاعة في الدّنيا مختصّة به لانّ له ملك السّماوات والأرض ، والشّفاعة في الآخرة مختصّة به لانّ الكلّ يرجعون اليه لا الى غيره (وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ) بمنزلة الاستدراك كأنّ متوهّما توهّم انّه لا ينبغي ان يتوجّه أحد مع ذلك الى غير الله فقال ولكن إذا ذكّر الله وحده (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) لانّهم أدبروا عن الله وأقبلوا على اهويتهم والمدبر عن الشّيء مشمئزّ عنه وعن ذكره ، والمقبل على الشّيء مستبشر به وبذكره (وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) كالأصنام والطّواغيت ومعاندي علىّ (ع) ، وعن الصّادق (ع) انّه سئل عنها فقال : إذا ذكر الله وحده بطاعة من امر الله بطاعته من آل محمّد (ص) اشمأزّت قلوب الّذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا ذكر الّذين لم يأمر الله بطاعتهم (إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قُلِ) معرضا عنهم مقبلا على ربّك (اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) يعنى توجّه الى ربّك واذكره بما فيه تسليتك عن عدم اجابة قومك وعن خلافهم من كونه خالق كلّ ما سواه وعالم كلّ المعلومات ومنها عناد قومك معك وخلافهم لك وحصر الحكم بين العباد فيه (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) عطف على اللهم ومن جملة ما أمره الله تعالى ان يقول تسلية لنفسه ، أو عطف على جملة إذا ذكر الله ، أو حال من أحد اجزائها ، أو حال من أجزاء قل اللهمّ (الى آخر الآية) ولفظة لو للشّرط في الاستقبال أو للشّرط في الماضي لانتفاء الثّانى لانتفاء الاوّل بادّعاء مضىّ يوم القيامة لتحقّق وقوعه ، والمراد بالظّلم ظلم آل محمّد (ص) لعدم ارادة مطلق الظّلم لانّ أكثر اصنافه مغفور فليخصّص بما هو المعهود من ظلم آل محمّد (ص) (ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وهذا تهديد بليغ لهم (وَبَدا لَهُمْ) عطف على افتدوا أو حال (مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) اى العمل الّذى كانوا به يستهزؤن ، أو العذاب الّذى كانوا به يستهزؤن (فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ) اى إذا مسّهم ووضع الظّاهر موضع المضمر اشعارا بانّ هذا في فطرة الإنسان ، والفاء لسببيّة ما بعدها لما قبلها ، أو عاطفة على جملة إذا ذكر الله (الى آخرها) ، أو على جملة لو انّ للّذين ظلموا (الى آخرها) ودالّة على التّرتيب في الاخبار (ضُرٌّ دَعانا) لظهور فطرته حينئذ وعدم احتجابها بحجب الوهم والخيال واقتضائها التّعلّق بالله والتّضرّع اليه (ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا) وظهر الخيال بانانيّته ونسي حال تضرّعه ودعائه (قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) منّى بطرق كسبه أو على علم بإتيانه لانّى علمت انّ الله يعطيني ذلك لمكانى عنده (بَلْ) ليس إتيانه بكسبه ولا بشعور منه بإتيانه انّما (هِيَ فِتْنَةٌ) من الله وفساد له أو امتحان له لئلّا يبقى عليه شوب من العلّيّين حتّى يدخل النّار من غير شوب من العلّيّين (وَلكِنَ

١٢

أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ليس لهم مقام علم حتّى يعلموا انّ ذلك ينافي مقام علمهم أو لا يعلمون انّ ذلك فتنة لهم واستدراج (قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كقارون حيث قال : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ فَما أَغْنى) عذاب الله (عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من الأموال والقوى والأولاد والخدم والحشم (فَأَصابَهُمْ) عطف عطف التّفصيل على الإجمال (سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا) بأنفسها على تجسّم الأعمال أو جزاء تلك السّيّئات (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ) اى ظلموا آل محمّد (ص) أو ظلموا ولايتهم التّكوينيّة الّتى هي ولاية آل محمّد (ص) بعدم ضمّها الى الولاية التّكليفيّة فانّ الظّلم ليس مرادا مطلقا فيكون المراد هو الفرد المعهود منه (سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا) استفهام توبيخيّ يعنى لو لا يعلمون ذلك مع وضوح برهانه وظهور آثاره (أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ) اى في بسط الرّزق لبعض من دون مداخلة كسبه وتدبيره في ذلك وقدره لبعض مع كمال سعيه وتدبيره (لَآياتٍ) عديدة دالّة على علمه تعالى وقدرته وحكمته ومراقبته لعباده (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يذعنون بالله وصفاته ، أو يسلمون بالبيعة العامّة ، أو يؤمنون بالبيعة الخاصّة الولويّة (قُلْ يا عِبادِيَ) قد مضى انّ الخطاب للعباد من محمّد (ص) بيا عبادي في محلّه فانّ عباد الله كما انّهم عباد لله عبد عبوديّة عباد لمظاهره عبد طاعة ، على انّ حكم الظّاهر قد ينسب الى المظهر إذا انسلخ المظهر من انانيّته وظهر فيه انانيّة الظّاهر كما انّ حكم المظهر قد ينسب الى الظّاهر ويشهد لذلك قوله تعالى : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ، وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى وقوله قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم وقوله انّ الله اشترى من المؤمنين وقوله انّ الّذين يبايعونك انّما يبايعون الله وقوله الم يعلموا انّ الله هو يقبل التّوبة عن عباده ويأخذ الصّدقات فانّ الاشتراء والبيعة وقبول ـ التّوبة وأخذ الصّدقات ليست الّا بتوسّط المظاهر والخلفاء (الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) بالإفراط في حقوقها الدّنيويّة والتّفريط في حقوقها الاخرويّة (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) وهذا لمن كان له سمة العبوديّة بالنّسبة الى مظاهره وخلفائه ولا يكون سمة العبوديّة الّا لمن باع معهم البيعة العامّة أو البيعة الخاصّة ، بل نقول : لا يكون سمة العبوديّة الّا لمن باع البيعة الخاصّة فانّ الايمان الّذى هو سمة العبوديّة لا يدخل في القلب الّا بالبيعة الخاصّة ، وامّا المسلمون فدخولهم في الإسلام ليس الّا كدخول من دخل تحت حكم السّلاطين الصّوريّة ولذلك لا يكون الأجر والثّواب الّا على الايمان دون الإسلام ، أو نقول هو عامّ لكلّ من لم ينسلخ من عبودية الله تكوينا سواء صار عبدا له تكليفا أو لم يصر ، وانسلاخه من عبوديّته التّكوينيّة لا يكون الّا بالتّمكّن في اتّباع الهوى والشّيطان فانّ المتمكّن في اتّباعهما لا يغفر له لانّه الشّرك الّذى قال الله انّ الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك فالمراد بالذّنوب هاهنا غير الشّرك الّذى لا يغفره الله ، وغير المتمكّن في اتّباع الشّيطان هو الباقي على ولاية آل محمّد (ص) تكوينا وان لم يبايع بالولاية معهم تكليفا فلا منافاة بين هذا التّعميم ، وما ورد في الاخبار من اختصاص الآية بشيعة آل ـ محمّد (ص) فانّه قال القمىّ : نزلت في شيعة علىّ بن ابى طالب (ع) خاصّة ، وعن الصّادق (ع) لقد ذكركم الله في كتابه إذ يقول : يا عبادي (الآية) قال (ع) : والله ما أراد بهذا غي ركم ، وعن الباقر (ع) : وفي شيعة ولد فاطمة (ع) انزل الله عزوجل هذه الآية خاصّة ، وعن الصّادق (ع) : ما على ملّة إبراهيم (ع) غيركم ، وما يقبل الّا منكم ، ولا يغفر الذّنوب الّا لكم ، وعن أمير المؤمنين (ع) : ما في القرآن آية أوسع من (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) (الآية) ، وعن النّبىّ (ص) : ما احبّ انّ لي الدّنيا وما فيها بهذه الآية ، وإذا جمع ما ورد في شيعة علىّ (ع) مع هذه الآية علم ان ليس المراد بعبادي الّا شيعته ، مثل :

١٣

حبّ علىّ (ع) حسنة لا يضرّ معها سيّئة ومثل : دينكم دينكم فانّ السّيّئة فيه مغفورة ، والحسنة في غيره غير مقبولة ، ومثل : إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره ، ومثل : ولىّ علىّ (ع) لا يأكل الّا الحلال ، ومثل : انّ الله عزوجل فرض على خلقه خمسا فرخّص في اربع ولم يرخّص في واحدة ، وغير ذلك ممّا يدلّ على انّ الرّجل ان وصل الى الاحتضار بالولاية غفر الله له جميع ذنوبه (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ) المضاف الّذى هو علىّ بن ابى طالب (ع) وولىّ أمركم ، والانابة اليه بعد البيعة ليست الّا بالحضور لديه بمعرفته بالنّورانيّة الّذى هو الحضور عند الله والمعرفة بالله (وَأَسْلِمُوا لَهُ) اى انقادوا له بالخروج من جميع نيّاتكم وقصودكم وليس الّا بالحضور عنده (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) اى عذاب الاحتضار أو عذاب القيامة (ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) إذا لم تكونوا تسلمون له (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) قد سبق بيان اتّباع أحسن القول في أوائل هذه السّورة ، وقد مضى انّ أحسن القول هو الولاية (مِنْ رَبِّكُمْ) ولا شكّ انّ أحسن ما انزل الى العباد من ربّ العباد من جملة أركان الإسلام واحكامه الولاية فانّها أسناها وأزكاها وأنماها وأشرفها والدّليل عليها ، وأحسن ما انزل إليهم من جملة قواهم وفعليّاتهم هو الولاية التّكوينيّة الّتى هي حبل الله ، والولاية التّكليفيّة الّتى هي حبل النّاس ، وهي الايمان الدّاخل في القلب ، وهي الفعليّة الاخيرة الّتى بها شيئيّته وهي ما يصحّح نسبة البنوّة والابوّة بينه وبين ولىّ امره ، ونسبة الأخوّة بينه وبين سائر المؤمنين (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) عذاب حال الاحتضار أو القيامة (بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) بمجيئه حتّى تتهيّؤا لدفعه أو لوروده ليكون أيسر ايلاما (أَنْ تَقُولَ) أمرنا أو قلنا ذلك كراهة ان تقول ، أو لئلّا تقول ، أو هو بدل من ان يأتيكم العذاب نحو بدل الاشتمال اى اتّبعوا أحسن ما انزل إليكم من قبل ان تقول (نَفْسٌ) ارادة العموم البدلىّ أو الاجتماعى من النّفس هاهنا بعيدة لفظا ومعنى ، وارادة فرد ما لا على التّعيين مفيد معنى وقريب لفظا لكن ملاحظة التّحقير من التّنكير وهي المنظور منه (يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ) اى في علىّ (ع) أو في ولايته كما ورد اخبار كثيرة في انّ المراد بجنب الله علىّ (ع) ، أو هو والائمّة من بعده ، أو ولايته ، فعن الباقر (ع) اشدّ النّاس حسرة يوم القيامة الّذين وصفوا عدلا ثمّ خالفوه وهو قوله عزوجل : ان تقول نفس (الآية) ، وعن الكاظم (ع) جنب الله أمير المؤمنين (ع) ، وعن الباقر (ع) : نحن جنب الله ، وعنه (ع) وعن السّجّاد (ع) والصّادق (ع) ، جنب الله علىّ (ع) وهو حجّة الله على الخلق يوم القيامة ، وعن الرّضا (ع) في هذه الآية انّه قال : في ولاية علىّ (ع) ، وعن علىّ (ع) : انا جنب الله ، والاخبار في هذا المعنى كثيرة (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) لجنب الله (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ولفظة أو للدّلالة على انّها قد تقول هذا وقد تقول ذلك لغاية تحيّره ووحشته (بَلى) جواب للنّفى المستفاد من قولها : لو انّ الله هداني وإثبات لما نفت وردّ عليها كأنّه قيل : ما يقال لها حين تقول ذلك؟ فقال تعالى : يقول الله بلى ردّا على قولها ما هداني الله (قَدْ جاءَتْكَ) قرئ بتذكير ضمير الخطاب اعتبارا للمعنى وقرئ بتأنيثه (آياتِي) نقل انّ المراد بالآيات الائمّة وعلى ما ذكرنا من إشارات الاخبار جاز ان تفسّر الآيات بعلىّ (ع) والائمّة (ع) من بعده (فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ) عن الانقياد لها (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) بالله بكفرك بالآيات من حيث انّها آيات لانّها مظاهر لله وبكفرك بالولاية فانّ الايمان بالله لا يحصل الّا بالايمان بالولاية ، وبكفرك بنعم الله فانّ الولاية من أعظم نعم الله على خلقه ، والكافر بها كافر بأعظم النّعم بل بجميع النّعم لانّ النّعمة ليست نعمة الّا بالولاية (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)

١٤

بادّعاء منصب دينىّ ليس بإذن من الله وخلفائه كادّعاء الامامة والخلافة من الرّسول ، وادّعاء القضاء والفتيا ، وادّعاء الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر ، وادّعاء الوعظ والامامة للجمعة والجماعة ، والتّصرّف في الأوقاف واموال الأيتام والغيّاب ، واجراء الحدود والتّعزيرات ، وأخذ الفيء والأنفال والصّدقات ، وغير ذلك من المناصب الدّينيّة المحتاجة الى الاذن والاجازة من الله عموما أو خصوصا ، وروى بطرق عديدة انّ المراد : من ادّعى انّه امام وليس بإمام ، قيل : وان كان علويّا فاطميّا؟ ـ قال : وان كان علويّا فاطميّا (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) جواب سؤال مقدّر كأنّه قيل : ما حالهم ومقامهم؟ فقال : حالهم انّهم في جهنّم لكنّه ادّاه بصورة الاستفهام تأكيدا لهذا المعنى (وَيُنَجِّي اللهُ) عطف على قوله تعالى (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ) فانّه في معنى يكون في جهنّم مثوى للكافرين وينجّى الله (الَّذِينَ اتَّقَوْا) قد مضى في اوّل البقرة بيان التّقوى وتفاصيلها (بِمَفازَتِهِمْ) بنجاتهم يعنى باستعدادهم للنّجاة أو في محلّ نجاتهم والمفازة المنجاة والمهلكة ضدّ والفلاة الّتى لا ماء بها (لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) جواب سؤال مقدّر في مقام التّعليل أو منقطع عن سابقه لفظا ومعنى (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) بالحفظ والإبقاء على ما هو خير له (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يعنى مفاتيحها ومقاليدها عبارة عن الوجود الّذى به قوامها وبقاؤها ، وإذا كان ذلك الوجود مملوكا له لم يكن لها شيء لا يكون مملوكا له فهو مالك لها بتمام اجزائها لا انانيّة لها في أنفسها ، والجملة في مقام التّعليل (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ) اى بعلىّ (ع) وولايته (أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) لا خسران سوى الكفر به لانّ من كفر بالله إذا لم يبطل استعداده الفطرىّ يمكن له التّوبة والرّجوع وكذا حال من كفر بالرّسول واليوم الآخر ، وامّا من كفر بالولاية بان قطع الولاية التّكليفيّة والولاية التّكوينيّة لا يبق له استعداد التّوبة وهو المرتدّ الفطرىّ الّذى لا توبة له وليس له الّا القتل بخلاف غيره من الكفّار ولذلك ادّعى حصر الخسران فيه (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) غير الله مفعول اعبد وتأمرونّى معترض بينهما ، ومفعوله محذوف اى تأمرونّى بعبادته ، أو غير الله مفعول تأمرونّى واعبد بدل منه بتقدير ان بدل الاشتمال ، وقرئ تأمرونّى بالاوجه الثّلاثة (الحذف والإدغام والفكّ) الجائزة في نون الوقاية مع نون الجمع (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ) ابتداء كلام من الله ردّا عليهم في قولهم لمحمّد (ص) استسلم بعض آلهتنا نؤمن بالهتك كما انّ قوله : قل أغير الله تأمرونّى كان ردّا عليهم في قولهم ذلك (وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) يعنى هذا الوحي كان مستمرّا من اوّل زمن النّبوّة ولم يكن له اختصاص بنبىّ دون نبىّ ووقت دون وقت لانّ البعثة لم تكن الّا لنفى الشّرك خصوصا إذا كان المراد بالشّرك الشّرك في الولاية لانّها كانت مبدء للبعثة وغاية لها (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) بالله في العبادة أو لئن أشركت بعلىّ (ع) والولاية (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) تعريض بالامّة وباشراكهم بالولاية لكنّه خاطب النّبىّ (ص) بهذا الخطاب مبالغة في تهديد الامّة ودلالة على انّه (ص) مع كمال عظمته ومقام نبوّته لو أشرك حبط عمله فكيف بغيره ممّن لا مقام له (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ) تقديم الله للاشارة الى الحصر (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لنعمة العبادة وحصرها فيه: عن القمىّ في تفسير الآية : هذه مخاطبة للنّبىّ (ص) والمعنى لامّته والدّليل على ذلك قوله تعالى : (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وقد علم انّ نبيّه (ص) يعبده ويشكره لكن استعبد نبيّه بالدّعاء اليه تأديبا لامّته ، وسئل الباقر (ع) عن هذه الآية فقال : تفسيرها لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علىّ (ع) من بعدك (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) ، وعن الصّادق (ع) : ان أشركت في الولاية غيره قال

١٥

بل الله فاعبد بالطّاعة وكن من الشّاكرين ان عضدّتك بأخيك وابن عمك ، والغرض من نقل امثال هذه الاخبار ان تعلم انّه كلّما ذكر اشراك وتوحيد كان المراد الإشراك بالولاية والتّوحيد لها سواء أريد من ظاهره غيره أو أريد بظاهره أيضا ذلك فقوله تعالى بل الله فاعبد كان معناه بل عليّا (ع) فتولّ ، لانّه مظهر الله ولانّ عبادة الله لا تتيسّر الّا بالولاية وكن من الشّاكرين على نعمة الولاية وكان معنى قوله تعالى (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ما قدروا عليّا (ع) أو ما قدروا الولاية حقّ قدره ، ولمّا كان المقصود التّعريض بالامّة عطف بيان حالهم على اشراكه كأنّه قال : لكن ما قدروا الله حقّ قدره لانّه كما لا يمكن قدر الذّات الاحديّة لأحد من مخلوقه لا يمكن قدر الولاية حقّ قدرها لأحد سوى صاحب الولاية المطلقة ، وقال القمّى : نزلت في الخوارج ، والسّرّ في انّهم لا يقدرون الله قدره انّهم محدودون بحدود لا فرق في ذلك بين الأنبياء (ص) والأوصياء (ع) الجزئيّين وبين سائر الخلق غاية الأمر انّ الأنبياء (ع) قد خرجوا من بعض الحدود البشريّة والانسانيّة وغيرهم ما خرجوا والذّات الاحديّة وكذلك المشيّة الّتى يعبّر عنها بالولاية الّتى هي علويّة علىّ (ع) مطلقة من الحدود ، والمحدود لا يقدر على ادراك المطلق فلا يقدر قدره لانّ قدر القدر مسبوق بإدراكه ، وامّا النّبىّ الخاتم (ص) والولىّ الخاتم (ع) فيقدران قدر الولاية ولا يقدران قدر الله ، والله تعالى شأنه هو الّذى يقدر قدر الكلّ (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ) القبضة المرّة من القبض وفيه تفخيم لعظمته من حيث انّ الأرض بعظمتها كانت قبضة واحدة له والمراد بالأرض كما مرّ مرارا اعمّ من عالم المثال السّفلىّ وعالم المثال العلوىّ وعالم الطّبع بجميع سماواته وأرضيه (يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) اطلاق القبضة في الأرض عن اليمين وعن الطّىّ واستعمال الطّىّ في السّماوات وتقييده باليمين للاشارة الى حقارة الأرض بالنّسبة الى السّماوات ورفعة السّماوات وعظمتها وشرافتها بالنّسبة الى الأرض يعنى انّ له تعالى تلك العظمة ومع ذلك يشركون به جمادا منحوتا لهم أو مخلوقا ضعيفا له (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من الأصنام والكواكب وأنواع المخلوقات من العناصر ومواليدها وعمّا يشركون به في الولاية وعمّا يشركون به في العبادة من الأغراض والاهوية (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) الإتيان بالماضي للاشارة الى تحقّقه ، أو لأنّ القضيّة قد مضت بالنّسبة الى النّبىّ المخاطب له أو صارت القضيّة واقعة حين الخطاب بالنّسبة اليه (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) تقديم من في السّماوات لشرافتهم والّا فمن في الأرض يصعق اوّلا فانّ المراد النّفخة الاولى وبها يصعق من في الأرض اوّلا ثمّ من في السّماء (إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ) في خبر من شاء الله ان لا يصعق جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وفي خبر : هم الشّهداء متقلّدون أسيافهم حول العرش (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ) نفخة (أُخْرى) وهي نفخة الأحياء (فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) قد مضى في سورة النّمل بيان الآمنين يوم القيامة وحين النّفخة الاولى أو الثّانية ، وبيّنا في سورة النّور معاني الصّور ووجوه قراءتها وكيفيّة النّفخ فيها وكيفيّة الاماتة والأحياء بها (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها).

تحقيق تبديل الأرض وإشراقها بنور ربّها

اعلم ، انّ نسبة الامام الى الأرض والارضيّين مثل نسبة الرّوح الى البدن وقواه ، وكما انّ نور الرّوح لا يظهر الّا في القوى المدركة دون سائر آلات البدن لكونها منغمرة في ظلمة المادّة كذلك نور الامام في الدّنيا لا يظهر الّا في الكمّل من شيعتهم ، وامّا غيرهم من العناصر ومواليدها إنسانا كانت أو حيوانا أو نباتا وجمادا فلا يظهر نور الامام فيها لانغمارها في ظلمات المادّة وعوارضها فاذا انقضى الدّنيا وانقضى البرازخ الّتى هي معدودة من الدّنيا بوجه وانتهى الإنسان الى الأعراف أو الى عالم المثال النّورىّ العلوىّ صارت الأرض مبدّلة والمادّة ولوازمها مطروحة وصارت تلك الأرض مستشرقة بنور الامام (ع)

١٦

كما انّ هذه الأرض مستشرقة بنور الشّمس ، وإذا تبدّل ارض العالم الصّغير وصارت ارض الملكوت غالبة على ارض الملك استشرقت ارض البدن بنور ملكوت الامام بل ارض العالم الكبير تصير مشرقة بنور ملكوته ويصير الإنسان مستغنيا بنور الامام عن نور الشّمس كما قال المولوىّ قدس‌سره عن الشّيخ المغربىّ :

گفت عبد الله شيخ مغربي

شصت سال از شب نديدم من شبى

من نديدم ظلمتى در شصت سال

نى بروز ونى بشب از اعتدال

ولمّا كان الإنسان أنموذجا من العالم كان إذا تولّد بالولادة الثّانية وظهر عليه ملكوت امامه ظهر عليه كيفيّة اشراق الأرض بنور ربّها ، قال الصّادق (ع) : ربّ الأرض امام الأرض ، قيل : فاذا خرج يكون ماذا؟ ـ قال: إذا يستغنى النّاس عن ضوء الشّمس ونور القمر ويجتزءون بنور الامام ، وعنه (ع) : إذا قام قائمنا أشرقت الأرض بنور ربّها واستغنى العباد عن ضوء الشّمس وذهبت الظّلمة ، وكلّ ذلك في العالم الصّغير اشارة الى التّولّد الثّانى وظهور ملكوت الامام (وَوُضِعَ الْكِتابُ) قد مضى في سورة الكهف بيان وضع الكتاب (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ) الّذين هم رسل الله الى الخلق ليسئلوا عن اجابة الخلق لهم وطاعتهم وانقيادهم لله (وَالشُّهَداءِ) اى خلفاء الرّسل (ع) في دعوة الخلق الّذين يشهدون بأفعالهم وأحوالهم وأخلاقهم وأقوالهم على النّاس بعد الأنبياء (ع) (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين العباد أو بين النّبيّين والشّهداء وبين الخلق (بِالْحَقِ) بحيث لا يشوب القضاء باطل أصلا (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ) قد سبق معنى توفية كلّ نفس ما عملت في سورة آل عمران (وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ) حال يعنى انّ الإتيان بالنّبيّين والشّهداء ليس لجهل الله بهم وبأفعالهم (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالولاية بقطعها تكليفا وتكوينا حتّى يموتوا وهم كافرون (إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) جمع الزّمرة الفوج والجماعة في تفرقة ، ولمّا كان أهل الجحيم بحسب اختلاف أحوالهم متفرّقين بالسّبق وعدمه وشدّة العذاب وخفّته استعمل الزّمر فيهم (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها) جعل فتحت هاهنا جوابا لاذا اشارة الى انّ أبواب الجحيم مغلقة قبل الوصول إليها فاذا وصلوا إليها تفتح لهم بخلاف أبواب الجنان فانّها مفتوحة على الخلق قبل إتيانهم إليها ، ووجهه انّ الإنسان بعد خلق آدم من التّراب المجموع من السّماوات والأرضين والسّجّين والعلّيّين في ارض بدنه يؤوى آدمه في الجنّة الدّنيا فيكون آدمه في الجنّة من اوّل خلقته فأبواب الجنّة من اوّل خلقته مفتوحة عليه وهو داخل فيها وليس يخرج منها الّا بعصيانه ، وامّا أبواب الجحيم فهي مغلقة لانّ الجحيم وأبوابها ضدّ لفطرة آدم فهي مغلقة عليه الّا إذا خرج من الجنان وسيق الى النّيران فاذا سيق الى النّيران تفتح أبوابها عليه ولذلك لم ينسب الله تعالى في شيء من الآيات الدّخول الى أبواب الجنان ونسب الدّخول في كثير من الآيات الى أبواب الجحيم (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) كأنّهم قالوا : لكنّا كنّا كافرين وحقّت كلمة العذاب علينا لكفرنا فلم نتنبّه بتنبيههم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) في جهنّم (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) قد مضى بيان التّقوى ومعانيها ومراتبها في اوّل البقرة وفي أواسطها وفي غيرها (إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) جماعات مختلفين بحسب الحال والمراكب والمراتب والمنازل (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) جواب إذا محذوف اى دخلوها ، أو كان لهم من الكرامة ما لا يمكن وصفها وقد ذكرنا في قرينه وجه إسقاط الواو هناك والإتيان بها هاهنا ، وقيل : الإتيان بالواو هاهنا لكون أبواب الجنان ثمانية

١٧

وأبواب الجحيم سبعة ، والعرب يأتى بالواو في الثّمانية وتسمّيها وأو الثّمانية (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ) تهنئة لهم مقابل التّهكّم بالكفّار (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) عن الصّادق (ع) عن أبيه (ع) عن جدّه (ع) عن علىّ (ع) قال : انّ للجنّة ثمانية أبواب ، باب يدخل منه النّبيّون (ع) والصّدّيقون ، وباب يدخل منه الشّهداء والصّالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا ، فلا أزال واقفا على الصّراط ادعو وأقول : ربّ سلّم شيعتي ومحبّى وأنصاري وأوليائي ومن تولّاني في دار الدّنيا ، فاذا النّداء من بطنان العرش ، قد أجبت دعوتك وشفّعت في شيعتك ، ويشفع كلّ رجل من شيعتي ومن تولّاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد ان لا اله الّا الله ولم يكن في قلبه مثقال ذرّة من بغضنا أهل البيت (وَقالُوا) بعد مشاهدة الجنّة ونعيمها وسعتها ومنازلهم فيها وانعام الله عليهم بأنواع نعمه (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) اى ارض الجنّة أو ارض الدّنيا أو ارض الآخرة لانّ الكامل في الجنّة يكون له التّصرّف في جميع أجزاء الدّنيا (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ) الخطاب لمحمّد (ص) أو عامّ والمعنى يقال حينئذ لكلّ راء : ترى الملائكة ، وان كان الخطاب لمحمّد (ص) فالعدول الى المضارع للاشعار بانّ حاله في الحال انّه يرى الملائكة (حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) قد مضى في اوّل سورة الفاتحة وجه تقييد التّسبيح بالحمد وانّ تسبيحه تعالى ليس الّا بحمده كما انّ حمده ليس الّا بتسبيحه وقد مضى في سورة البقرة في اوّلها وجه الفرق بين التّسبيح والتّقديس وبيان معنى التّسبيح والتّقديس عند قوله تعالى : و (نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين الملائكة بان جعل كلّ في مقامه اللّائق به وحكم على كلّ بالعبادة اللّائقة به ، أو بين الخلائق ويكون تأكيدا لسابقه ، واشعارا برؤية محمّد (ص) ذلك (بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أتى بالفعل مبنيّا للمفعول تلويحا الى انّ هذا القول يجرى على كلّ لسان من غير اختصاص بقائل خاصّ (رَبِّ الْعالَمِينَ) فانّه يظهر حينئذ لكلّ أحد انّه تعالى ربّ جميع أجزاء كلّ العوالم ، عن الصّادق (ع) : من قرأ سورة الزّمر استخفاها من لسانه أعطاه الله من شرف الدّنيا والآخرة واعزّه بلا مال ولا عشيرة حتّى يهابه من يراه وحرم جسده على النّار وبنى له في الجنّة الف مدينة في كلّ مدينة الف قصر وفي كلّ قصر ، مائة حوراء ، وله مع هذا عينان تجريان ، وعينان نضّاختان ، وجنّتان مدهامّتان ، وحور مقصورات في الخيام ، وذواتا أفنان ، ومن كلّ فاكهة زوجان.

سورة المؤمن

مكّيّة كلّها ، وقيل : سوى آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما : انّ الّذين يجادلون في آيات الله (الى قوله) لا يعلمون ، وقيل : سوى قوله : وسبّح بحمد ربّك بالعشىّ والأبكار يعنى بذلك صلوة الفجر وصلوة المغرب وقد ثبت انّ فرض الصّلوة نزل بالمدينة ، خمس وثمانون آية.

١٨

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(حم) قد مضى في اوّل البقرة وفي غيرها بيان واف للفواتح (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ) جمع تعالى في أوصافه بين الجلال والجمال ، والقهر واللّطف (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) لمّا كان الجمع بين الأوصاف الجلاليّة والجماليّة والقهريّة واللّطفية والحقيقيّة والاضافيّة يوهم تعدّدا وكثرة في الموجودات نفى الكثرة واثبت التّوحيد بعدها (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) اشارة الى توحيد المبدء والمنتهى (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ) في اخفائها وابطالها والاستهزاء بها (إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) بالولاية التّكوينيّة والولاية التّكليفيّة فانّ الكفر بالله وبملائكته وكتبه ورسله ونعمه واليوم الآخر لا يكون الّا بعد الكفر بالولايتين فانّ الإنسان ما لم يستر وجهة القلب الّتى هي الولاية التّكوينيّة وليست الولاية التّكليفيّة الّا معينة لكشف الحجاب عن تلك الوجهة لا يكفر بالله ولا بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونعمه (فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) بالتّجارات الرّابحة والاعتبارات الّتى هي راجعة الى الدّنيا لانّهم مأخوذون عن قريب كما أخذ الّذين من قبلهم (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ) اى الفرق المختلفة والأمم المتفرّقة كذّبوا كلّهم رسلهم (مِنْ بَعْدِهِمْ) من بعد قوم نوح (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ) من تلك الأمم المذكورة أو كلّ أمّة من الأمم الماضية الّذين أرسل إليهم رسول (بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) فيمنعوه من رسالته أو يعذّبوه أو يقتلوه كما همّ قومك بك ليأخذوك فيحبسوك أو يقتلوك (وَجادَلُوا) اى رسولهم (بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا) اى يزيلوا (بِهِ الْحَقَ) كما يجادل قومك لان يزلقوك ويزيلوا الحقّ (فَأَخَذْتُهُمْ) بسبب الهمّ والجدال فلا تحزن فانّا نأخذ قومك ونعاقبهم (فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) يعنى انّكم ان لم تشاهدوا عقوبتي لهم فقد سمعتم اخبارها وتشاهدون في مروركم بديارهم آثارها فلم لا تعتبرون بهم؟! وممّ تغتمّ يا محمّد (ص) بهمّة قومك وجدالهم؟ (وَكَذلِكَ) اى مثل ذلك العقاب المسموع للكلّ (حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) بالعذاب (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ولا سيّما الكافرين الّذين كفروا برسالتك والمنظور الكافرون بولاية علىّ (ع) (أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) عن الباقر (ع) يعنى بنى أميّة (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) جواب لسؤال مقدّر ومقابل لقوله : ما يجادل في آيات الله كأنّه قيل : هذا حال الكافرين والمجادلين في آيات الله فما حال المؤمنين؟ ـ فقال : حالهم انّ الّذين يحملون العرش (وَمَنْ حَوْلَهُ) عطف على الّذين يحملون العرش أو عطف على العرش (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) قد مضى في اوّل الفاتحة وفي غيرها وجه تقييد التّسبيح بالحمد (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) ذكرهم بوصف الايمان تفخيما لشأن الايمان وتعظيما لأهله وبشارة لهم (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) واستغفارهم مستجاب لخلوّهم عن الهوى وأغراض النّفس ، والمراد بالّذين آمنوا الّذين يستغفر لهم الملائكة من آمن بالايمان الخاصّ والبيعة الخاصّة الولويّة دون من أسلم بالبيعة العامّة النّبويّة فقط ، فانّهم وان كانوا مغفورين إذا لم يتنبّهوا بالبيعة الاخرى ولم يتذكّروا بالولاية ، وانّ الايمان ليس الّا

١٩

بالبيعة الخاصّة الولويّة وكانوا في متابعتهم للرّسل (ص) ثابتين غير متلوّنين لكن ما به استغفار الملائكة ليس الّا انفحّة الولاية كما ورد في أخبارنا تفسيرهم بشيعتهم ، فعن الرّضا (ع) للّذين آمنوا بولايتنا ، وعن الصّادق (ع) انّ لله ملائكة يسقطون الذّنوب عن ظهور شيعتنا كما تسقط الرّيح الورق في أوان سقوطه وذلك قوله تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) (الآية) قال استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق (رَبَّنا) استيناف جواب لسؤال مقدّر بتقدير القول ، أو حال بتقدير القول (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا) يعنى بالتّوبة الخاصّة الولويّة الجارية على يد ولىّ الأمر في ضمن البيعة الخاصّة (وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) في مقام عملوا الصّالحات المذكور في سائر الآيات مع الايمان (وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ) هي جنّات الاقامة الّتى لا يخرج منها الى غيرها لكونها آخرة الجنّات (الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ) عطف على مفعول وعدتهم أو على مفعول أدخلهم والمراد بالصّلاح استعداد الصّلاح فانّه نحو صلاح لا الصّلاح بالفعل الحاصل بالولاية والبيعة الخاصّة فانّه لو أريد ذلك الصّلاح لم يكن دخولهم بتبعيّة الغير ولم يثبت بذلك للمتبوع شرافة فانّ شرافة المؤمن بان يكون يدخل الجنّة بواسطته آباءه واتباعه الّذين لم يستحقّوا دخولها بأنفسهم ، فانّ من لم يبطل استعداده من آباء المؤمنين وأولادهم وأزواجهم يدخل الجنّة ان شاء الله بواسطتهم ، ويجوز ان يراد بالصّلاح الصّلاح بالفعل فيكون للآباء والاتباع استحقاق الدّخول بسبب الايمان وبسبب نسبتهم الى المؤمن فانّهم ينتفعون بتلك النّسبة أيضا (وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) تقديم الأزواج لمراعاة التّرتيب في الوجود لا في الشّرف ولا في النّسبة (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) اى الغالب الّذى لا يمنع من مراده (الْحَكِيمُ) الّذى يعلم دقائق الاستعداد والاستحقاق وتفعل على حسبها بحيث لا يمكن ابطال فعلك والسّؤال عنك فيه (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) اى الشّرور الّتى تصيب النّاس يوم القيامة ويوم دخول أهل الجنان في الجنان وأهل النّيران في النّيران لانّ سيّئات الدّنيا ان كانت شرورا بالنّسبة الى المراتب الحيوانيّة ومداركها تكون رحمات من الله بالنّسبة الى المراتب الانسانيّة ومداركها بخلاف سيّئات الآخرة فانّها شرور بالنّسبة الى المقامات الاخرويّة ، وليس للإنسان مرتبة حينئذ سوى المراتب الاخرويّة حتّى تكون هي خيرات بالنّسبة إليها (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ) يوم دخول أهل الجنان في الجنان (فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) لانّ الرّحم الدّنيوىّ فوز مشوب بالآلام بخلاف الرّحم الاخروىّ فانّه فوز غير مشوب فكأنّ الرّحم الدّنيوىّ ليس برحم ، ولكون المراد الرّحم الاخروىّ حصر الفوز العظيم فيه ، وفسّر القمّىّ الآية هكذا : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) يعنى رسول الله (ص) والأوصياء (ع) من بعده يحملون علم الله ومن حوله يعنى الملائكة الّذين آمنوا يعنى شيعة آل محمّد (ص) الّذين تابوا من ولاية بنى أميّة واتّبعوا سبيلك اى ولاية ولىّ الله ومن صلح يعنى من تولّى عليّا وذلك صلاحهم فقد رحمته يعنى يوم القيامة وذلك هو الفوز العظيم لمن نجّاه الله من هؤلاء (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) جواب سؤال مقدّر كأنّه سئل : هذا حال المؤمنين فما حال هؤلاء الكافرين الّذين يجادلون بالباطل ويهمّون برسولهم؟ أو ما حال هؤلاء الّذين كفروا بولاية علىّ (ع)؟ وهذا هو المراد ولتأكيد عقوبتهم والتّغليظ عليهم أتى بانّ هاهنا (يُنادَوْنَ) يعنى يناديهم الملائكة تهكّما بهم (لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الامّارة أو ذواتكم ، أو المراد بأنفسهم ائمّتهم الحقّة فانّهم أنفسهم حقيقة لا نفسيّة لهم الّا بأئمّتهم (ع) ويؤيّده قوله تعالى (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) بالله أو بالرّسول (ص)

٢٠