🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٦

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّد الانبياء

والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين ، لا سيّما

الإمام المبين وغياث المضطر المستكين عجّل الله تعالى

فرجه الشريف واللعن المؤبّد على أعدائهم أجمعين.

٣
٤

مسألة (١)

لو باع من له نصف الدار نصف ملك (٢) [تلك] الدار

______________________________________________________

بيع نصف الدار

(١) هذه المسألة معنونة في كتب القوم ، و «النصف» من باب المثال ، ولا خصوصية له ، كعدم خصوصية الدار أيضا. فالثلث والربع وغيرهما من الكسور أيضا كذلك. كما أنّ البستان والدكان والخان ، بل المنقولات ـ من غير الحيوان ، ومن الحيوان ناطقة وصامتة ـ كذلك. فالنزاع في مسألة بيع نصف الدار يعمّ الجميع.

بل يندرج في البحث الصلح والهبة ، ونقل المنافع ، كما إذا آجر نصف الدار المشتركة بينه وبين غيره.

وعلى كلّ ، فإن باع أحد الشريكين حصّته للأجنبي ، فقال : «بعتك نصف الدار» كان له صور ثلاث ، إذ تارة يحرز قصده بيع النصف المملوك له ، ولا كلام في صحته.

واخرى يحرز قصد بيع حصّة الشريك من دون إذنه ، فيكون فضوليا. وحيث قلنا بصحة البيع الفضولي تأهّلا ، فإن أجاز المالك صح ، وإن ردّ بطل.

وثالثة لم يحرز قصده تفصيلا لبيع حصّته ، أو حصّة شريكه ، أو النصف المشاع بينهما بأن يبيع نصف النصف لنفسه ، وكذا لشريكه. وفي هذا الفرض احتمالان ، كما سيظهر بالتفصيل. والمقصود فعلا بيان وجه ارتباط هذه المسألة ببيع الفضولي وببيع ما يملك وما لا يملك ، إذ بناء على الصورة الثانية تكون المسألة من صغريات البيع الفضولي. وبناء على الصورة الثالثة تكون من «بيع ملك غيره مع ملك نفسه» لو قلنا بظهور «بيع النصف» في بيع نصف النصف من حصة نفسه ، ونصف النصف من حصة الشريك.

(٢) الإضافة بيانية بناء على نسخة «ملك الدار» أي : بيع نصف الدار.

٥

فإن علم (*) أنّه أراد نصفه (١) أو نصف الغير (٢) عمل (٣) به (٤) ،

______________________________________________________

(١) أي : نصفه المختص به.

(٢) وهو مالك النصف الآخر.

(٣) جواب قوله : «فإن علم» وجملة الشرط والجزاء جواب قوله : «لو باع».

(٤) أي : بالمعلوم ، فإن كان نصفها المختص به كان البيع ماضيا ، وإن كان نصفها المملوك لشريكه ، وقف نفوذه على إجازته بناء على صحة عقد الفضولي.

__________________

(*) لا يخفى أنّه تارة يعلم مراده تفصيلا من اللفظ ، وأخرى لا يعلم ذلك ، فالبحث يقع في مقامين :

أحدهما : أن يعلم مراده تفصيلا ، ويتبع حينئذ حكمه. فإن كان نصفها المملوك له ، فالبيع صحيح فعلي ، ويترتب عليه أثره ، فيجب عليه الوفاء به من إقباضه.

وإن كان نصفها المملوك لشريكه كان البيع فضوليا ، ويتوقف نفوذه على إجازة شريكه.

وإن كان نصفها المشاع بينه وبين شريكه لزم البيع في نصف حصته ، ووقف في نصف حصة شريكه على إجازته.

ثانيهما : أن يعلم إجمالا مراده إمّا بإرادة إحدى الصور المذكورة من دون علمنا بعينها ، وإمّا بإرادة مفهوم اللفظ عرفا من كون نصف الدار هو النصف المشاع بين الحصتين أو النصف المختص به أو بشريكه.

فلو فرض وضوح مفهومه فلا إشكال في البناء عليه وترتيب أثره الشرعي وإن لم يتضح مفهومه واشتبه ، فلا بدّ من تعيين مراده بالظهورات الكاشفة عن المرادات إن لم تكن معارضه ، إذ المفروض كون البائع مريدا لمعنى ، لا ساهيا ولا لاغيا ، فإنّ عبارة الساهي ليست موضوعة لهذا البحث.

ومن هنا ظهر عدم اختصاص هذا النزاع بما إذا علم إجمالا بمراد البائع بالخصوص من كون المبيع حصّته المختصة به أو بشريكه أو النصف المشاع بين الحصتين ، بل يعمّ ذلك ما إذا أراد مفهوم لفظ «نصف الدار» مثلا ، لا خصوص إحدى الصور المزبورة.

٦

وإلّا (١) فإن علم أنّه لم يقصد بقوله : «بعتك نصف الدار» إلّا مفهوم هذا اللفظ (٢) ففيه احتمالان ، حمله (٣) على نصفه المملوك له ،

______________________________________________________

(١) أي : وإن لم يعلم المراد من النصف في قوله : «بعتك نصف الدار» من نصفه المختص به أو المختص بشريكه ، فان علم .. إلخ.

(٢) وهو «نصف الدار» فقط خاليا عن إضافته إلى نصفه المختص به أو إلى النصف المشاع بين الحصتين.

والفرق بين هذه الصور الثلاث ـ بعد اشتراكها في معرفة المراد ـ هو : أن المعرفة في الأوليين تفصيلية ، وفي الثالثة إجمالية ، إذ مراده فيها مفهوم اللفظ من حيث إنّه حاك عن الواقع الذي هو مراده ، لا المفهوم بما هو مفهوم.

وعليه فالمراد بقول المصنف قدس‌سره : «وإلّا» أي : وإن لم يعلم تفصيلا خصوصية النصف من كونه نصيبه أو نصيب غيره. وليس المراد عدم العلم رأسا ، بقرينة قوله : «فإن علم أنّه لم يقصد بقوله : بعتك نصف الدار إلّا مفهوم هذا اللفظ».

كما ظهر أنّ مورد الكلام هو إحراز القصد الجدّي لبيع النصف ، ولكن لم يعلم المراد منه تفصيلا ، فيستكشف بالظهورات. وليس المقصود تعيين النصف حتى مع عدم إرادته الجدية ، إذ لو لم يقصد البيع جدّا كان كإنشاء الهازل في الفساد ، ولا معنى لحجية الظهور الكاشف عمّا ليس بمراد.

(٣) عطف بيان ل «احتمالان» وهذا أحد الاحتمالين ، ومحصله : أنّه يحمل قوله : «بعتك نصف الدار» على النصف المملوك له ، دون النصف المختص بغيره ، ودون النصف

__________________

وبالجملة : يعمّ النزاع ما إذا علم المراد إجمالا ، وما إذا علم أنّ مراده مفهوم اللفظ ، فإنّ مراده في كلتا الصورتين يحرز بالظهور الكاشف عنه لو لم يعارضه ظهور آخر.

لا يقال : إنّ البيع في صورة إجمال مفهوم اللفظ باطل ، ولا مجال للبحث عن صحته ، للجهل بالمبيع.

فإنه يقال : انّ المبيع معلوم وهو النصف ، والمالك مجهول ، ولا ضير فيه ، لعدم اعتبار العلم بالمالك في صحة البيع.

٧

وحمله (١) على النصف المشاع بينه وبين الأجنبيّ.

ومنشأ الاحتمالين (٢) (*) إمّا تعارض ظاهر النصف ـ أعني الحصّة المشاعة في

______________________________________________________

المشاع بين الحصتين.

(١) معطوف على «حمله» وهذا ثاني الاحتمالين ، وملخّصه : حمل «نصف الدار» في قوله : «بعتك نصف الدار» على النصف المشاع بينه وبين شريكه.

(٢) وهما : احتمال حمل «النصف» على النصف المملوك للبائع ، واحتمال حمله على النصف المشاع بينه وبين شريكه.

ولعلّ الوجه في التعبير ب «الاحتمالين» ـ دون القولين ـ عدم الظفر بمن يقول بالاحتمال الثاني أعني به كون المبيع حصة مشاعة بينه وبين شريكه. وإنما ذكر في الكلمات وجها.

قال العلّامة قدس‌سره : «ولو باع مالك النصف النصف انصرف إلى نصيبه. ويحتمل الإشاعة ، فيقف في نصف نصيب الآخر على الإجازة» (١).

__________________

(*) لا يخفى أنّ منشأ الاحتمالين هو وجود الظهور في الإشاعة ، لإطلاق النصف وعدم تقيده بقيد ، ووجود ظهوره في النصف المختص لأجل التصرف وإنشاء البيع.

وليس منشأ الاحتمالين تعارض ظاهر النصف في الإشاعة مع هذين الظاهرين ، بل تعارضهما يوجب سقوطهما عن الاعتبار والرجوع إلى أدلة صحة البيع بالنسبة إلى نصف حصة البائع وهو ربع الدار ، للعلم بصحة البيع فيه ، لعدم مانع عن صحته فيه. وتقديم بعض الظهورات على بعضها الآخر أجنبي عن باب التعارض ومندرج في الجمع العرفي.

ولعلّ مراد المصنف قدس‌سره هو التعارض الصوري الموجود في جميع الجموع العرفية كالعامّ والخاص ، والمطلق والمقيد ، والأظهر والظاهر ، وغيرها. ولو قيل : بحكومة القرينة على ذيها لقدّمت على ذيها وإن كانت أضعف ظهورا من ذي القرينة ، كما قرّر ذلك في بحث الحكومة.

__________________

(١) قواعد الأحكام ، ج ٢ ، ص ٢٠.

٨

مجموع النصفين (١) مع (٢) ظهور انصرافه في مثل (٣)

______________________________________________________

ونقل السيد العاملي هذين الاحتمالين عن نهاية الاحكام والإيضاح وجامع المقاصد أيضا ، ونقل عن فخر الدين والمحقق والشهيد الثانيين قدس‌سره ترجيح الاحتمال الأوّل ، بل الجزم به في بعض المواضع ، بل عن صلح المسالك نسبته إلى الأصحاب ، فراجع (١).

ثم لا يخفى أنّ البائع لنصف الدار تارة يكون أجنبيا عن شريكه في بيع حصته ، واخرى يكون وكيلا عنه أو وليّا عليه. ومورد الاحتمالين المذكورين في المتن هو الصورة الاولى. وأمّا الثانية فسيأتي حكمها في (ص ١٦).

(١) توضيحه : أنّ في قوله : «بعتك نصف الدار» ظهورات ثلاثة ، تقتضي أحدها الحمل على الإشاعة ، والآخران الحمل على النصف المختص. فالظهور الأوّل هو ظهور «النصف» في المشاع بين الحصتين. والظهوران الآخران ظهور المقام والكلام في بيع الحصة المختصة بالبائع ، كما سيظهر إن شاء الله تعالى.

(٢) منشأ ظهور «النصف» في المشاع في كلتا الحصتين هو إطلاقه ، وعدم تقيده ، بمقيّد ، إذ لم يقل : «بعتك نصف الدار ، وهي حصّتي ، أو : وهي حصة شريكي» فلأجل هذا الإطلاق الناظر إلى «النصف» ـ مع الغضّ عن كل قيد معه ـ يحمل على النصف المشاع في حصتي البائع وشريكه. كما أنّ سائر الكسور ظاهرة في الإشاعة أيضا.

وهذا الظهور معارض بأحد ظاهرين آخرين في النصف المختص بالبائع كما سيأتي.

(٣) متعلّق بقوله : «تعارض» وهذا أوّل الظاهرين المعارضين لظهور «النصف» في الحصّة المشاعة بين الشريكين ، ومحصله : الظهور المقامي لكلمة «النصف» في ما يختص بالبائع ، لا المختص بالشريك ، ولا المشاع بينهما. وذلك لاقتضاء مقام التصرف المعاملي كون المتصرّف سلطانا على ما يتصرّف فيه إمّا بالملك وإمّا بالولاية أو الوكالة. وحيث إنّ المفروض انتفاء الولاية والوكالة تعيّن وقوع البيع للمتصرف ، إذ لولاه كان فضوليا لو باع حصة شريكه كلّا أو بعضا ، وهو خلاف ما قامت عليه السيرة من اعتبار سلطنة

__________________

(١) مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٠٧.

٩

.................................................................................................

______________________________________________________

المتصرف في المال.

وعليه فالبيع ـ الذي هو من التصرفات التي لا بدّ أن تقع في الملك ـ يوجب صرف «النصف» إلى حصة البائع ، فإذا قال مالك نصف الدار : «بعت نصفها» فيقال : إنّه أراد نصفها المختصّ به ، دون النصف المشاع بين الحصتين ، بحيث يكون المبيع نصف الحصّتين.

وهذا الظهور الناشئ عن التصرف البيعي المتوقف على ملكية المبيع للبائع يوجب ظهور النصف في النصف المختص بالبائع ، دون النصف المشاع بينه وبين شريكه. ويعارض هذا الظهور ظهور النصف ـ بنفسه ـ في النصف المشاع بين الحصتين.

هذا كلّه في ظهور المقام للانصراف.

وهناك ظهور آخر في اختصاص المبيع بحصة البائع ، وهو ظهور الكلام أي : الإنشاء ، وبيانه : أنّ الإنشاء يتقوّم بالقصد إلى إيجاد المنشأ في وعاء الاعتبار ـ بالقول أو بالفعل ـ كما عليه المشهور من الالتزام بالتسبيب. فقول الموجب : «بعتك نصف هذه الدار» صالح لإرادة بيع الحصة المختصة به ، وبيع حصة شريكه. إلّا أنّ مقتضى عدم إضافة البيع إلى الغير وقوع البيع في حصة البائع ، لعدم توقفه على أزيد من قصد حقيقة البيع ، وهي مبادلة مال بمال. بخلاف وقوعه للغير ، لتوقفه على مئونة زائدة ، وهي إمّا قصد البيع للغير ، وإمّا قصد البيع لنفسه.

وبيانه : أنّ بيع مال الغير تارة يقصد به وقوعه لذلك الغير كما في الوكيل والولي والفضولي المتعارف ، حيث إنّ كلّا منهم يبيع المال بقصد خروجه من ملك المالك ، وحلول الثمن محلّه.

واخرى يقصد به وقوعه لنفسه كما تقدم تصوّره في ثالثة مسائل بيع الفضولي ، حيث إنّ البائع إمّا يعتقد ـ لشبهة ـ كون المال لنفسه ، فيقصد وقوعه لنفسه. وإمّا يبني عدوانا على تملكه للمال كالغاصب ، فيبيع لنفسه.

ولا ريب في انتفاء هذه الأمور في المقام ، إذ مفروض البحث هو العلم بأنّ مقصود البائع تمليك ما يفهم من لفظ «النصف» والجهل بخصوصية المبيع.

كما لا ريب في أنّ وقوع العقد للغير منوط بإضافته إليه في مقام الإنشاء ، بأن يقول :

١٠

المقام (١) ـ من مقامات التصرّف ـ إلى (٢) نصفه المختصّ ، وإن (٣) لم يكن له هذا الظهور في غير المقام ، ولذا (٤) يحمل الإقرار على الإشاعة كما سيجي‌ء (٥).

______________________________________________________

«بعتك نصف الدار وهو حصة الشريك» أو بالقصد ، على ما سبق تفصيله في مسألة اعتبار القصد ، وفي ثالثة مسائل بيع الفضولي.

وحيث إنّ البيع مطلق غير مضاف إلى الغير لفظا فهو عقد العاقد بالإضافة الأوّليّة.

والفرق بين ظهور المقام والكلام هو : أنّ الأوّل يحرز من الخارج أي من اقتضاء مقام المعاملة ، لكون المتصرف مريدا للتصرف النافذ الموضوع للأثر ، إمّا لأصالة الصحة في فعل المتصرف ، وإمّا لغلبة صدور التصرفات من الملّاك ، وإمّا لاعتبار سلطنة المتصرف في المال عرفا. وأنّ الثاني ناش من دلالة هيئة الجملة على كون التمليك لنفسه ، لا للغير.

وعليه فلا وجه لتوهم كون المعارض لظهور النصف في المشاع ظهور واحد ، وهو ظهور الفعل ـ أعني به التصرف ـ في كون المبيع النصف المختص بالبائع. هذا.

والمتحصل : أنّه بعد تعارض ظهور الكلام في بيع النصف المشاع مع ظهوره في بيع الحصة المختصة ، يصير المراد مجملا ، إلّا إذا أمكن رفع الإجمال بترجيح أحد الظهورين ليؤخذ به.

(١) وهو مقام التصرف المتوقف على الملك كالبيع والعتق والوقف.

(٢) متعلق بقوله : «انصرافه».

(٣) وصلية ، أي : وإن لم يكن للنصف هذا الظهور ـ أي ظهور في النصف المختص ـ في غير مقام التصرف المنوط بالملك كالبيع.

(٤) أي : ولعدم ظهور «النصف» في النصف المختص ـ في غير موارد توقف التصرف على الملك ـ يحمل مثل «النصف» في باب الإقرار على الإشاعة. فلو قال مالك نصف الدار : «نصف الدار لزيد مثلا» يحمل على المشاع في حصته وحصّة شريكه ، لما سيأتي.

(٥) بقوله في (ص ٤٠) : «فلا إشكال في أن لفظ النصف المقرّبة إذا وقع في كلام المالك للنصف المشاع يحمل على المشاع في نصيبه ونصيب شريكه» فإنّ الحمل هناك

١١

أو مع (١) ظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه ، لأنّ (٢) بيع مال الغير لا بدّ فيه إمّا من نيّة الغير (٣) ، أو اعتقاد (٤) كون المال لنفسه ، وإمّا من بنائه على تملّكه للمال عدوانا كما في بيع الغاصب (٥). والكلّ خلاف المفروض هنا (٦).

وممّا ذكرنا (٧) يظهر الفرق.

______________________________________________________

على الإشاعة للإطلاق الذي لم تقم قرينة معيّنة على خلافه ، كما قامت هنا على خلافه ، وهو النصف المختص ، لظهور الفعل في تمليك مال نفسه ، وظهور إنشاء البيع لنفسه.

(١) معطوف على «مع ظهور» هذا هو الظاهر الثاني المعارض لظهور «النصف» في النصف المشاع بين الحصّتين. وتقريب هذا الظاهر المعارض هو : أنّ إنشاء البيع ظاهر في كون البيع لنفسه ، فيكون المبيع الحصّة المختصة به. وهذا الظاهر يعارض ظهور «النصف» في الحصة المشاعة بين الحصتين.

(٢) تعليل لظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه. ومحصل التعليل : أنّ صحة بيع مال الغير ـ مع تعينه في الخارج ـ لا تتوقف على تعيين مالكه. وأمّا مع عدم تعينه كالمقام وبيع الكلي الذمّي فلا بدّ من تعيّنه ، لأنّ المبيع الكلي لا يقع للغير إلّا بإضافة المبيع الذمّي إليه ، إذ بدون إضافته إلى الغير يقع البيع لنفسه. ففيما نحن فيه يقع البيع لنفسه.

(٣) هذا أحد الوجوه الثلاثة المشار إليها. وقد عرفت توضيحه.

(٤) هذا ثاني الوجوه الثلاثة المذكورة ، وهو : أن يعتقد كون المبيع ملكا له ، مع خطائه في اعتقاده ، فيبيع مال الغير مع هذا الاعتقاد الخطائي ، فينوي المعاوضة الحقيقية بحسب هذا الاعتقاد.

(٥) حيث إنّ الغاصب لا يبيع لنفسه إلّا بناء على أنّه مالك للمبيع عدوانا ، قضية لتطبيق مفهوم المعاوضة ، والمفروض أنّ هذا البناء أيضا مفقود فيما نحن فيه.

(٦) أي : في بيع نصف الدار ، إذ المفروض إرادة مفهوم لفظ «نصف الدار» مهما كان.

وقد تحصّل إلى هنا : أنّ تعيين مقصود البائع للنصف مشكل ، لإجمال «النصف» من جهة تعارض ظهوره في المشاع ، مع ظهور التصرف والإنشاء في نصيبه المختص به ، ولا ترجيح حسب الفرض لأحد الظهورين على الآخر.

(٧) من كون بيع النصف ذا احتمالين متكافئين. وغرضه من هذا الكلام منع ما أفاده

١٢

بين ما نحن فيه (١) وبين قول البائع : «بعت غانما» مع كون الاسم (٢) مشتركا بين عبده وعبد غيره ، حيث ادّعى فخر الدّين الإجماع على انصرافه (٣) إلى عبده ، فقاس (٤) عليه ما نحن فيه.

______________________________________________________

فخر المحققين ـ وتبعه بعض ـ من رفع إجمال النصف وتعيينه في حصة البائع ، وذلك بقياسه على ما ذكروه في مسألة ما إذا قال السيّد «بعت غانما» وكان المسمّى بغانم عبدين ، أحدهما ملك البائع ، وثانيهما ملك الغير. حيث قالوا بانصراف المبيع إلى مملوك البائع ، لأصالة التصرف المقتضية لوقوع البيع في ملكه.

وكذا يقال في المقام ، فيحمل «النصف» على الحصة المختصة بالبائع.

وناقش المصنف قدس‌سره فيه بمنع المقايسة ، للفرق بين ما نحن فيه وبين مثال بيع «غانم». توضيح وجه الفرق بينهما : أنّ حمل «الغانم» على عبده دون عبد غيره إنّما هو لأجل عدم ظهوره في عبد الغير حتى يعارضه الظهوران المقتضيان لوقوع البيع على عبده. كما كان الأمر كذلك في نصف الدار ، فإنّه كان ظاهرا في الإشاعة بين الحصتين ، للإطلاق وعدم التقييد ، ولذا عارضه هذان الظهوران.

فعليه يكون ظهور بيع «الغانم» وتصرفه فيما يملكه ويختص به سليما عن المعارض ، وهو ظهور «الغانم» في عبد الغير ، فيحكم بأنّ المبيع هو عبد البائع دون غيره.

وبالجملة : فليس في بيع الغانم ظهورات ثلاثة حتى يعارض اثنان منها ـ وهما ظهور التصرف في اختصاص المتصرف فيه بالمتصرف ، وظهور الإنشاء في كون البيع لنفسه ـ ظهور «غانم» في عبد الغير.

(١) وهو بيع نصف الدار.

(٢) وهو «غانم» المفروض اشتراكه بين عبد البائع وعبد غيره.

(٣) أي : انصراف «غانم» إلى عبده ، لا عبد غيره.

(٤) يعني : فقاس فخر الدين قدس‌سره على بيع العبد المسمّى ب «غانم» بيع نصف الدار ، وقال : إنّ وزان بيع نصف الدار وزان بيع الغانم. فكما أنّ بيع هذا العبد لا ينصرف إلى عبد آخر ، مع اشتراكهما في الاسم وهو «غانم» ، فكذلك بيع نصف الدار ، فإنّه لا ينصرف إلّا إلى بيع ما يملكه من نصف الدار ، ولا ينصرف إلى المشاع بين الحصتين (١).

__________________

(١) إيضاح الفوائد ، ج ١ ، ص ٤٢١ ، مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٠٧.

١٣

إذ (١) ليس للفظ المبيع (٢) هنا ظهور في عبد الغير (*) فيبقى [فبقي] ظهور البيع في وقوعه لنفس البائع ، وانصراف (٣) لفظ المبيع في مقام التصرّف إلى مال المتصرف سليمين عن المعارض (٤) ، فيفسّر بهما (٥).

______________________________________________________

(١) تعليل لقوله : «يظهر الفرق» فغرضه بيان الفرق بين ما نحن فيه من بيع نصف الدار وبين بيع العبد المسمّى بالغانم.

توضيحه : أنّ اشتراك «الغانم» لفظيا بين عبد البائع وعبد غيره أوجب الإجمال وعدم ظهوره في عبد غير البائع ، حتى يعارضه ظهور التصرف في ملكية المتصرف فيه للمتصرف ، وظهور الإنشاء في إنشاء البيع لنفسه. فيبقى هذان الظهوران سليمين عن المعارض ، وهو ظهور «غانم» في عبد غير البائع ، ويحكم بدوا بكون المبيع عبد نفس البائع ، لا عبد غيره. وهذا بخلاف بيع نصف الدار ، لما مرّ من الظهورات الثلاثة ، وفيه تعارض اثنين منها لأوّلها.

(٢) المراد بلفظ المبيع هنا لفظ «غانم» في قوله : «بعت غانما».

(٣) معطوف على «ظهور» والمراد بلفظ المبيع في مقام التصرف لفظ «غانم».

(٤) وهو ظهور «الغانم» في عبد الغير حتى يعارض ذينك الظهورين.

(٥) يعني : فيفسّر بدوا لفظ المبيع وهو «غانم» بظهور «بيع غانم» في وقوعه لنفس مالكه ، وبظهور التصرف في ملكية المال المتصرف فيه للمتصرف بلا معارض.

__________________

(*) الظاهر أنّ القياس في محله ، إذ ليس للفظ «النصف» أيضا ظهور في الإشاعة ، بل هو مجمل كالغانم ، لعدم ظهور وضعي ولا انصرافي له في الإشاعة ، بل النصف ولفظ «غانم» سيّان في الإجمال ، فليس للنصف ظهورات ثلاثة وللغانم ظهوران ، بل للنصف أيضا ظهوران.

ولو سلّم أنّ للنصف ظهورات ثلاثة لم يقدح في القياس أيضا ، لعدم فرق جوهري بينهما ، ضرورة أنّه لا فرق في كون المرفوع بالظهورين الكاشفين عن ملكية المبيع للبائع

١٤

.................................................................................................

__________________

ـ وكون البيع له ـ بين إجمال نصف الدار في نفسه ، وبين ظهوره في الإشاعة.

فالمتحصل : أنّ قياس فخر المحققين قدس‌سره في محله.

ثم إنّ هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها.

الأوّل : ما أشار إليه المصنف قدس‌سره بقوله : «ثم انّه لو كان البائع وكيلا ..» إلخ والحقّ فيه كما يظهر من البيانات السابقة واللاحقة في توضيح المتن : أنّ مقتضى أصالة البيع وعدم قصد البيع عن الغير هو كون البيع لنفسه ، وواقعا على النصف المختص به ، فلاحظ.

الثاني : أنّ الفضول إذا باع نصف الدار يحمل على المشاع في الحصتين ، للإطلاق ، وعدم القرينة على التعيين. والحمل على تمام إحدى الحصتين بالخصوص ترجيح بلا مرجح ، فنفوذ العقد منوط بإجازة الشريكين معا.

ويحتمل كفاية إجازة أحدهما تمام حصّته مع احتمال إرادة بيع كلّي النصف المنطبق على حصة كل من الشريكين.

الثالث : إذا وقع «النصف» في كلام أحد المالكين في مقام الإقرار ، وقال : «نصف هذه الدار لزيد» ولم تقم قرينة على مراده ، حمل على المشاع بين الحصتين ، إذ ليس الإقرار كالبيع قرينة على كون المبيع تمام حصة المقرّ ، لعدم كون الإقرار كالبيع تصرفا في المقرّ به حتى تكون أصالته قرينة على إرادة حصة المقرّ فقط ، فإنّ البيع والصلح تصرف في المال لإزالة إضافة الملكية ، دون الإقرار ، حيث إنّه إخبار عن خروج المقرّ به من أوّل الأمر عن ملكهما ، واختصاص شركتهما في ما عدا المقرّ به.

وعن كاشف الغطاء قدس‌سره : قرينية قوله : «أنا مقرّ بأنّ نصف الدار لزيد» على إرادة النصف المختص بالمقرّ ، بخلاف ما لو قال : «نصف هذه الدار لزيد» فإنّه يحمل على المشاع بين الحصتين.

لكنه مشكل ، لعدم ظهور لفظ الإقرار في ذلك. بل يحمل في كلتا الصورتين على الإقرار في نصف حصته ، والشهادة في نصف حصّة شريكه ونفوذها منوط باجتماع شرائط الشهادة.

الرابع : أنّ الظاهر جريان بحث بيع نصف الدار في النصف المقسوم ، كجريانه في

١٥

ثم إنّه لو كان البائع (١) وكيلا في بيع النصف أو وليّا عن مالكه ، فهل هو

______________________________________________________

(١) هذا شروع في حكم الصورة الثانية التي أشرنا إليها (في ص ٩) من أنّ البائع لنصف الدار قد يكون وكيلا عن مالك النصف الآخر ، أو وليا عليه ، في قبال ما تقدم في الصورة الأولى من كون البائع أجنبيا عن المالك.

وتوضيح ما أفاده هنا : أنّه إذا باع مالك نصف الدار نصفها ، وقال : «بعت نصف الدار» مع كونه وليا أو وكيلا عن مالك النصف الآخر في بيع حصته ، ففي كون المبيع تمام حصّة البائع ، وهي النصف المختص به ، ليكون البيع صحيحا لازما في تمام النصف ، أو كونه النصف المشاع بين الحصتين ، ليكون البيع لازما في نصف حصة البائع ، وهو ربع الدار ، ولازما أيضا في الربع الآخر بدون إجازة مالك النصف الآخر؟ وجهان مذكوران في بيع مالك النصف إذا كان أجنبيا عن النصف الآخر ، وهما : ظهور التصرف في كونه في ملكه ، وظهور أصالة البيع في كون البيع لنفسه.

فارتفاع ظهور النصف في الإشاعة إن كان بظهور التصرف في ملكية المال المتصرف فيه ، فالاحتمال واحد ، وهو نفوذ البيع في النصف المشاع ، إذ المفروض استيلاؤه على بيع تمام الدار ، نصفها بالملكية ، والنصف الآخر بالولاية أو الوكالة. فلا يلزم لغوية بيع النصف المشاع بين الحصتين حتى نحتاج في تصحيح بيعه ونفي لغويته إلى التشبث بظهور التصرف في ملكية المتصرف فيه للبائع ، لعدم توقف نفوذ بيع المشاع بين الحصتين على ملكية الكاشف عنها ظهور التصرف فيها.

وإن كان ظهور النصف في الإشاعة بظهور البيع في كونه لنفس البائع ، فهذا الظهور يعارضه ظهور «النصف» في الإشاعة.

ولمّا كان كلا الظهورين بالإطلاق ، ولم يترجح أحدهما على الآخر ، صار كل من

__________________

النصف المشاع. فكما حمل بيع النصف المشاع على النصف المختص بالبائع ، فكذلك في المقسوم ، بل فيه أظهر من حمل المشاع على المختص ، لوجود قرينتين على الحمل على المختص في المقسوم ، إحداهما : ظهور التصرف في الحمل على الاختصاص.

ثانيتهما : نفس الإفراز ، فإنّه بمنزلة أن يقول : بعت نصفي من هذه الدار.

١٦

كالأجنبيّ (١)؟ وجهان (٢) ، مبنيّان على أنّ المعارض لظهور النصف في المشاع هو انصراف (٣) لفظ المبيع إلى مال البائع في مقام التصرّف ، أو ظهور (٤) التمليك في الأصالة.

الأقوى هو الأوّل (٥) ،

______________________________________________________

النصف المختص بالبائع والنصف المشاع بين الحصتين محتملا. فالاحتمال بناء على ارتفاع ظهور النصف في الإشاعة بين الحصتين ـ بأصالة البيع ـ ثنائيّ ، كثنائية الاحتمال في صورة أجنبية البائع عن النصف الآخر.

(١) في وجود احتمالين فيه ، أحدهما : احتمال حمل «النصف» على المشاع بين الحصتين ، لظهور النصف في الإشاعة.

وثانيهما : حمله على النصف المختص بالبائع ، لأصالة البيع.

(٢) مبتدء مؤخّر ، أي : في هذا الفرض وجهان ، أحدهما : وحدة حكم الصورتين ، وثانيهما : اختلاف حكمهما ، فيقال بالإجمال في البائع الأجنبي ، وفي الوكيل والولي بالظهور على تقدير ، وبالإجمال على تقدير آخر.

(٣) خبر قوله : «أنّ المعارض» يعني : انصراف إطلاق البيع مقاميّا إلى النصف المختص بالبائع.

(٤) معطوف على «انصراف» وهذا هو المعارض الثاني لظهور النصف في الإشاعة ، ومحصله : ظهور التمليك المضاف إلى البائع في قوله : «بعتك نصف الدار» في الأصالة ، وكون البيع لنفسه لا لغيره ، ومقتضاه كون المبيع النصف المملوك له ، دون المشاع بين الحصتين. ومع كون المبيع خصوص حصته لا ضير في إرادة الإشاعة منه ، لأنّ معنى الإشاعة إجمالا ـ إلى أن يجي‌ء تفصيلها ان شاء الله تعالى في بيع الصاع من الصبرة ـ هو أنّ مفهوم «نصف الدار» التي هي عين خارجية هو كلّ نصف فرض في هذه الدار ـ من النصف الشمالي والجنوبي والشرقي والغربي ـ ينطبق على حصة البائع ، لأنّ مالك الكلي مالك لمصداقه ، كمالكيته للكلي الذّمي. فبيع منّ من الحنطة ـ من دون إضافته إلى ذمة ـ يقع في ذمته ، ولا حاجة في إضافته إلى ذمته إلى قصد كونه في ذمته.

(٥) وهو كون المعارض لظهور «النصف» في الإشاعة هو ظهور انصراف المبيع

١٧

لأنّ (١) ظهور التمليك في الأصالة من باب الإطلاق ، وظهور النصف في المشاع وإن كان كذلك (٢) أيضا ، إلّا أنّ ظهور المقيّد (٣) وارد (*) على ظهور المطلق.

______________________________________________________

ـ أعني به نصف الدار ـ إلى ما يملكه البائع ، لظهور التصرف في ذلك ، والمتعين الأخذ بظهور «النصف» في الإشاعة تحكيما لظهور القيد على ظهور المطلق.

(١) هذا تعليل الأخذ بظهور النصف في الإشاعة ، ومحصله : أنّ ظهور النصف في الإشاعة ظهور القيد وهو النصف ، حيث إنّه مفعول «بعت» والمفعول من قيود الفعل. وظهور القيد وإن كان هو بالإطلاق كظهور التمليك في الأصالة ، لكنّه مقدّم على إطلاق المطلق ، وهو البيع ، لأنّه من تقديم ظهور القيد ـ وهو النصف ـ على ظهور المطلق أعني به البيع والتمليك.

(٢) أي : من باب الإطلاق أيضا.

(٣) وهو «النصف» الذي هو قيد للبيع في قوله : «بعت نصف الدار» ووجه وروده على المطلق وهو «بعت» : أنّ النصف لكونه مفعولا به ل «بعت» يكون قيدا له ، وظهور

__________________

(*) وربّما يوجّه هذا الورود بما في حاشية المحقق الخراساني قدس‌سره وغيرها من أنّ ظهور المتعلق مقدم على ظهور الفعل.

ولعلّه ـ كما في حاشية المحقق الأصفهاني قدس‌سره : «لأنّ استقرار الظهور منوط بتمامية الكلام ، فالمتعلق كالقرينة الصارفة للظهور الذاتي للفعل ، وإلّا لم يتوقف فعلية الظهور على تماميته» (١).

ولذا أورد على المصنف بمخالفته لما أفاده في باب عدم حجية الاستصحاب في المقتضي من تنظير مدلول «لا تنقض اليقين بالشك» ب «ما ضربت أحدا» لإطلاق الفعل ومتعلقة ، حيث إنّ الفعل شامل للمولم وغيره ، كما أنّ «أحدا» يشمل الحيّ والميّت ، إلّا أنّ ظهور الضرب في المولم محكّم على ظهور «أحدا» فيختص بالأحياء.

وهذا المبنى يقتضي أن يقال به في مثل «بعت نصف الدار» من تقديم أصالة البيع في «بعت» على ظهور «النصف» في المشاع ، مع أنّه حكّم في المتن ظهور «النصف» على ظهور

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ٢٠٥.

١٨

وما ذكره الشهيد الثاني (١) ـ من عدم قصد الفضولي إلى مدلول اللفظ (١) ـ

______________________________________________________

القيد مقدّم على ظهور المطلق كما أشير إليه آنفا.

(١) هذا إشارة إلى دفع دخل مقدّر ، وحاصله : منع ما أفاده من تقديم ظهور «النصف» في المشاع ، تحكيما لظهور المقيّد على ظهور المطلق. ومبنى هذا الدخل كلام الشهيد الثاني قدس‌سره في بيع الفضولي من أنّ «الفضول قاصد للفظ دون مدلوله».

وعليه نقول في توضيح الاشكال : إنّ مجرّد ظهور القيد ـ وهو النصف ـ في المشاع ، وتقدمه على ظهور الفعل المطلق ـ وهو البيع ـ لا يقتضي الحمل على الإشاعة ، وكون المبيع نصف الحصتين. بل لا بدّ في الحمل المزبور من عدم مانع آخر. لكن المفروض وجوده ، وهو ظهور حال المتكلم في إرادة مدلول ما يتلفّظ به ، وهو بيع النصف المختص به. وذلك قرينة مقامية مانعة عن إرادة بيع المشاع بين الحصتين ، إذ لازم ظهور حال المتكلم عدم إرادة بيع نصف حصة الشريك ، بناء على مبنى الشهيد الثاني قدس‌سره ، لفرض انتفاء قصد المدلول في الفضولي. فيتحقق هنا ظهوران متنافيان.

أحدهما : ظهور حال المنشئ في إرادة بيع النصف جدّا ، وثانيهما ظهور «النصف» في المشاع بينهما.

وحيث إنّ الثاني معلّق على الفضولية ، وهي متوقفة على عدم قصد المدلول ـ كما قرّره الشهيد ـ وكان ظهور الحال في قصد المدلول منجّزا غير منوط بشي‌ء ، تعيّن حمل «النصف» على الحصة المختصة بالبائع. وبهذا يوهن ما أفاده المصنف بقوله : «الأقوى هو الأوّل».

__________________

الإنشاء لنفسه (٢).

لكن يمكن أن يقال : بأنّ صريح المتن ورود ظهور المقيّد على ظهور المطلق ، وليس من باب تقديم ظهور المتعلق على الفعل لينافي كلامه في الاستصحاب.

مضافا الى : أنّ الظاهر إرادة مادة «النقض» من كلمة «الفعل» في باب الاستصحاب ، وليس المراد هيئة «لا تنقض» حتى يورد عليه بالتنافي بين كلاميه هنا وهناك.

__________________

(١) مسالك الأفهام ، ج ٣ ، ص ١٥٦.

(٢) حاشية المكاسب ، للمحقق الخراساني ، ص ٨٧.

١٩

وإن كان مرجعه (١) إلى ظهور وارد (٢) على ظهور المقيّد ، إلّا (٣) أنّه مختصّ بالفضولي ، لأنّ القصد الحقيقي موجود في الوكيل والوليّ (٤) (*)

______________________________________________________

(١) أي : مرجع ما ذكره الشهيد الثاني قدس‌سره إلى ظهور وارد .. إلخ.

(٢) وجه وروده على ظهور المقيّد ـ وهو النصف ـ في المشاع هو : أنّ مقتضى ظهور حال المتكلم عدم إرادة مدلول ما يتكلّم به ، ومع عدم إرادته لا يبقى مجال لظهور المقيّد ـ وهو النصف ـ في النصف المشاع ، ولا لظهور المطلق ـ وهو البيع ـ في الأصالة ليكون ظهور النصف في المشاع واردا على ظهور البيع في الأصالة ، ويجعل المبيع النصف المشاع بين الحصتين ، بل لا بدّ من كون المبيع النصف المختص بالبائع.

هذا ما يظهر من بعض أجلة المحشين. لكن لا يبعد أن يكون مراد المصنف قدس‌سره من قوله : «وإن كان مرجعه إلى ظهور وارد ..» هو إسقاط ظهور خصوص القيد ـ وهو النصف ـ في المشاع ، وإبقاء ظهور المطلق ـ وهو بعت ـ بحاله ، لأنّ الظاهر الوارد ـ أعني به أصالة القصد في المتصرف ـ يعيّن المراد من النصف ، ويمنعه من ظهوره في المشاع بين الحصتين.

(٣) خبر قوله : «وما ذكره» وهذا دفع الاشكال ، وحاصله : أنّ اعتراض الشهيد قدس‌سره يختص مورده بالفرض الأوّل ، وهو ما إذا كان بائع النصف أجنبيا عن النصف الآخر ، ولم يكن وكيلا عن مالكه في بيعه ، ولا وليّا عليه فيه ، دون هذا الفرض ، وهو كون البائع وليّا على مالك النصف الآخر أو وكيلا عنه ، لأنّ قصد المدلول موجود في البائع.

(٤) ظاهر العبارة ـ بل صريحها ـ انتفاء القصد الجدّي في الفضولي والمكره على ما ورد في كلام الشهيد الثاني قدس‌سره ، يعني : أنّ المراد الاستعمالي ليس مرادا جدّيا لهما. هذا كله في دفع الاشكال المتوهّم من عبارة الشهيد.

__________________

(*) كان المناسب التعرض لهذا الاشكال ودفعه في فرض كون بائع النصف أجنبيا عن مالك النصف الآخر ، إذ يتّجه حينئذ البحث عن استقرار ظهور النصف في المشاع كما ذكره المصنف ، وعدمه بناء على ما يظهر من الشهيد. ثم الجواب عنه بما تقدم مفصّلا في بحث المكره والفضولي. وأما في فرض وكالة البائع أو ولايته فيتمشّى القصد الجدّي من

٢٠