الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ١٥

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ١٥

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٥٦

١
٢

٣
٤

(١٢) سُورَة يُوسُف مَكِيَّة

وآيَاتها إحدَى عَشَرة وَمائِةَ

٥
٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ

٧

مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(٦)

تنزل هذه السورة كلها في مكة المكرمة ، في فترة محرجة موحشة من هذه الرسالة القدسية ، يعانيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجاهلية الجهلاء القرشية ، تهريجا لجو مكة ضده ، وتحريجا لصاحب الدعوة ، ضربا وشتما وحصرا في شعب أبي طالب وفي النهاية تهجيرا الى المدينة ، فقد أحرجوه طيلة العهد المكي حتى أخرجوه ، فتقص له فيها أحسن القصص توطينا وتوطيدا لخاطره الشريف ، حين يسمع قصة أخ له من قبل يعاني صنوف المحن من إخوة له في النسب ، وهذا النبي يعاني المحن من قومه ، وعلى الجملة فإن هذه السورة ترسم له من قصصها صورة عسيرة من دعوة سابقة بين حاسدين يتربصون بها كل دوائر السوء ، وهي في ختامها يسيرة حيث يرجع صاحب القصة أميرا كبيرا بيده أزمة امور الملك بعد ما عاش ردحا بعيدا من زمنه عبدا صغيرا يشرى بثمن بخس دراهم معدودة ، ثم يزجّ في السجن في تهمة وقحة!

وكذلك أنت يا صاحب الرسالة القدسية ـ وبأحرى ـ فإن مع العسر يسرا ، سوف ترأس في مهاجرك دولة الإسلام ، ويصبح ختامك خير ختام بحول الله الملك العلام.

(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(٢).

٨

(الْكِتابِ الْمُبِينِ) هو القرآن المفصل ، وهو المجمل المنزل ليلة القدر ، وهو أم الكتاب لدى الله علي حكيم (١).

فان كان هو القرآن المفصل ، ف «تلك» المفصلات كهذه السورة وسواها آياته ، وإن كان هو المجمل فكذلك الأمر ، ولكنها تفصيل آياته ، أم إن «تلك» إشارة إلى «الر» أنها آيات الكتاب المبين النازل على الرسول في ليلة القدر ، قرآنا على شخص الرسول كبرقية رمزية ، لا عربيا في لغته حيث الحروف المقطعة لا تخص لغة دون أخرى ، ولا عربيا في تعقّله حيث لا يعقلها غير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ولكنها منها وليست كلّها ، إلّا ان ضمنيتها في هذه الثلاث تحل مشكلة التبعيض ، وقد تكون هذه الأحرف حاملة غير الذي أنزل عليه ليلة القدر ، ام تعمهما ، ومهما يكن من شيء فإنها مفاتيح كنوز القرآن الخاصة بصاحب الوحي ، وهي الكنوز التي لا تفتح بآياته المفصلات ، مهما كانت مفاتيح لكنوز أخرى للمرسل إليهم.

ف (إِنَّا جَعَلْناهُ) : الكتاب المبين للرسول ، المجمل عن غير الرسول (قُرْآناً عَرَبِيًّا) لغة عربية ولسانا عربيا : واضحا لا خفاء فيه في أي حقل من الحقول ولكل العقول.

ف (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لا تعني ـ فقط ـ العرب ، فإنه (هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ) بل تعني كافة العقلاء.

فالقرآن المبين ، المنزل على قلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الحروف الرمزية أم سواها من رموز ، ليس عربيا يعقله غير الرسول ، وقد جعله الله بتنزيله للعالمين (قُرْآناً عَرَبِيًّا) واضحا مكشوفا لا تعقيد فيه (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

__________________

(١) راجع تفسير الكتاب المبين الى سورة الزخرف تجد تفصيله الثلاث.

٩

فهو عربي اللفظ والمعنى ، عربي الدلالة والمدلول ، عربي في التفهم والتطبيق ، لا تعقيد فيه دعوة وداعية ، وقد يروى عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن العربي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أحب العرب لثلاث ، لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي (١) وليس هذا من حب الذات ، وانما حب النبوة السامية ، وحب القرآن وحب الجنة ، فالقرآن ونبيّه عربيان واضحان دون خفاء ، والجنة عربية واضحة لأهلها!

«لعلكم» ايها العقلاء «تعقلون» فالعاقل قد يعقل إذا تعقّل وشاء الهدى ، وقد لا يعقل إذا لم يتعقل أو شاء الردى ، ف «لعل» الترجي هنا وفي سائر القرآن ، لا تعني شكا في ترجّ لساحة الربوبية ، وإنما هما فيمن خوطب بالقرآن ، فالهدى محتومة في دعوة القرآن لأنه غير ذي عوج ، وهي غير محتومة في المدعوين بالقرآن بما فيهم من عوج.

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)(٣).

القصّ هو تتبع الأثر : (فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً) (١٨ : ٦٤) (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) (٢٨ : ١١) وهو الأخبار المتتبعة :

__________________

(١) الدر المنثور ٤ : ٣ ـ اخرج الطبراني وابو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس ، قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ... واخرج الحاكم عن جابر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا قرآنا عربيا ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما وفي تفسير الالوسي ١٢ : ١٧٢ عن الشيرازي في كتاب الألقاب بسند عن محمد بن علي بن الحسين عن آبائه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن اربع عشرة سنة.

١٠

فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٧ : ١٧٦) وليس جمعا ، بل هو جنس الخبر المتتبع والأثر : (إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (٣ : ٦٢) وإنما لم يأت باسم الخبر او الأثر حيث القصص هو الخبر والأثر المقصوص المخصوص ، فليس القرآن كتاب حكاية ، ولا كل خبر وأثر ، بل فيه المقصوص من أثر أو خبر (عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) (١١١) (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٧ : ١٧٦).

وقصة يوسف بين القصص هي أحسن القصص (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) وهو أحسن حديث في قصص وغير قصص : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ..) (٣٩ : ٢٣) ف (إن احسن القصص وأبلغ الموعظة وأنفع التذكر كتاب الله عز ذكره) (١).

ومهما كان القرآن أحسن حديث ، وقصصه أحسن القصص ، ولكن قصة يوسف قد احتلت القمة المرموقة بين القصص ، حيث فيها (عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) محلّقة على كل الأبواب معرفية وخلقية ، فردية وجماعية ، اقتصادية وسياسية وثقافية ومن سلطة شرعية او زمنية أمّا هيه من حقول الدعوة والداعية ، والدوائر المتربصة بالدعاة إلى الله.

و (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) يعمم الأحسن في وحي القرآن كله ومنه القصص ، و (هذَا الْقُرْآنَ) يميزه عن سائر قرآن الوحي المقر وعلى سائر رجالات الوحي ، فما ذا بعد القرآن ـ إذا ـ وهو أحسن الحديث

__________________

(١) روضة الكافي خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) وفي الدر المنثور ٤ : ٣ واخرج ابن جرير عن عون بن عبد الله قال : مل اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حدثنا فأنزل الله (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ.). ثم ملوا مرة أخرى فقالوا يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فانزل الله (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) هذه السورة فأرادوا الحديث وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص.

١١

واحسن القصص وكما يروى عن نبي القرآن تنديدا بمن نسخ كتابا غير القرآن

«يا ايها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد آتيتكم به بيضاء نقية فلا تهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون ..» (١).

وقد ذكرت قصص يوسف في العهد العتيق ولكنه سيئ في جهات وحسن في أخرى ، وهي في القرآن أحسن القصص في بعدية ، نسبة إلى التورات ، وأخرى إلى سائر قصص القرآن من حيث كونها عبرة لأولى الألباب.

(نَحْنُ نَقُصُ ... وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) فإنه قبل وحي القرآن ما كان ليعلمه ، أبوحي يعلمه؟ ولم يكن يوحى إليه! أم بغير وحي؟

ولم يكن يعلمه أصحاب الوحي من قبل فضلا عن غير وحي! قصص يوسف هنا في هذا القرآن تمثّل النموذج الأكمل لمنهج القرآن في الأداء الفني للقصص ، قدر ما يمثل نفسيا وعقيديا وتربويا وحركيا ، ويوسف هو الشخصية المثالية الرئيسية في القصة ، في عرض واسع ، ذكرا

__________________

(١) في الدر المنثور ٤ : ٣ واخرج ابو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم ونصر المقدسي في الحجة والضياء في المختارة عن خالد بن عرفطة قال كنت جالسا عند عمر ـ وذكر انه ضرب رجلا من عبد قيس لأنه نسخ كتاب دانيال وامره بمحوه ثم قال له اجلس فجلس بين يديه فقال : انطلقت انا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما هذا في يدك يا عمر : فقلت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاب نسخته لنزداد به علما الى علم فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار اغضب نبيكم السلاح فجاؤا حتى احدقوا بمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (صلى الله عليه وآله وسلم). ايها الناس اني قد أوتيت .. قال عمر فقمت فقلت رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا ثمّ نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

١٢

لما فيه عبرة لأولي الألباب وحذفا لما لا يعني إلّا تطويل الأبواب.

تذكر خوضه في مختلف الابتلاءات والبليات ، وخروجه عنها كلها نقيا متجردا متبلورا خالصا عن كل رين وشين.

ومع استيفاء القصة لكل ملامح الواقعية في ذلك العرض العريض ، حيث أصبحت السورة كلها صورة رائعة عن هذه الشخصية اللامعة ، وعرضا لثورة أخلاقية وعقيدية في معرض الاصطدامات الشديدة ، فإنها تمثّل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني الصادق الفائق لواقع القصة.

تظل القصة في ظلال ذلك الأداء الأمين الرصين نظيفة عن كل خالجة خارجة عن طور الواقع ، لتجعل أولى الألباب معتبرين بالأمر الواقع ، بعيدة عن التخيلات اللّاصقة ، والتطفلات اللّاحقة ، والترنمات الماحقة لأصالة القصة.

فالسورة بكاملها ثورة أخلاقية عقيدية جماعية سياسية اقتصادية أمّاهيه ، بمن يحتّفون بشخصيتها المحورية ـ يوسف الصديق عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بين يعقوب الوالد الملهوف ، وبين الإخوة في كل حقد ومؤامرة ومناورة ، إلى أن شروه بثمن بخس دراهم معدودة ، وبين عزيز مصر وامرأته بكل غرائزها واندفاعاتها الأنثوية الرديئة ، وبين النسوة من طبقة عليّة في مصر الفراعنة ، وبين أصحابه في السجن ، وإلى أن أصبح هو عزيزا يرأس بلاد الفراعنة في كل صدق وصفاء وهيمنة الرسالة!

(إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ)(٤).

«يوسف» هو ابن يعقوب إسرائيل ، وعلى حد تعريف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن

١٣

الكريم ، يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن ابراهيم» (١).

و (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) أتراها معيّنة لديه معنيّة حين رآها كاتصال الإخوة بالأخوّة ، وكما الشمس والقمر المعروفان؟ علّها هيه كما في رواية (٢). أم ليست هيه إذ لا تلمح لها الآية ، اللهم إلا نسبة بينها وبينه تلوّح للأخوّة.

وهل السجدة هذه كانت ليوسف (عليه السلام)؟ ولا يسجد إلا لله! إنما «سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه وكان ذلك السجود لله تعالى» (٣) وسجود الكواكب والنيرين هنا علّه سقوطهما على قدميه ليعني غاية الخضوع ، وإلا فهي خاضعة لله منذ تكوينها وفي حركاتها.

__________________

(١) الدر المنثور ٤ : ٤ ـ اخرج احمد والبخاري عن ابن عمر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ..

(٢) المصدر ٤ : ٤ ـ أخرجها بطرق عدة مصححة عن جابر قال جاء بستاني اليهودي الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا محمد اخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف (عليه السلام) ساجدة له ما اسماءها فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يجبه بشيء فنزل جبريل (عليه السلام) فأخبره بأسمائها فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) الى البستاني اليهودي فقال : هل أنت مؤمن ان أخبرتك بأسمائها؟ قال : نعم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : حرثان والطارق والذيال وذو الكفتان وقابس ودثان وهودان والفيلق والمصبح والضروح والفريخ والضياء والنور رآها في أفق السماء ساجدة له فلما قص يوسف على يعقوب قال : هذا امر مشتت يجمعه الله من بعد فقال اليهودي اي والله انها لأسمائها.

(٣) نور الثقلين ٢ : ٤١٠ في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : تأويل هذه الرؤيا انه سيملك مصر ويدخل عليه أبواه واخوته ، اما الشمس فأم يوسف راحيل ، والقمر يعقوب ، وأما الأحد عشر كوكبا فإخوته فلما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله.

١٤

ولماذا «رأيت» مرتين وهي رؤيا واحدة؟ كأن الاولى هي الرؤيا والثانية هي الرؤية فيها فالأبلغ الأفصح تكرارها.

وترى لماذا بالنسبة للكوكب والشمس والقمر «هم .. ساجدين» وهي لا تعقل؟ علّه حيث نسب إليها فعل من يعقل «ساجدين» ناسبها ضمير العاقل ، وكما في أضرابها : «وكل في فلك يسجون» (يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ).

فقد حسن استعمال ضمير العاقل فيها لمكان فعل العاقل ، وهنا مزيد تحويلا لتأويل الرؤيا وهو أبوا يوسف واخوته ، فجرى الوصف على تاويل الرؤيا ومصير العقبى ، فزاد حسنا على حسن.

ثم الرؤيا هي الرؤية في المنام ، وهي تعمها وكل ما يرى في غير حالة اليقظة الكاملة من إغماء ، أم حالة بين النوم واليقظة ، كما المنام يعم النوم باختيار ودون اختيار ، وفي اختياره يعم اختيار مقدمات له ، أم اختيار النوم بتجريد النفس وتخليّها عن البدن بحواسه الظاهرة ، والرؤيا تحصل في كل هذه الخمس مهما كان أكملها النوم التام باختيار أم دون اختيار ، في نوم حيونة الحواس أم إنامتها باختيار.

والمناسب منها لساحة يوسف الصديق هو ما دون الإغماء ، والأنسب بين الأخرى هو الإنامة باختيار ، ولا برهان لها فيما هنا ، فان رؤيّ الأنبياء شعبات من الوحي ، كما في سائر الرؤيا الصادقة ، فإن فيها لمحات الوحي ، حيث ترى سيرة الواقع في ظلال الصورة المناسبة لها ، الوطيدة الصلة بها.

فقد يرى الواقع الغيب بسيرتها وصورتها الحقيقية ، وهذه تخص رجالات الوحي ومن يحظو حظوهم ، إذ يحذو حذوهم ، ام ترى بصورتها

١٥

المثالية ، فهي بحاجة إلى تاويل ، وهذه تعمهم وسواهم ممن يرى الرؤيا الصادقة ، ورؤيا يوسف هذه من الثانية ، كرؤيا صاحبيه في السجن : (قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ..) (٣٦) وكرؤيا الملك : (وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ..) (٤٣).

وقد تكون منها رؤيا ما أوحي إلى أم موسى : (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) (٢٠ : ٣٩) فإنه وحي الإلهام وعلّه في الرؤيا كما يروى ، أم في اليقظة كما تحصل للصالحين. ومن رؤيا النبوة العليا للرعيل الأعلى : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ) (٤٨ : ٢٧) و (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) (٨ : ٢٣) «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّا فتنة للناس» (١٧ : ٦٠) وفي ابراهيم «إني أرى في المنام أني أذبحك ..» (٣٧ : ١٠٢).

والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى في هذه وتلك صورة الواقع نسخة طبق الأصل ، دون المثال الذي يحتاج الى تاويل.

فالنفس تتجرد حالة المنام عن حيونة التعلق ببدنها ، فقد تشفّ أكثر مما كانت قبل المنام ، فترجع إلى عالمها المسانخ لها ، فترى بعض ما فيه من الحقائق قدر استعدادها وفاعليتها وقابليتها ، وقد لا تكشف لبقية التعلّق والاتصال بما تحويها من حواجز خارجية او داخلية ليست لتتخلى عنها ، فلا تتحلى إذا بالكشف عن الحقائق.

فالنفس الكاملة تدرك الحقائق مجردة عن الصور الطارئة ، وغيرها قد

١٦

تدركها بطارئة الصور التي تأنسها ، وهذه الصور قد تكون قريبة الصلة والحكاية عن حقائقها ، وهي للأصفياء ، أمّن يصفو لفترة مصلحية وإن لم يكن من الأصفياء.

وقد تكون متوسطة الصلة أو بعيدتها عن حقائقها ، فيصعب تأويلها ، حين تختلط وتتخربط الصور المماثلة والمضادة للحقائق ، فتضل عنها ولا مؤوّل لها مهما كان لها تأويل ، اللهم إلّا من علّم تأويل الأحاديث (وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ).

فمن الرؤيا ما هي صادقة حيث ترى فيها الحقائق بصورها الواقعية ، او القريبة ، ومنها الكاذبة حيث لا ترى فيها الحقائق إلا بصور غريبة بعيدة يصعب تأويلها إليها وهي أضغاث أحلام ، ذلك لاختلاف حالات النفس في منامها ، ومنها ما هي كاذبة لا تأويل لها إطلاقا ، إلّا حكاية عن طوارئ النفس خارجية وداخلية.

فالرؤيّ المتجردة عن اسباب خارجية طبيعية في اليقظة والمنام ، وعن اسباب مزاجية او خلقية ، هي الصادقة ، سواء في الصور المجردة ، أم التي لها صلة بالواقع قريبة أم غريبة ، والأخيرتان بحاجة إلى تأويل.

ولكنما الرؤيا المرتبطة بأسباب سوى الواقع ، هي المرتبكة البعيدة عن الواقع ، وليس لها تاويل أبدا.

وعلى أية حال فلا مجال لانكار أن هناك الرؤيا الصادقة (١) حيث تخبر

__________________

(١) وكما يقوله الباحثون الغربيون من علماء الطبيعة حيث لا يرون للرؤيا حقيقة ولا للبحث عنها وارتباطها بالحوادث الخارجية وزنا علميا ، ولكنما المنامات الصحيحة المتواترة الكاشفة عن المغيبات ليست لتحمل على الصدف والاتفاقيات ، والا كانت الصدفة أنجح من المحاولة القاصدة في الكشوف العلمية.

١٧

عن الغيب ماضيا او حاضرا او مستقبلا ، حين تصفو النفس أصالة كالأصفياء ، ام ابتلاء و

تذكيرا لفترة او فترات كما في البعض من رؤي غير الأصفياء.

فما منا صالحا وطالحا إلّا وقد رأى في منامه ما يكشف له بعض المغيبات ، ما لا سبيل إليها بالسبل الطبيعية والكسبية المتعودة ، واما رؤي الصالحين الصادقة فكثيرة كثيرة ، ودرجات الكشف في الرؤيا حسب درجات أصحاب الرؤيا ، كما وتأويلاتها في صورها المتوسطة والبعيدة بحاجة الى درجات من الكشف لمن يؤولها إلى حقائقها ، ومن أرقاها ما يلهمه الله أو يوحيه وكما ليوسف الصديق (وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ..).

فالرؤي الصادقة هي ما تتخطى حواجز الزمان وحواجز المكان وحواجز الأحلام الكاذبة التي يعيشها الإنسان.

وكما تتخفى حواجز الأبدان وعالم الأبدان ، فتشفّ الروح اكثر مما كان ، فترى الحقائق بسيرتها او صورتها متحللة عن مثلث الزمان ، وأبعاد المكان ، ثم الكاذبة لا تحكي إلّا عن هذه الحواجز الباقية على قدرها ، فلا رؤيا إلّا ولها تأويل ، بين صادقة تكشف عن الواقع الحق ، ام كاذبة تكشف عن الواقع المختلق (١).

__________________

(١) وصح عن جابر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فانها لن تضره.

وفي تفسير روح المعاني للآلوسي ١٢ : ١٨١ وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فانها من الله فليحمد الله تعالى وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فانما هي من الشيطان فليستعذ ـ

١٨

وقد تعاضدت الروايات ان الرؤيا الصادقة شعبة من الوحي ، او جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة ، وقد تتأيد الأخير بما يروى ان الوحي على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان منذ البداية الى ستة أشهر في الرؤيا (١) ولو صحت لانطبقت في الحساب قياسا لستة أشهر الى ثلاث وعشرين سنة زمن الوحي كله ، الا ان الثابت قرآنيا وفي السنة ان الاكثرية الساحقة من وحيه في تلك المدة كانت يقظة ، واقله في الرؤيا.

وقال جماعة من المتفلسفة (٢) وآخرون من الصوفية (٣) مقالات حول

__________________

ـ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فانها لن تضره ، وفيه وصح عن جابر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله تعالى تعالى من الشيطان الرجيم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه.

(١) تفسير الآلوسي ١٢ : ١٨٢ عن عائشة :

(٢) قالوا انها انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن ادنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الى صلة هناك ، ثم ان المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها فترسلها الى الحس المشترك فتصير شاهدة ثم ان كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلا احتاجت اليه :

(٣) قالوا ان الرؤيا من احكام حضرة المثال المقيد المسمى بالخيال وهو قد يتأثر من العقول السماوية والنفوس الناطقة المدركة للمعاني الكلية والجزئية فيظهر فيه صور مناسبة لتلك المعاني وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة للمعاني الجزئية فقط فيظهر فيه صورة تناسبها وهذا قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ وقد يكون بسبب توجه النفس بالقوة الوهمية الى إيجاد صورة من الصور كمن يتخيل صورة محبوبه الغائب عنه تخيلا قويا فتظهر صورته في خياله فيشاهده وهي اوّل مبادئ الوحي الالهي في اهل العناية لان الوحي لا يكون الا بنزول الملك واوّل نزوله في الحضرة الخيالية ثم الحسية وكما يروى عن عائشة انها قالت : اوّل ما بدئ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح.

١٩

الرؤيا ، نصدق المصادق منها مع الكتاب والسنة.

يرى يوسف الصديق رؤياه الصادقة هذه فيقصها على أبيه ، ثم يعقوب التورات ينتهره «ما هذا الحلم الذي حلمت؟ هل يأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض؟ فحسده أخوته واما أبوه فحفظ الأمر» (١) تكذيبا لرؤياه في تنديد وانتهار ، حيث يصبح يوسف في حيرة وانبهار ، ثم حفظا لها كأنه يرى لها واقعا! ويا له من تناقض في هذه المواجهة ، وانتحار!

واما يعقوب القرآن فيصدقه بكل تكريم وإكبار ، ويؤوّلها أحسن تأويل فيحذره عن قصها لإخوته خوفا عن مكيدة وحسد واستكبار :

(قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)(٥).

__________________

(١) في الاصحاح ٣٧ من سفر التكوين» .. ١ ـ وسكن يعقوب في ارض غربة أبته في ارض كنعان ٢ ـ هذه مواليده يعقوب : «يوسف إذ كان ابن سبع عشرة سنة كان يرعى مع اخوته الغنم وهو غلام عند بني بلهة وبني زلفة امرأتي أبيه وأتى يوسف بنميمتهم الرديئة الى أبيهم واما إسرائيل فأحب يوسف اكثر من سائر بنيه لأنه ابن شيخوخته فصنع له قميصا ملونا فلما رأى اخوته ان أباهم أحبه اكثر من جميع إخوته أبغضوه ولم يستطيعوا ان يكلموا بسلام ـ

وحلم يوسف حلما فأخبر اخوته فازدادوا ايضا بغضا له فقال لهم : اسمعوا لهذا الحلم الذي حلمت : فها نحن حازمون حزما في الحقل وإذا حزمتي قامت وانتصبت فاحتاطت حزمكم وسجدت لحزمتي ، فقال له اخوته «العلك ...».

ثم حلم ايضا حلما آخر وقصه على اخوته فقال : اني قد حلمت حلما ايضا وإذا الشمس والقمر واحد عشر كوكبا ساجدة لي وقصه على أبيه وعلى اخوته فانتهره أبوه وقال له : ما هذا الحلم .. فحفظ الأمر».

٢٠