🚘

تفسير التّحرير والتّنوير - ج ١٥

الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور

تفسير التّحرير والتّنوير - ج ١٥

المؤلف:

الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

١٨ ـ سورة الكهف

سماها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سورة الكهف.

روى مسلم ، وأبو داود ، عن أبي الدرداء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف» وفي رواية لمسلم : «من آخر الكهف ، عصم من فتنة الدجال». ورواه الترمذي عن أبي الدرداء بلفظ «من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال». قال الترمذي : حديث حسن صحيح.

وكذلك وردت تسميتها عن البراء بن عازب في «صحيح البخاري». قال : «كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو ، وتدنو ، وجعل فرسه ينفر ، فلما أصبح أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكر ذلك له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن».

وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه سماها سورة أصحاب الكهف.

وهي مكية بالاتفاق كما حكاه ابن عطية. قال : وروي عن فرقد أن أول السورة إلى قوله : (جُرُزاً) [الكهف : ٨] نزل بالمدينة ، قال : والأول أصح.

وقيل قوله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) [الكهف : ٢٨] الآيتين نزلتا بالمدينة ، وقيل قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) [الكهف : ١٠٧] إلى آخر السورة نزل بالمدينة. وكل ذلك ضعيف كما سيأتي التنبيه عليه في مواضعه.

نزلت بعد سورة الغاشية وقبل سورة الشورى.

وهي الثامنة والستون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد.

٥

وقد ورد في فضلها أحاديث متفاوتة أصحها الأحاديث المتقدمة.

وهي من السور التي نزلت جملة واحدة. روى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قال : «نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة». وقد أغفل هذا صاحب «الإتقان».

عدت آيها في عدد قراء المدينة ومكة مائة وخمسا ، وفي عدد قراء الشام مائة وستا ، وفي عدد قراء البصرة مائة وإحدى عشرة ، وفي عد قراء الكوفة مائة وعشرا ، بناء على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين.

وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين ، وبسطه ابن إسحاق في سيرته بدون سند،وأسنده الطبري إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول : أن المشركين لما أهمهم أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من قبائل العرب عن أمر دعوته ، بعثوا النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة (يثرب) يسألونهم رأيهم في دعوته ، وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه ، قالوا : فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء (أي صفاتهم وعلاماتهم) علم ليس عندنا ، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبراهم ببعض قوله ، فقال لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث؟ فإن أخبركم بهن فهو نبيء وإن لم يفعل فالرجل متقوّل ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ، وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وسلوه عن الروح ما هي. فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار اليهود ، فجاء جمع من المشركين إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسألوه عن هذه الثلاثة ؛ فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أخبركم بما سألتم عنه غدا (وهو ينتظر وقت نزول الوحي عليه بحسب عادة يعلمها). ولم يقل : إن شاء الله. فمكث رسول الله ثلاثة أيام لا يوحى إليه ، وقال ابن إسحاق : خمسة عشر يوما ، فأرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا اليوم عدة أيام لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، حتى أحزن ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشق عليه ، ثم جاءه جبريل ـ عليه‌السلام ـ بسورة الكهف وفيها جوابهم عن الفتية وهم أهل الكهف ، وعن الرجل الطواف وهو ذو القرنين. وأنزل عليه فيما سألوه من أمر الروح (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) من [الإسراء : ٨٥]. قال السهيلي : وفي رواية عن ابن إسحاق من غير طريق البكائي (أي زياد بن عبد الله البكائي الذي يروي عنه ابن هشام) أنه

٦

قال في هذا الخبر : فناداهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «هو (أي الروح) جبريل». وهذا خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش : سلوه عن الروح فإن أخبركم به فليس بنبي وإن لم يخبركم به فهو نبيء» ا ه.

وأقول : قد يجمع بين الروايتين بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن أجابهم عن أمر الروح بقوله تعالى : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥] بحسب ما عنوه بالروح عدل بهم إلى الجواب عن أمر كان أولى لهم العلم به وهو الروح الذي تكرر ذكره في القرآن مثل قوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) [الشعراء : ١٩٣] وقوله : (وَالرُّوحُ فِيها) [القدر : ٤] (وهو من ألقاب جبريل) على طريقة الأسلوب الحكيم مع ما فيه من الإغاظة لليهود ، لأنهم أعداء جبريل كما أشار إليه قوله تعالى : (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) الآية [البقرة : ٩٧]. ووضحه حديث عبد الله بن سلام في قوله للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين ذكر جبريل ـ عليه‌السلام ـ «ذاك عدوّ اليهود من الملائكة» فلم يترك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم منفذا قد يلقون منه التشكيك على قريش إلا سدّه عليهم.

وقد يعترضك هنا : أن الآية التي نزلت في أمر الروح هي من سورة الإسراء فلم تكن مقارنة للآية النازلة في شأن الفتية وشأن الرجل الطوّاف فما ذا فرق بين الآيتين ، وأن سورة الإسراء يروى أنها نزلت قبل سورة الكهف فإنها معدودة سادسة وخمسين في عداد نزول السور ، وسورة الكهف معدودة ثامنة وستين في النزول. وقد يجاب عن هذا بأن آية الروح قد تكون نزلت على أن تلحق بسورة الإسراء فإنها نزلت في أسلوب سورة الإسراء وعلى مثل فواصلها ، ولأن الجواب فيها جواب بتفويض العلم إلى الله ، وهو مقام يقتضي الإيجاز ، بخلاف الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين فإنه يستدعي بسطا وإطنابا ففرقت آية الروح عن القصتين.

على أنه يجوز أن يكون نزول سورة الإسراء مستمرا إلى وقت نزول سورة الكهف ، فأنزل قرآن موزع عليها وعلى سورة الكهف. وهذا على أحد تأويلين في معنى كون الروح من أمر ربي كما تقدم في سورة الإسراء. والذي عليه جمهور الرواة أن آية (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) [الإسراء : ٨٥] مكية إلا ما روي عن ابن مسعود. وقد علمت تأويله في سورة الإسراء.

فاتضح من هذا أن أهم غرض نزلت فيه سورة الكهف هو بيان قصة أصحاب

٧

الكهف ، وقصة ذي القرنين. وقد ذكرت أولاهما في أول السورة وذكرت الأخرى في آخرها.

كرامة قرآنية :

لوضع هذه السورة على هذا الترتيب في المصحف مناسبة حسنة ألهم الله إليها أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما رتبوا المصحف فإنها تقارب نصف المصحف إذ كان في أوائلها موضع قيل هو نصف حروف القرآن وهو (التاء) من قوله تعالى : (وَلْيَتَلَطَّفْ) [الكهف : ١٩] وقيل نصف حروف القرآن هو (النون) من قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) [الكهف : ٧٤] في أثنائها ، وهو نهاية خمسة عشر جزءا من أجزاء القرآن وذلك نصف أجزائه ، وهو قوله تعالى : (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) [الكهف : ٧٥] ، فجعلت هذه السورة في مكان قرابة نصف المصحف.

وهي مفتتحة بالحمد حتى يكون افتتاح النصف الثاني من القرآن ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ) [الكهف : ١] كما كان افتتاح النصف الأول ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ) [الفاتحة : ٢]. وكما كان أول الربع الرابع منه تقريبا ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [فاطر : ١].

أغراض السورة :

افتتحت بالتحميد على إنزال الكتاب للتنويه بالقرآن تطاولا من الله تعالى على المشركين وملقنيهم من أهل الكتاب.

وأدمج فيه إنذار المعاندين الذين نسبوا لله ولدا ، وبشارة للمؤمنين ، وتسلية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أقوالهم حين تريث الوحي لما اقتضته سنّة الله مع أوليائه من إظهار عتبه على الغفلة عن مراعاة الآداب الكاملة.

وذكر افتتان المشركين بالحياة الدنيا وزينتها وأنها لا تكسب النفوس تزكية.

وانتقل إلى خبر أصحاب الكهف المسئول عنه.

وحذرهم من الشيطان وعداوته لبني آدم ليكونوا على حذر من كيده.

وقدم لقصة ذي القرنين قصة أهم منها وهي قصة موسى والخضر ـ عليهما‌السلام ـ ، لأن كلتا القصتين تشابهتا في السفر لغرض شريف. فذو القرنين خرج لبسط سلطانه على الأرض ، وموسى ـ عليه‌السلام ـ خرج في طلب العلم.

٨

وفي ذكر قصة موسى تعريض بأحبار بني إسرائيل إذ تهمموا بخبر ملك من غير قومهم ولا من أهل دينهم ونسوا خبرا من سيرة نبيهم.

وتخلل ذلك مستطردات من إرشاد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتثبيته ، وأن الحق فيما أخبر به ، وأن أصحابه الملازمين له خير من صناديد المشركين ، ومن الوعد والوعيد ، وتمثيل المؤمن والكافر ، وتمثيل الحياة الدنيا وانقضائها ، وما يعقبها من البعث والحشر ، والتذكير بعواقب الأمم المكذبة للرسل ، وما ختمت به من إبطال الشرك ووعيد أهله ؛ ووعد المؤمنين بضدهم ، والتمثيل لسعة علم الله تعالى. وختمت بتقرير أن القرآن وحي من الله تعالى إلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان في هذا الختام محسن رد العجز على الصدر.

[١ ـ ٣] (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣))

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً).

موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم.

ولما كان إنزال القرآن على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجزل نعماء الله تعالى على عباده المؤمنين لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية ، وسبب فوزهم في الحياة العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال والسيادة على الناس ، ونعمة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن جعله واسطة ذلك ومبلغه ومبينه ؛ لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد إخبارا وإنشاء. وقد تقدم إفادة جملة (الْحَمْدُ لِلَّهِ) استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة الفاتحة.

وهي هنا جملة خبرية ، أخبر الله نبيئه والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله تعالى لا غيره ، فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول تنويها بمضمون الصلة ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر.

وذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوصف العبودية لله تقريب لمنزلته وتنويه به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره كما في قوله تعالى : (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ) [الفرقان : ١].

والكتاب : القرآن. فكل مقدار منزل من القرآن فهو (الْكِتابَ). فالمراد بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه السورة ، ويلحق به ما ينزل

٩

بعد هذه الآية ويزاد به مقداره.

وجملة (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) معترضة بين (الْكِتابَ) وبين الحال منه وهو (قَيِّماً). والواو اعتراضية. ويجوز كون الجملة حالا والواو حالية.

والعوج ـ بكسر العين وفتحها وبفتح الواو ـ حقيقته : انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم ، فهو ضد الاستقامة. ويطلق مجازا على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة.

والذي عليه المحققون من أئمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي. وقيل : المكسور العين يختص بالإطلاق المجازي وعليه درج في «الكشاف». ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : ١٠٦ ـ ١٠٧] حيث اتفق القراء على قراءته ـ بكسر العين ـ. وعن ابن السكيت : أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي.

والمراد بالعوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها عن الحكمة وإصابة المراد.

والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم : «افتراه ، وأساطير الأولين ، وقول كاهن» ، لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج ، قال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء : ٨٢].

وضمير (لَهُ) عائد إلى (الْكِتابَ).

وإنما عدي الجعل باللام دون (في) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام ، وأما معنى الاختصاص فهو أعم.

فالمعنى : أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف. وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به ، فهذا كوصفه بأنه (لا رَيْبَ فِيهِ) في سورة البقرة [٢].

و (قَيِّماً) حال من (الْكِتابَ) أو من ضميره المجرور باللام ، لأنه إذا جعل حالا

١٠

من أحدهما ثبت الاتصاف به للآخر إذ هما شيء واحد ، فلا طائل فيما أطالوا به من الإعراب.

والقيم : صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه ، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله ، كما تقدم عند قوله تعالى: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) في سورة البقرة [٢٥٥].

والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها ، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع ، فوزانه وزان وصفه بأنه (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) في سورة البقرة : [٢].

والجمع بين قوله : (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) وقوله : (قَيِّماً) كالجمع بين (لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة : ٢] وبين (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة : ٢] وليس هو تأكيدا لنفي العوج.

(لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ)

(لِيُنْذِرَ) متعلق ب (أَنْزَلَ). والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة ، أي لينذر الله بأسا شديدا من لدنه ، والمفعول الأول (لِيُنْذِرَ) محذوف لقصد التعميم ، أو تنزيلا للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذر به وهو البأس الشديد تهويلا له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله.

والبأس : الشدة في الألم. ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو. وقد تقدم في قوله تعالى : (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) من سورة البقرة [١٧٧]. والمراد هنا : شدة الحال في الحياة الدنيا ، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن ، وعليه درج الطبري. وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين ، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه ، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي.

وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّة لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار علل إنزاله على ذلك ، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضها ويترك بعض.

وإنما آثرت الحمل على جعل اليأس الشديد بأس الدنيا للتفصي مما يرد على إعادة فعل (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) [الكهف : ٤] كما سيأتي.

ويجوز أن يراد بالبأس عذاب الآخرة فإنه بأس شديد ، ويكون قوله : (مِنْ لَدُنْهُ)

١١

مستعملا في حقيقته. وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين.

ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا ، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي ، ويكون استعمال من (لَدُنْهُ) في معنييه الحقيقي والمجازي ، أما في عذاب الآخرة فظاهر ، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه.

وحذف مفعول (لِيُنْذِرَ) لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه ، ولدلالة مقابله عليه في قوله : (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ).

(وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) (٣) عطف على قوله : (لِيُنْذِرَ بَأْساً) ، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجها إلى غيرهم.

وقوله : (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) متعلق ب (يُبَشِّرَ) بحذف حرف الجر مع (أن) ، أي بأن لهم أجرا حسنا. وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين. ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثير أو قليل ، ولحكمه أدلة كثيرة.

والمكث : الاستقرار في المكان ، شبه ما لهم من اللذات والملائمات بالظرف الذي يستقر فيه حالّه للدلالة على أن الأجر الحسن كالمحيط بهم لا يفارقهم طرفة عين ، فليس قوله: (أَبَداً) بتأكيد لمعنى (ماكِثِينَ) بل أفيد بمجموعها الإحاطة والدوام.

[٤ ، ٥] (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥))

(وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ).

تعليل آخر لإنزال الكتاب على عبده ، جعل تاليا لقوله : (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) [الكهف : ٢] باعتبار أن المراد هنا إنذار مخصوص مقابل لما بشر به المؤمنين. وهذا إنذار بجزاء خالدين فيه وهو عذاب الآخرة ، فإن جريت على تخصيص البأس في قوله : (بَأْساً شَدِيداً) [الكهف : ٢] بعذاب الدنيا كما تقدم كان هذا الإنذار مغايرا لما

١٢

قبله ؛ وإن جريت على شمول البأس للعذابين كانت إعادة فعل (يُنْذِرَ) تأكيدا ، فكان عطفه باعتبار أن لمفعوله صفة زائدة على معنى مفعول فعل (يُنْذِرَ) السابق يعرف بها الفريق المنذرون بكلا الإنذارين ، وهو يومئ إلى المنذرين المحذوف في قوله : (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) [الكهف : ٢] ويغني عن ذكره. وهذه العلة أثارتها مناسبة ذكر التبشير قبلها ، وقد حذف هنا المنذر به اعتمادا على مقابله المبشر به.

والمراد ب (الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) هنا المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله ، وليس المراد به النصارى الذين قالوا بأن عيسى ابن الله تعالى ، لأن القرآن المكي ما تعرض للرد على أهل الكتاب مع تأهلهم للدخول في العموم لاتحاد السبب.

والتعبير عنهم بالموصول وصلته لأنهم قد عرفوا بهذه المقالة بين أقوامهم وبين المسلمين تشنيعا عليهم بهذه المقالة ، وإيماء إلى أنهم استحقوا ما أنذروا به لأجلها ولغيرها ، فمضمون الصلة من موجبات ما أنذروا به لأن العلل تتعدد.

والولد : اسم لمن يولد من ذكر أو أنثى ، يستوي فيه الواحد والجمع. وتقدم في قوله : (قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ) في سورة يونس [٦٨].

وجملة (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) حال من (الَّذِينَ قالُوا). والضمير المجرور بالباء عائد إلى القول المفهوم من (قالُوا).

و (من) لتوكيد النفي. وفائدة ذكر هذه الحال أنها أشنع في كفرهم وهي أن يقولوا كذبا ليست لهم فيه شبهة ، فأطلق العلم على سبب العلم كما دل عليه قوله تعالى : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) [المؤمنون : ١١٧].

وضمير (بِهِ) عائد على مصدر مأخوذ من فعل (قالُوا) ، أي ما لهم بذلك القول من علم.

وعطف (وَلا لِآبائِهِمْ) لقطع حجتهم لأنهم كانوا يقولون (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف : ٢٣] ، فإذا لم يكن لآبائهم حجة على ما يقولون فليسوا جديرين بأن يقلدوهم.

(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً)

استئناف بالتشاؤم بذلك القول الشنيع.

١٣

ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية.

وفعل (كَبُرَتْ) ـ بضم الباء ـ. أصله : الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه ، ويستعمل مجازا في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على وجه الاستعارة ، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كبر هذه الكلمة في الشناعة بقرينة المقام. ودل على قصد التعجيب منها انتصاب (كَلِمَةً) على التمييز إذ لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب ، ومن أجل هذا مثلوا بهذه الآية لورود فعل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نعم وبئس بحسب المقام.

والضمير في قوله : (كَبُرَتْ) يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز.

وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها) [المؤمنون : ١٠٠] ، وقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل»

وجملة (تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) صفة ل (كَلِمَةً) مقصود بها من جرأتهم على النطق بها ووقاحتهم في قولها.

والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلا لفظاعتها. وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه ، لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل.

والأفواه : جمع فم وهو بوزن أفعال ، لأن أصل فم فوه بفتحتين بوزن جمل ، أو فيه بوزن ريح ، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفا يعتمد عليه لسانه ، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «فا» ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين ، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار «فم» ، ولما جمعوه ردوه إلى أصله.

وجملة (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) مؤكدة لمضمون جملة (تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفس الأمر هو الكذب ، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب ، فما قولهم ذلك إلا كذب ، أي ليست له صفة إلا صفة

١٤

الكذب.

هذا إذا جعل القول المأخوذ من (يَقُولُونَ) خصوص قولهم : (اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) [الكهف : ٤]. ولك أن تحمل (يَقُولُونَ) على العموم في سياق النفي ، أي لا يصدر منهم قول إلا الكذب ، فيكون قصرا إضافيا ، أي ما يقولونه في القرآن والإسلام ، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون جملة إن (يَقُولُونَ) تذييلا.

(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦))

تفريع على جملة (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) [الكهف : ٤] باعتبارهم مكذبين كافرين بقرينة مقابلة المؤمنين بهم في قوله : (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) [الكهف : ٢] ثم قوله : (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) [الكهف : ٤].

و (لعل) حقيقتها إنشاء الرجاء والتوقع ، وتستعمل في الإنكار والتحذير على طريقة المجاز المرسل لأنهما لا زمان لتوقع الأمر المكروه.

وهي هنا مستعملة في تحذير الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الاغتمام والحزن على عدم إيمان من لم يؤمنوا من قومه. وذلك في معنى التسلية لقلة الاكتراث بهم.

والباخع : قاتل نفسه ، كذا فسره ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جبير. وفسره البخاري بمهلك. وتفسيره يرجع إلى أبي عبيدة.

وفي اشتقاقه خلاف ، فقيل مشتق من البخاع بالباء الموحدة (بوزن كتاب) وهو عرق مستبطن في القفا فإذا بلغ الذابح البخاع فذلك أعمق الذبح ، قاله الزمخشري في قوله تعالى : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) في سورة الشعراء [٣] وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في «الكشاف» و «الفائق» و «الأساس». قال ابن الأثير في «النهاية» : «بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البخاع بالموحدة» يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق وبإثبات البخاع اسما لهذا العرق. قلت : كفى بالزمخشري حجة فيما أثبته. وقد تبعه عليه المطرزي في «المغرب» وصاحب «القاموس». فالبخع : أصله أن يبلغ الذابح بالذبح إلى القفا ثم أطلق على القتل المشوب بغيظ.

والآثار : جمع أثر وهو ما يؤثره ، أي يبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو الأرض من مواطئ أقدامه وأخفاف راحلته. والأثر أيضا ما يبقيه أهل الدار إذا ترحلوا عنها من

١٥

تافه آلاتهم التي كانوا يعالجون بها شئونهم كالأوتاد والرماد.

وحرف (على) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى : لعلك مهلك نفسك لأجل إعراضهم عنك كما يعرض السائر عن المكان الذي كان فيه ، فتكون (على) للتعليل.

ويجوز أن يكون المعنى تمثيل حال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شدة حرصه على اتباع قومه له وفي غمه من إعراضهم. وتمثيل حالهم في النفور والإعراض بحال من فارقه أهله وأحبته فهو يرى آثار ديارهم ويحزن لفراقهم. ويكون حرف (على) ظرفا مستقرا في موضع الحال من ضمير الخطاب ، ومعنى (على) الاستعلاء المجازي وهو شدة الاتصال بالمكان.

وكأن هذا الكلام سيق إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخر أوقات رجائه في إيمانهم إيماء إلى أنهم غير صائرين إلى الإيمان ، وتهيئة نفسه أن تتحمل ما سيلقاه من عنادهم رأفة من ربه به ، ولذلك قال : (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) بصيغة الفعل المضارع المقتضية الحصول في المستقبل ، أي إن استمر عدم إيمانهم.

واسم الإشارة وبيانه مراد به القرآن ، لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار. وبيّن بأنه الحديث.

والحديث : الخبر. وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من الله لرسوله ، إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخبارا وقصصا. سمي الحديث حديثا باعتبار اشتماله على الأمر الحديث ، أي الذي حدث وجد ، أي الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب ، فالحديث فعيل بمعنى مفعول. وانظر ما يأتي عند قوله تعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) في سورة الزمر [٢٣].

و (أَسَفاً) مفعول له من (باخِعٌ نَفْسَكَ) أي قاتلها لأجل شدة الحزن ، والشرط معترض بين المفعولين ، ولا جواب له للاستغناء عن الجواب بما قبل الشرط.

[٧ ، ٨] (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨))

مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جدا أعوز المفسرين بيانها ، فمنهم ساكت عنها ، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت.

والذي يبدو : أنها تسلية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على إعراض المشركين بأن الله أمهلهم وأعطاهم

١٦

زينة الدنيا لعلهم يشكرونه ، وأنهم بطروا النعمة ، فإن الله يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة. وهذا تعريض بأنه سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل رسول الله ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف ـ عليه‌السلام ـ.

ولهذا اتصال بقوله : (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) [الكهف : ٢].

وموقع (إن) في صدر هذه الجملة موقع التعليل للتسلية التي تضمنها قوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ) [الكهف : ٦].

ويحصل من ذلك تذكير بعضهم قدرة الله تعالى ، وخاصة ما كان منها إيجادا للأشياء وأضدادها من حياة الأرض وموتها المماثل لحياة الناس وموتهم ، والمماثل للحياة المعنوية والموت المعنوي من إيمان وكفر ، ونعمة ونقمة ، كلها عبر لمن يعتبر بالتغير ويأخذ الأهبة إلى الانتقال من حال إلى حال فلا يثق بقوته وبطشه ، ليقيس الأشياء بأشباهها ويعرض نفسه على معيار الفضائل وحسنى العواقب.

وأوثر الاستدلال بحال الأرض التي عليها الناس لأنها أقرب إلى حسهم وتعقلهم ، كما قال تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية : ١٧ ـ ٢٠] ، وقال : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ) [الذاريات : ٢٠].

وقد جاء نظم هذا الكلام على أسلوب الإعجاز في جمع معان كثيرة يصلح اللفظ لها من مختلف الأغراض المقصودة ، فإن الإخبار عن خلق ما على الأرض زينة يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف. والامتنان بمثل هذا كثير ، مثل قوله : (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [النحل : ٦] ، وقال : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران : ١٤].

ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها. وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان ، واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص أخرى من نوعها. فيتضمن هذا امتنانا ببث الحياة في الموجودات الأرضية.

١٧

ومن لوازم هذه الزينة أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها وتسبر غور النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم ، فمن موف بحق الشكر ، ومقصر فيه وجاحد كافر بنعمة هذا المنعم ناسب إياها إلى غير موجدها. ومن لوازمها أيضا أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها فتستثار من ذلك مختلف الكيفيات في تناولها وتعارض الشهوات في الاستيثار بها مما يفضي إلى تغالب الناس بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض. وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم ، ولذلك علل جعل ما على الأرض زينة بقوله : (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ، أي أفوت في حسن العمل من عمل القلب الراجع إلى الإيمان والكفر ، وعلم الجسد المتبدي في الامتثال للحق والحيدة عنه.

فمجموع الناس متفاوتون في حسن العمل. ومن درجات التفاوت في هذا الحسن تعلم بطريق الفحوى درجة انعدام الحسن من أصله وهي حالة الكفر وسوء العمل ، كما جاء في حديث «.. مثل المنافق الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن ..».

والبلو : الاختبار والتجربة. وقد تقدم عند قوله تعالى : (هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ) في سورة يونس [٣٠]. وهو هنا مستعار لتعلق علم الله التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغن عن الاختبار والتجربة. وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى لا يلتبس عليهم الصالح بضده. وهو كقول قيس بن الخطيم :

وأقبلت والخطي يخطر بيننا

لأعلم من جبانها من شجاعها

وقوله : (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) تكميل للعبرة وتحقيق لفناء العالم. فقوله : (لَجاعِلُونَ) اسم فاعل مراد به المستقبل ، أي سنجعل ما على الأرض كله معدوما فلا يكون على الأرض إلا تراب جاف أجرد لا يصلح للحياة فوقه وذلك هو فناء العالم ، قال تعالى : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) [إبراهيم : ٤٨].

والصعيد : التراب. والجرز : القاحل الأجرد. وسيأتي بيان معنى الصعيد عند قوله : (فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) في هذه السورة [٤٠].

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩))

(أم) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض. ولما كان هذا من المقاصد التي

١٨

أنزلت السورة لبيانها لم يكن هذا الانتقال اقتضابا بل هو كالانتقال من الديباجة والمقدمة إلى المقصود.

على أن مناسبة الانتقال إليه تتصل بقوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) [الكهف : ٦] ، إذ كان مما صرف المشركين عن الإيمان إحالتهم الإحياء بعد الموت ، فكان ذكر أهل الكهف وبعثهم بعد خمودهم سنين طويلة مثالا لإمكان البعث.

و (أَمْ) هذه هي (أم) المنقطعة بمعنى (بل) ، وهي ملازمة لتقدير الاستفهام معها ، يقدر بعدها حرف استفهام ، وقد يكون ظاهرا بعدها كقول أفنون التغلبي :

أنّى جزوا عامرا سوءا بضعته

أم كيف يجزونني السّوأى عن الحسن

والاستفهام المقدر بعد (أم) تعجيبي مثل الذي في البيت.

والتقدير هنا : أحسبت أن أصحاب الكهف كانوا عجبا من بين آياتنا ، أي أعجب من بقية آياتنا ، فإن إماتة الأحياء بعد حياتهم أعظم من عجب إنامة أهل الكهف. لأن في إنامتهم إبقاء للحياة في أجسامهم وليس في إماتة الأحياء إبقاء لشيء من الحياة فيهم على كثرتهم وانتشارهم. وهذا تعريض بغفلة الذين طلبوا من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيان قصة أهل الكهف لاستعلام ما فيها من العجب ، بأنهم سألوا عن عجيب وكفروا بما هو أعجب ، وهو انقراض العالم ، فإنهم كانوا يعرضون عن ذكر فناء العالم ويقولون : (ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية : ٢٤]. أي إن الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة الآخرة وأن الدهر يهلكنا وهو باق.

وفيه لفت لعقول السائلين عن الاشتغال بعجائب القصص إلى أن الأولى لهم الاتعاظ بما فيها من العبر والأسباب وآثارها. ولذلك ابتدئ ذكر أحوالهم بقوله : (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) [الكهف : ١٠] فأعلم الناس بثبات إيمانهم بالله ورجائهم فيه ، وبقوله : (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) [الكهف : ١٣]. الآيات الدالّ على أنهم أبطلوا الشرك وسفهوا أهله تعريضا بأن حق السامعين أن يقتدوا بهداهم.

والخطاب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. والمراد : قومه الذين سألوا عن القصة ، وأهل الكتاب الذين أغروهم بالسؤال عنها وتطلب بيانها. ويظهر أن الذين لقنوا قريشا السؤال عن أهل الكهف

١٩

هم بعض النصارى الذين لهم صلة بأهل مكة من التجار الواردين إلى مكة ؛ أو من الرهبان الذين في الأديرة الواقعة في طريق رحلة قريش من مكة إلى الشام وهي رحلة الصيف. ومحل التعجب هو قوله : (مِنْ آياتِنا) ، أي من بين آياتنا الكثيرة المشاهدة لهم وهم لا يتعجبون منها ويقصرون تعجبهم على أمثال هذه الخوارق ؛ فيؤول المعنى إلى أن أهل الكهف ليسوا هم العجب من بين الآيات الأخرى ، بل عجائب صنع الله تعالى كثيرة منها ما هو أعجب من حال أهل الكهف ومنها ما يساويها.

فمعنى (من) في قوله : (مِنْ آياتِنا) التبعيض ، أي ليست قصة أهل الكهف منفردة بالعجب من بين الآيات الأخرى ، كما تقول : سأل فلانا فهو العالم منا ، أي المنفرد بالعلم من بيننا.

ولك أن تجعلها للظرفية المجازية ، أي كانوا عجبا في آياتنا ، أي وبقية الآيات ليست عجبا. وهذا نداء على سوء نظرهم إذ يعلقون اهتمامهم بأشياء نادرة وبين يديهم من الأشياء ما هو أجدر بالاهتمام.

وأخبر عن أصحاب الكهف بالعجب وإنما العجب حالهم في قومهم ، فثمّ مضاف محذوف يدل عليه الكلام.

وأخبر عن حالهم بالمصدر مبالغة ، والمراد عجيب.

والكهف : الشق المتسع الوسط في جبل ، فإن لم يكن متسعا فهو غار.

والرقيم : فعيل بمعنى مفعول من الرقم وهو الكتابة. فالرقيم كتاب كان مع أصحاب الكهف في كهفهم. قيل : كتبوا فيه ما كانوا يدينون به من التوحيد ، وقيل : هو كتاب دينهم ، دين كان قبل عيسى ـ عليه‌السلام ـ ، وقيل : هو دين عيسى ، وقيل : كتبوا فيه الباعث الذي بعثهم على الالتجاء إلى الكهف فرارا من كفر قومهم.

وابتدأ القرآن من قصتهم بمحل العبرة الصادقة والقدوة الصالحة منه ، وهو التجاؤهم إلى ربهم واستجابته لهم.

وقد أشارت الآية إلى قصة نفر من صالحي الأمم السالفة ثبتوا على دين الحق في وقت شيوع الكفر والباطل فانزووا إلى الخلوة تجنبا لمخالطة أهل الكفر فأووا إلى كهف استقروا فيه فرارا من الفتنة في دينهم ، فأكرمهم الله تعالى بأن ألقى عليهم نوما بقوا فيه مدة طويلة ثم أيقظهم فأراهم انقراض الذين كانوا يخافونهم على دينهم. وبعد أن أيقنوا بذلك

٢٠