🚘

تفسير التّحرير والتّنوير - ج ١

الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور

تفسير التّحرير والتّنوير - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

الحمد لله على أن بيّن للمستهدين معالم مراده ، ونصب لجحافل المستفتحين أعلام أمداده ، فأنزل القرآن قانونا عاما معصوما ، وأعجز بعجائبه فظهرت يوما فيوما ، وجعله مصدّقا لما بين يديه ومهيمنا ، وما فرط فيه من شيء يعظ مسيئا ويعد محسنا ، حتى عرفه المنصفون من مؤمن وجاحد ، وشهد له الراغب والمحتار والحاسد ، فكان الحال بتصديقه أنطق من اللسان ، وبرهان العقل فيه أبصر من شاهد العيان ، وأبرز آياته في الآفاق فتبيّن للمؤمنين أنه الحق ، كما أنزله على أفضل رسول فبشّر بأنّ لهم قدم صدق ، فبه أصبح الرسول الأمّي سيد الحكماء المربين ، وبه شرح صدره إذا قال : (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) [النمل : ٧٩] ، فلم يزل كتابه مشعّا نيّرا ، محفوظا من لدنه أن يترك فيكون مبدّلا ومغيّرا. ثم قيض لتبيينه أصحابه الأشداء الرحماء ، وأبان أسراره من بعدهم في الأمة من العلماء ، فصلاة الله وسلامه على رسوله وآله الطاهرين ، وعلى أصحابه نجوم الاقتداء للسائرين والماخرين (١).

أما بعد فقد كان أكبر أمنيتي منذ أمد بعيد تفسير الكتاب المجيد ، الجامع لمصالح الدنيا والدين ، وموثق شديد العرى من الحق المتين ، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها ، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها ، طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع ، وتفاصيل من مكارم الأخلاق ، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره ، أو مطالعة كلام مفسّره (٢) ، ولكني كنت على كلفي بذلك أتجهم التقحّم على هذا

__________________

(١) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» فبنيت على هذا التشبيه تشبيه المهتدين بهم بفريقين : فريق سائرون في البر ـ وفي ذلك تشبيه عملهم في الإهداء ، وهو اتباع طريق السنة بالسير في طرق البر ـ وفريق ماخرون أي سائرون في الفلك المواخر في البحر ، وتضمن ذلك تشبيه عملهم في الإهداء وهو الخوض في العلوم بالمخر في البحر ، ومن ذلك الإشارة إلى أن العلم كالبحر كما هو شائع ، وأن السنة كالسبيل المبلغ للمقصود.

(٢) أشير بهذا إلى أن المهم من كلام المفسرين يرشد إلى الزيادة على ما ذكروه ، والذي دون ذلك من

٥

المجال ، وأحجم عن الزجّ بسية قوسي في هذا النضال. اتقاء ما عسى أن يعرّض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة ، أو فلتات سهام الفهم وإن بلغ ساعد الذهن كمال الفتوّة ، فيقيت أسوّف النفس مرة ومرة أسومها زجرا ، فإن رأيت منها تصميما أحلتها على فرصة أخرى ، وأنا آمل أن يمنح من التيسير ، ما يشجّع على قصد هذا الغرض العسير ، وفيما أنا بين إقدام وإحجام ، أتخيل هذا الحقل مرّة القتاد وأخرى الثّمام ؛ إذا أنا بأملي قد خيل إليّ أنه تباعد أو انقضى ، إذا قدر أن تسند إليّ خطة القضا (١) ، فبقيت متلهفا ولات حين مناص ، وأضمرت تحقيق هاته الأمنية متى أجمل الله الخلاص ، وكنت أحادث بذلك الأصحاب والإخوان ، وأضرب المثل بأبي الوليد ابن رشد في كتاب «البيان» (٢) ، ولم أزل كلما مضت مدة يزداد التمني وأرجو إنجازه ، إلى أن أوشك أن تمضي عليه مدة الحيازة ، فإذا الله قد منّ بالنقلة إلى خطة الفتيا (٣) ، وأصبحت الهمة مصروفة إلى ما تنصرف إليه الهمم العليا ، فتحوّل إلى الرجاء ذلك اليأس ، وطمعت أن أكون ممن أوتي الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس (٤). هنا لك عقدت العزم على تحقيق ما كنت أضمرته ، واستعنت بالله تعالى واستخرته ، وعلمت أن ما يهول من توقع كلل أو غلط ، لا ينبغي أن يحول بيني وبين نسج هذا النمط ، إذا بذلت الوسع من الاجتهاد ، وتوخيت طرق الصواب والسداد. أقدمت على هذا المهم إقدام الشجاع على وادي السّباع (٥) ؛ متوسطا في معترك أنظار

__________________

كلامهم ينبه إلى تقويم ما ذكروه ، والمفسر هنا مراد به الجنس.

(١) في ٢٦ رمضان ١٣٣١ ه‍ والقضاء هنا بالقصر لمراعاة السجع.

(٢) حيث ذكر أنه شرع فيه ، ثم عاقه عنه تقليد خطة القضاء بقرطبة فعزم على الرجوع إليه إن أريح من القضاء ، وأنه عرض عزمه على أمير المؤمنين علي بن يوسف ابن تاشفين ، فأجابه لذلك وأعفاه من القضاء ليعود إلى إكمال كتابه «البيان والتحصيل» وهذا الكتاب هو شرح جليل على كتاب «العتبية» الذي جمع فيه العتبي سماع أصحاب مالك منه ، وسماع أصحاب ابن القاسم منه.

(٣) في ٢٦ رجب ١٣٤١ ه‍.

(٤) أردت الإشارة إلى الحديث : «لا حسد إلا في اثنتين» لأنه يتعين أن لا يكون المراد خصوص الجمع بين القضاء بها وتعليمها ، بل يحصل المقصود ولو بأن يقضى بها مدة ، ويعلمها الناس مدة أخرى.

(٥) وادي السباع موضع بين مكة والبصرة وهو واد قفر من السكان تكثر به السباع قال سحيم بن وثيل :

مررت على وادي السباع ولا أرى

كوادي السباع حين يظلم واديا

أقلّ به ركب أتوه تئيّة

وأخوف إلّا ما وقى الله ساريا

٦

الناظرين. وزائر بين ضباح الزائرين (١) ، فجعلت حقا عليّ أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقني إليها ، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها ، فإن الاقتصار على الحديث المعاد ، تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد.

ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين : رجل معتكف فيما أشاده الأقدمون ، وآخر آخذ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون ، وفي كلتا الحالتين ضرّ كثير ، وهنا لك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير ، وهي أن نعمد إلى ما شاده الأقدمون فنهذبه ونزيده ، وحاشا أن ننقضه أو نبيده ، عالما بأن غمض فضلهم كفران للنعمة ، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمّة ، فالحمد لله الذي صدّق الأمل ، ويسّر إلى هذا الخير ودلّ.

والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لا حظّ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل. وإن أهم التفاسير تفسير «الكشاف» و«المحرر الوجيز» لابن عطية و«مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي ، و«تفسير البيضاوي» الملخص من «الكشاف» ومن «مفاتيح الغيب» بتحقيق بديع ، و«تفسير الشهاب الآلوسي» ، وما كتبه الطيبي والقزويني والقطب والتفتازانيّ على «الكشاف» ، وما كتبه الخفاجي على «تفسير البيضاوي» ، و«تفسير أبي السعود» ، و«تفسير القرطبي» والموجود من «تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسي» من تقييد تلميذه الأبيّ وهو بكونه تعليقا على «تفسير ابن عطية» أشبه منه بالتفسير ، لذلك لا يأتي على جميع آي القرآن ، و«تفاسير الأحكام ، وتفسير الإمام محمد ابن جرير الطبري» ، وكتاب «درة التنزيل» المنسوب لفخر الدين الرازي ، وربما ينسب للراغب الأصفهاني. ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها ، وقد ميزت ما يفتح الله لي من فهم في معاني كتابه وما أجلبه من المسائل العلمية ، مما لا يذكره المفسرون ، وإنما حسبي في ذلك عدم عثوري عليه فيما بين يديّ من التفاسير في تلك الآية خاصة ، ولست أدعي انفرادي به في نفس الأمر ، فكم من كلام تنشئه ، تجدك قد سبقك إليه متكلم ، وكم من فهم تستظهره وقد تقدّمك إليه متفهّم ، وقديما قيل :

__________________

(١) الزائرين هنا اسم فاعل من زأر بهمزة بعد الزاي ، وهو الذي مصدره الزئير ، وهو صوت الأسد قال عنترة :

حلّت بأرض الزائرين فأصبحت

عسرا عليّ طلابك ابنة مخرم

٧

هل غادر الشعراء من متردّم

إنّ معاني القرآن ومقاصده ذات أفانين كثيرة بعيدة المدى مترامية الأطراف موزّعة على آياته فالأحكام مبينة في آيات الأحكام ، والآداب في آياتها ، والقصص في مواقعها ، وربما اشتملت الآية الواحدة على فنين من ذلك أو أكثر. وقد نحا كثير من المفسرين بعض تلك الأفنان ، ولكنّ فنّا من فنون القرآن لا تخلو عن دقائقه ونكته آية من آيات القرآن ، وهو فن دقائق البلاغة هو الذي لم يخصه أحد من المفسرين بكتاب كما خصّوا الأفانين الأخرى ، من أجل ذلك التزمت أن لا أغفل التنبيه على ما يلوح لي من هذا الفن العظيم في آية من آي القرآن كلّما ألهمته بحسب مبلغ الفهم وطاقة التدبّر.

وقد اهتممت في تفسيري هذا ببيان وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية وأساليب الاستعمال ، واهتممت أيضا ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض ، وهو منزع جليل قد عني به فخر الدين الرازي ، وألّف فيه برهان الدين البقاعي كتابه المسمى : «نظم الدرر في تناسب الآي والسور» إلا أنهما لم يأتيا في كثير من الآي بما فيه مقنع ، فلم تزل أنظار المتأملين لفضل القول تتطلع. أما البحث عن تناسب مواقع السور بعضها إثر بعض ، فلا أراه حقا على المفسر.

ولم أغادر سورة إلا بيّنت ما أحيط به من أغراضها لئلا يكون الناظر في تفسير القرآن مقصورا على بيان مفرداته ومعاني جمله كأنها فقر متفرقة تصرفه عن روعة انسجامه وتحجب عنه روائع جماله.

واهتممت بتبيين معاني المفردات في اللغة العربية بضبط وتحقيق مما خلت عن ضبط كثير منه قواميس اللغة. وعسى أن يجد فيه المطالع تحقيق مراده ، ويتناول منه فوائد ونكتا على قدر استعداده ، فإني بذلت الجهد في الكشف عن نكت من معاني القرآن وإعجازه خلت عنها التفاسير ، ومن أساليب الاستعمال الفصيح ما تصبو إليه همم النحارير ، بحيث ساوى هذا التفسير على اختصاره مطولات القماطير ، ففيه أحسن ما في التفاسير ، وفيه أحسن مما في التفاسير. وسميته : «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد». واختصرت هذا الاسم باسم «التحرير والتنوير من التفسير» وها أنا (١) أبتدئ بتقديم مقدمات تكون عونا للباحث في التفسير ، وتغنيه عن معاد كثير.

__________________

(١) عن قصد قلت «وها أنا» ولم أقل «وها أنا ذا» كما التزمه كثير من المتحذلقين أخذا بظاهر كلام «مغني اللبيب» لما بينته عند تفسير قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) في سورة البقرة [٨٥].

٨

المقدمة الأولى

في التفسير والتأويل وكون التفسير علما

التفسير مصدر فسّر بتشديد السين الذي هو مضاعف فسر بالتخفيف ، من بابي نصر وضرب الذي مصدره الفسر ، وكلاهما فعل متعد فالتضعيف ليس للتعدية. والفسر الإبانة والكشف لمدلول كلام أو لفظ بكلام آخر هو أوضح لمعنى المفسّر عند السامع ، ثم قيل المصدران والفعلان متساويان في المعنى ، وقيل يختص المضاعف بإبانة المعقولات ، قاله الراغب وصاحب «البصائر» ، وكأن وجهه أن بيان المعقولان يكلف الذي يبينه كثرة القول ، كقول أوس بن حجر (١) :

الألمعيّ الذي يظن بك الظ

ن كأن قد رأى وقد سمعا

فكان تمام البيت تفسيرا لمعنى الألمعي ، وكذلك الحدود المنطقية المفسّرة للمواهي والأجناس ، لا سيما الأجناس العالية الملقبة بالمقولات ، فناسب أن يخص هذا البيان بصيغة المضاعفة ، بناء على أن فعّل المضاعف إذا لم يكن للتعدية كان المقصود منه الدلالة على التكثير من المصدر ، قال في «الشافية» : «وفعّل للتكثير غالبا» وقد يكون التكثير في ذلك مجازيّا واعتباريا بأن ينزل كدّ الفكر في تحصيل المعاني الدقيقة ، ثم في اختيار أضبط الأقوال لإبانتها منزلة العمل الكثير كتفسير صحار العبدي (٢) وقد سأله معاوية عن البلاغة فقال : «أن تقول فلا تخطئ ، وتجيب فلا تبطئ» ثم قال لسائله أقلني : «لا تخطئ ولا تبطئ». ويشهد لهذا قوله تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) [الفرقان : ٣٣].

فأما إذا كان فعّل المضاعف للتعدية فإنّ إفادته التكثير مختلف فيها ، والتحقيق أن

__________________

(١) كما في «الصحاح» و«التهذيب» ، ويروى لبشر بن أبي خازم يرثي فضالة بن كلدة كما في «العباب».

(٢) صحار بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملتين ، وهو ابن عياش ، بليغ من بلغاء قبيلة عبد القيس في صدر الدولة الأموية.

٩

المتكلم قد يعدل عن تعدية الفعل بالهمزة إلى تعديته بالتضعيف لقصد الدلالة على التكثير لأن المضاعف قد عرف بتلك الدلالة في حالة كونه فعلا لازما فمقارنته تلك الدلالة عند استعماله للتعدية مقارنة تبعية ، ولذلك قال العلامة الزمخشري في خطبة «الكشاف» «الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما ، ونزّله على حسب المصالح منجما» فقال المحققون من شراحه : جمع بين أنزل ونزل لما في نزل من الدلالة على التكثير ، الذي يناسب ما أراده العلّامة من التدريج والتنجيم.

وأنا أرى أن استفادة معنى التكثير في حال استعمال التضعيف للتعدية أمر من مستتبعات الكلام حاصل من قرينة عدول المتكلم البليغ عن المهموز الذي هو خفيف إلى المضعف الذي هو ثقيل ، فذلك العدول قرينة على المراد وكذلك الجمع بينهما في مثل كلام «الكشاف» قرينة على إرادة التكثير.

وعزا شهاب الدين القرافي في أول «أنواء البروق» إلى بعض مشايخه أن العرب فرقوا بين فرق بالتخفيف وفرّق بالتشديد ، فجعلوا الأول للمعاني والثاني للأجسام بناء على أن كثرة الحروف تقتضي زيادة المعنى أو قوته ، والمعاني لطيفة يناسبها المخفف ، والأجسام كثيفة يناسبها التشديد ، واستشكله هو بعدم اطراده ، وهو ليس من التحرير بالمحل اللائق ، بل هو أشبه باللطائف منه بالحقائق ، إذ لم يراع العرب في هذا الاستعمال معقولا ولا محسوسا وإنما راعوا الكثرة الحقيقية أو المجازية كما قررنا ، ودل عليه استعمال القرآن ، ألا ترى أن الاستعمالين ثابتان في الموضع الواحد ، كقوله تعالى : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ) [الإسراء : ١٠٦] قرئ بالتشديد والتخفيف ، وقال تعالى حكاية لقول المؤمنين : (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة : ٢٨٥] وقال لبيد :

فمضى وقدّمها وكانت عادة

منه إذا هي عرّدت إقدامها

فجاء بفعل قدّم وبمصدر أقدم ، وقال سيبويه : «إن فعّل وأفعل يتعاقبان» على أن التفرقة عند مثبتها ، تفرقة في معنى الفعل لا في حالة مفعوله بالأجسام.

والتفسير في الاصطلاح نقول : هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار أو توسع. والمناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه لا يحتاج إلى تطويل.

وموضوع التفسير : ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه وما يستنبط منه ، وبهذه

١٠

الحيثية خالف علم القراءات لأن تمايز العلوم ـ كما يقولون ـ بتمايز الموضوعات وحيثيات الموضوعات.

هذا وفي عد التفسير علما تسامح ؛ إذ العلم إذا أطلق ، إما أن يراد به نفس الإدراك ، نحو قول أهل المنطق : العلم إما تصور وإما تصديق ، وإما أن يراد به الملكة المسماة بالعقل وإما أن يراد به التصديق الجازم وهو مقابل الجهل ، وهذا غير مراد في عد العلوم ، وإما أن يراد بالعلم المسائل المعلومات وهي مطلوبات خبرية يبرهن عليها في ذلك العلم وهي قضايا كلية ، ومباحث هذا العلم ليست بقضايا يبرهن عليها فما هي بكلية ، بل هي تصورات جزئية غالبا لأنه تفسير ألفاظ أو استنباط معان. فأما تفسير الألفاظ فهو من قبيل التعريف اللفظي وأما الاستنباط فمن دلالة الالتزام وليس من القضية.

فإذا قلنا إن يوم الدين في قوله تعالى : ملك يوم الدين [الفاتحة : ٤] هو يوم الجزاء ، وإذا قلنا أن قوله تعالى : (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) [الأحقاف : ١٥] مع قوله : (وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) [لقمان : ١٤] يؤخذ منه أن أقل الحمل ستة أشهر عند من قال ذلك ، لم يكن شيء من ذلك قضية ، بل الأول تعريف لفظي ، والثاني من دلالة الالتزام ولكنهم عدوا تفسير ألفاظ القرآن علما مستقلا أراهم فعلوا ذلك لواحد من وجوه ستة :

الأول : أن مباحثه لكونها تؤدّي إلى استنباط علوم كثيرة وقواعد كلية ، نزلت منزلة القواعد الكلية لأنها مبدأ لها ومنشأ ، تنزيلا للشيء منزلة ما هو شديد الشبه به بقاعدة ما قارب الشيء يعطى حكمه ، ولا شك أن ما تستخرج منه القواعد الكلية والعلوم أجدر بأن يعد علما من عد فروعه علما ، وهم قد عدوا تدوين الشعر علما لما في حفظه من استخراج نكت بلاغية وقواعد لغوية.

والثاني أن نقول : إن اشتراط كون مسائل العلم قضايا كلية يبرهن عليها في العلم خاص بالعلوم المعقولة ، لأن هذا اشتراط ذكره الحكماء في تقسيم العلوم ، أما العلوم الشرعية والأدبية فلا يشترط فيها ذلك ، بل يكفي أن تكون مباحثها مفيدة كمالا علميا لمزاولها ، والتفسير أعلاها في ذلك ، كيف وهو بيان مراد الله تعالى من كلامه ، وهم قد عدوا البديع علما والعروض علما وما هي إلا تعاريف لألقاب اصطلاحية.

والثالث أن نقول : التعاريف اللفظية تصديقات على رأي بعض المحققين فهي تؤول إلى قضايا ، وتفرّع المعاني الجمة عنها نزّلها منزلة الكلية ، والاحتجاج عليها بشعر العرب وغيره يقوم مقام البرهان على المسألة ، وهذا الوجه يشترك مع الوجه الأول في تنزيل

١١

مباحث التفسير منزلة المسائل ، إلا أن وجه التنزيل في الأول راجع إلى ما يتفرع عنها ، وهنا راجع إلى ذاتها مع أن التنزيل في الوجه الأول في جميع الشروط الثلاثة وهنا في شرطين ، لأن كونها قضايا إنما يجىء على مذهب بعض المنطقيين.

الرابع أن نقول : إن علم التفسير لا يخلو من قواعد كلية في أثنائه مثل تقرير قواعد النسخ عند تفسير (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) [البقرة : ١٠٦] وتقرير قواعد التأويل عند تقرير (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) [آل عمران : ٧] وقواعد المحكم عند تقرير (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) [آل عمران : ٧] ، فسمى مجموع ذلك وما معه علما تغليبا ، وقد اعتنى العلماء بإحصاء كليات تتعلق بالقرآن ، وجمعها ابن فارس ، وذكرها عنه في «الإتقان» وعني بها أبو البقاء الكفوي في «كلياته» ، فلا بدع أن تزاد تلك في وجوه شبه مسائل التفسير بالقواعد الكلية.

الخامس : أن حق التفسير أن يشتمل على بيان أصول التشريع وكلياته فكان بذلك حقيقا بأن يسمى علما ولكن المفسرين ابتدءوا بتقصي معاني القرآن فطفحت عليهم وحسرت دون كثرتها قواهم ، فانصرفوا عن الاشتغال بانتزاع كليات التشريع إلا في مواضع قليلة.

السادس ـ وهو الفصل ـ : أن التفسير كان أول ما اشتغل به علماء الإسلام قبل الاشتغال بتدوين بقية العلوم ، وفيه كثرت مناظراتهم وكان يحصل من مزاولته والدربة فيه لصاحبه ملكة يدرك بها أساليب القرآن ودقائق نظمه ، فكان بذلك مفيدا علوما كلية لها مزيد اختصاص بالقرآن المجيد ، فمن أجل ذلك سمي علما.

ويظهر أن هذا العلم إن أخذ من حيث إنه بيان وتفسير لمراد الله من كلامه كان معدودا من أصول العلوم الشرعية وهي التي ذكرها الغزالي في الضرب الأول من العلوم الشرعية المحمودة من كتاب «الإحياء» ، لأنه عد أولها الكتاب والسنة ، ولا شك أنه لا يعني بعلم الكتاب حفظ ألفاظه بل فهم معانيها وبذلك صح أن يعد رأس العلوم الإسلامية كما وصفه البيضاوي بذلك ، وإن أخذ من حيث ما فيه من بيان مكي ومدني ، وناسخ ومنسوخ ، ومن قواعد الاستنباط التي تذكر أيضا في علم أصول الفقه من عموم وخصوص وغيرهما كان معدودا في متممات العلوم الشرعية المذكورة في الضرب الرابع من كلام الغزالي (١) ، وبذلك الاعتبار عد فيها إذ قال : «الضرب الرابع المتممات وذلك في علم

__________________

(١) حيث قسم العلوم إلى شرعية وغيرها ، وقسم الشرعية إلى محمودة ومذمومة ، وقسم المحمودة منها

١٢

القرآن ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ ، كعلم القراءات ، وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير فإن اعتماده أيضا على النقل ، وإلى ما يتعلق بأحكامه كالناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص ، وكيفية استعمال البعض منه مع البعض وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه» وهو بهذا الاعتبار لا يكون رئيس العلوم الشرعية.

والتفسير أول العلوم الإسلامية ظهورا ، إذ قد ظهر الخوض فيه في عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إذ كان بعض أصحابه قد سأل عن بعض معاني القرآن كما سأله عمر رضي‌الله‌عنه عن الكلالة ، ثم اشتهر فيه بعد من الصحابة علي وابن عباس وهما أكثر الصحابة قولا في التفسير ، وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب ، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي‌الله‌عنهم ، وكثر الخوض فيه ، حين دخل في الإسلام من لم يكن عربي السجية ، فلزم التصدي لبيان معاني القرآن لهم ، وشاع عن التابعين وأشهرهم في ذلك مجاهد وابن جبير ، وهو أيضا أشرف العلوم الإسلامية ورأسها على التحقيق.

وأما تصنيفه فأول من صنف فيه عبد الملك بن جريج المكي المولود سنة ٨٠ ه‍ والمتوفى سنة ١٤٩ ه‍. صنف كتابه في تفسير آيات كثيرة وجمع فيه آثارا وغيرها أكثر روايته عن أصحاب ابن عباس مثل عطاء ومجاهد ، وصنفت تفاسير ونسبت روايتها إلى ابن عباس ، لكن أهل الأثر تكلموا فيها وهي «تفسير محمد بن السائب الكلبي» المتوفى سنة ١٤٦ ه‍ عن أبي صالح عن ابن عباس ، وقد رمي أبو صالح بالكذب حتى لقب بكلمة «دروغدت» بالفارسية بمعنى الكذاب (١) وهي أوهى الروايات فإذا انضم إليها رواية محمد بن مروان السّدّي عن الكلبي فهي سلسلة الكذب (٢) ، أرادوا بذلك أنها ضد ما لقبوه بسلسلة الذهب ، وهي مالك عن نافع عن ابن عمر. وقد قيل إن الكلبي كان من أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل ، الذي أسلم وطعن في الخلفاء الثلاثة وغلا في حب علي بن أبي

__________________

إلى أضرب أربعة : أصول وفروع ومقدمات ومتممات ، فالأصول الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة ، والثاني الفروع وهو ما فهم من الأصول ، وهو الفقه وعلم أحوال القلوب ، والثالث المقدمات كالنحو واللغة ، والرابع المتممات للقرآن وللسنة وللآثار وهي القراءات والتفسير والأصول وعلم الرجال وليس في العلوم الشرعية مذموم إلا عرضا ، كبعض أحوال علم الكلام ، وبعض الفقه الذي يقصد للتحيل ونحوه.

(١) «تفسير القرطبي».

(٢) «الإتقان».

١٣

طالب ، وقال إن عليا لم يمت وإنه يرجع إلى الدنيا وقد قيل إنه ادعى إلهية علي.

وهنا لك رواية مقاتل ورواية الضحاك ، ورواية علي بن أبي طلحة الهاشمي كلها عن ابن عباس ، وأصحها رواية علي بن أبي طلحة ، وهي التي اعتمدها البخاري في كتاب التفسير من «صحيحه» فيما يصدّر به من تفسير المفردات على طريقة التعليق ، وقد خرّج في «الإتقان» ، جميع ما ذكره البخاري من تفسير المفردات ، عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس مرتبة على سور القرآن. والحاصل أن الرواية عن ابن عباس ، قد اتخذها الوضّاعون والمدلسون ملجأ لتصحيح ما يروونه كدأب الناس في نسبة كل أمر مجهول من الأخبار والنوادر ، لأشهر الناس في ذلك المقصد.

وهنا لك روايات تسند لعلي رضي‌الله‌عنه ، أكثرها من الموضوعات ، إلا ما روي بسند صحيح ، مثل ما في «صحيح البخاري» ونحوه ، لأن لعلي أفهاما في القرآن كما ورد في «صحيح البخاري» عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ليس في كتاب الله فقال : «لا والذي فلق الحبة ، وبرأ النّسمة ، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن» ثم تلا حق العلماء في تفسير القرآن وسلك كل فريق مسلكا يأوي إليه وذوقا يعتمد عليه.

فمنهم من سلك مسلك نقل ما يؤثر عن السلف ، وأول من صنف في هذا المعنى ، مالك بن أنس ، وكذلك الداودي تلميذ السيوطي في «طبقات المفسرين» ، وذكره عياض في «المدارك» إجمالا. وأشهر أهل هذه الطريقة فيما هو بأيدي الناس محمد بن جرير الطبري.

ومنهم من سلك مسلك النظر كأبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي ، وشغف كثير بنقل القصص عن الإسرائيليات ، فكثرت في كتبهم الموضوعات ، إلى أن جاء في عصر واحد عالمان جليلان أحدهما بالمشرق ، وهو العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري ، صاحب «الكشاف» ، الآخر بالمغرب بالأندلس وهو الشيخ عبد الحق بن عطية ، فألف تفسيره المسمى ب «المحرر الوجيز» ، كلاهما يغوص على معاني الآيات ، ويأتي بشواهدها من كلام العرب ويذكر كلام المفسرين إلا أن منحى البلاغة والعربية بالزمخشري أخص ، ومنحى الشريعة على ابن عطية أغلب ، وكلاهما عضادتا الباب ، ومرجع من بعدهما من أولي الألباب.

وقد جرت عادة المفسرين بالخوض في بيان معنى التأويل ، وهل هو مساو للتفسير

١٤

أو أخص منه أو مباين؟ وجماع القول في ذلك أن من العلماء من جعلهما متساويين ، وإلى ذلك ذهب ثعلب وابن الأعرابي وأبو عبيدة ، وهو ظاهر كلام الراغب ، ومنهم من جعل التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمتشابه ، ومنهم من قال : التأويل صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل لدليل فيكون هنا بالمعنى الأصولي ، فإذا فسر قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) [الروم : ١٩] بإخراج الطير من البيضة ، فهو التفسير ، أو بإخراج المسلم من الكافر فهو التأويل ، وهنا لك أقوال أخر لا عبرة بها ، وهذه كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها إلا أن اللغة والآثار تشهد للقول الأول ، لأن التأويل مصدر أوّله إذا أرجعه إلى الغاية المقصودة ، والغاية المقصودة من اللفظ هو معناه وما أراده منه المتكلم به من المعاني فساوى التفسير ، على أنه لا يطلق إلا على ما فيه تفصيل معنى خفي معقول قال الأعشى :

على أنها كانت تأوّل حبّها

تأوّل ربعيّ السقاب فأصحبا

أي تبيين تفسير حبها أنه كان صغيرا في قلبه ، فلم يزل يشب حتى صار كبيرا كهذا السقب أي ولد الناقة ، الذي هو من السقاب الربيعية لم يزل يشب حتى كبر وصار له ولد يصحبه قاله أبو عبيدة ، وقد قال الله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) [الأعراف : ٥٣] أي ينتظرون إلا بيانه الذي هو المراد منه ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم في دعائه لابن عباس : «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» ، أي فهم معاني القرآن ، وفي حديث عائشة رضي‌الله‌عنها : «كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول في ركوعه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي يتأول القرآن» أي يعمل بقوله تعالى : (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) [النصر : ٣] فلذلك جمع في دعائه التسبيح والحمد وذكر لفظ الرب وطلب المغفرة فقولها «يتأول» صريح في أنه فسر الآية بالظاهر منها ولم يحملها على ما تشير إليه من انتهاء مدة الرسالة وقرب انتقاله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الذي فهمه منها عمر وابن عباس رضي‌الله‌عنهما.

١٥

المقدمة الثانية

في استمداد علم التفسير

استمداد العلم يراد به توقفه على معلومات سابق وجودها على وجود ذلك العلم عند مدوّنيه لتكون عونا لهم على إتقان تدوين ذلك العلم ، وسمى ذلك في الاصطلاح بالاستمداد عن تشبيه احتياج العلم لتلك المعلومات بطلب المدد ، والمدد العون والغواث ، فقرنوا الفعل بحرفي الطلب وهما السين والتاء ، وليس كل ما يذكر في العلم معدودا من مدده ، بل مدده ما يتوقف عليه تقومه ، فأما ما يورد في العلم من مسائل علوم أخرى عند الإفاضة في البيان ، مثل كثير من إفاضات فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» فلا يعدّ مددا للعلم ، ولا ينحصر ذلك ولا ينضبط ، بل هو متفاوت على حسب مقادير توسع المفسرين ومستطرداتهم ، فاستمداد علم التفسير للمفسر العربي ، والمولّد ، من المجموع الملتئم من علم العربية وعلم الآثار ، ومن أخبار العرب وأصول الفقه قيل : وعلم الكلام وعلم القراءات.

أما العربية فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة ، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ، أم حصلت بالتلقي والتعلم كالمعرفة الحاصلة للمولدين الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم ، والمولدين الذين درسوا علوم اللسان ودونوها. إن القرآن كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه ، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم لمن ليس بعربي بالسليقة ، ويعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي ، وهي : متن اللغة ، والتصريف ، والنحو ، والمعاني ، والبيان. ومن وراء ذلك استعمال العرب المتّبع من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم ، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين ، قال في «الكشاف» : «ومن حق مفسر كتاب الله الباهر ، وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها ، وما وقع به التحدي سليما من القادح ، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة

١٦

على مراحل» (١).

ولعلمي البيان والمعاني مزيد اختصاص بعلم التفسير لأنهما وسيلة لإظهار خصائص البلاغة القرآنية ، وما تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني وإظهار وجه الإعجاز ولذلك كان هذان العلمان يسميان في القديم علم دلائل الإعجاز قال في «الكشاف» : «علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كلّ ذي علم ، فالفقيه وإن برّز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القريّة أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علما البيان والمعاني ا ه» (٢).

وقال في تفسير سورة الزمر [٦٧] عند قوله تعالى : (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) : «وكم من آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول ، قد ضيم وسيم الخسف ، بالتأويلات الغثة ، والوجوه الرثة ، لأن من تأوّلها ليس من هذا العلم عير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلا منه من دبير» يريد به علم البيان.

وقال السكاكي في مقدمة القسم الثالث من كتاب «المفتاح» : «وفيما ذكرنا ما ينبّه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى وتقدس من كلامه مفتقر إلى هذين العلمين (المعاني والبيان) كلّ الافتقار ، فالويل كلّ الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل».

قال السيد الجرجاني في «شرحه» : «ولا شك أن خواص نظم القرآن أكثر من غيرها فلا بد لمن أراد الوقوف عليها ، إن لم يكن بليغا سليقة ، من هذين العلمين. وقد أصاب (السكاكي) بذكر الحكيم المحزّ ، أي أصاب المحزّ إذ خصّ بالذكر هذا الاسم من بين الأسماء الحسنى ، لأن كلام الحكيم يحتوي على مقاصد جليلة ومعاني غالية ، لا يحصل الاطلاع على جميعها أو معظمها إلا بعد التمرس بقواعد بلاغة الكلام المفرغة فيه ، وفي قوله ينبه إشارة إلى أن من حقه أن يكون معلوما ولكنه قد يغفل عنه ، وقوله فالويل كل الويل تنفير ، لأنّ من لم يعرف هذين العلمين إذا شرع في تفسير القرآن واستخراج لطائفه

__________________

(١) انظره عند قوله تعالى : (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) في سورة البقرة [١٥].

(٢) ديباجة «الكشاف».

١٧

أخطأ غالبا ، وإن أصاب نادرا كان مخطئا في إقدامه عليه ا ه».

وقوله تمام مراد الحكيم ، أي المقصود هو معرفة جميع مراد الله من قرآنه ، وذلك إما ليكثر الطلب واستخراج النكت ، فيدأب كل أحد للاطلاع على غاية مراد الله تعالى ، وإما أن يكون المراد الذي نصب عليه علامات بلاغية وهو منحصر فيما يقتضيه المقام بحسب التتبع ، والكل مظنة عدم التناهي وباعث للناظر على بذل غاية الجهد في معرفته ، والناس متفاوتون في هذا الاطلاع على قدر صفاء القرائح ووفرة المعلومات.

وقال أبو الوليد ابن رشد في جواب له عمن قال إنه لا يحتاج إلى لسان العرب ما نصه : «هذا جاهل فلينصرف عن ذلك وليتب منه فإنه لا يصح شيء من أمور الديانة والإسلام إلا بلسان العرب يقول الله تعالى : (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء : ١٩٥] إلا أن يرى أنه قال ذلك لخبث في دينه فيؤدبه الإمام على قوله ذلك بحسب ما يرى فقد قال عظيما ا ه».

ومراد السكاكي من تمام مراد الله ما يتحمله الكلام من المعاني الخصوصية ، فمن يفسر قوله تعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة : ٥] بأنا نعبدك لم يطلع على تمام المراد لأنه أهمل ما يقتضيه تقديم المفعول من القصد.

وقال في آخر فن البيان من «المفتاح» : «لا أعلم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ على المرء لمراد الله من كلامه من علمي المعاني والبيان ، ولا أعون على تعاطي تأويل متشابهاته ، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره ، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه ، ولكم آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت حقّها واستلبت ماءها ورونقها أن وقعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم ، فأخذوا بها في مآخذ مردودة ، وحملوها على محامل غير مقصودة إلخ».

وقال الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز». في آخر فصل المجاز الحكمي : «ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم ، أن يتوهموا ألباب الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها (أي على الحقيقة) ، فيفسدوا المعنى بذلك ويبطلوا الغرض ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف ، وناهيك بهم إذا أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل ، هنا لك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه ، وزند ضلالة قد قدحوا به».

١٨

وأما استعمال العرب ، فهو التملي من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وأمثالهم وعوائدهم ومحادثاتهم ، ليحصل بذلك لممارسة المولّد ذوق يقوم عنده مقام السليقة والسجية عند العربي القحّ «والذوق كيفية للنفس بها تدرك الخواص والمزايا التي للكلام البليغ» قال شيخنا الجد الوزير «وهي ناشئة عن تتبع استعمال البلغاء فتحصل لغير العربي بتتبع موارد الاستعمال والتدبر في الكلام المقطوع ببلوغه غاية البلاغة ، فدعوى معرفة الذوق لا تقبل إلا من الخاصة وهو يضعف ويقوى بحسب مثافنة ذلك التدبر» ا ه.

ولله دره في قوله المقطوع ببلوغه غاية البلاغة المشير إلى وجوب اختيار الممارس لما يطالعه من كلامهم وهو الكلام المشهود له بالبلاغة بين أهل هذا الشأن ، نحو «المعلقات» و«الحماسة» ونحو «نهج البلاغة» و«مقامات الحريري» و«رسائل بديع الزمان».

قال صاحب «المفتاح» قبيل الكلام على اعتبارات الإسناد الخبري «ليس من الواجب في صناعته وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل ، أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها ، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكيمات وضعية واعتبارات إلفية ، فلا بأس على الدخيل في علم المعاني ، أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق ا ه».

ولذلك ـ أي لإيجاد الذوق أو تكميله ـ لم يكن غنى للمفسر في بعض المواضع من الاستشهاد على المراد في الآية ببيت من الشعر أو بشيء من كلام العرب لتكميل ما عنده من الذوق ، عند خفاء المعنى ، ولإقناع السامع والمتعلم الذين لم يكمل لهما الذوق في المشكلات.

وهذا ـ كما قلناه آنفا ـ شيء وراء قواعد علم العربية ، وعلم البلاغة به يحصل انكشاف بعض المعاني واطمئنان النفس لها ، وبه يترجح أحد الاحتمالين على الآخر في معاني القرآن ألا ترى أنه لو اطّلع أحد على تفسير قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ) [الحجرات : ١١] ، وعرض لديه احتمال أن يكون عطف قوله : (وَلا نِساءٌ) على قوله : (قَوْمٌ) عطف مباين ، أو عطف خاص على عام فاستشهد المفسر في ذلك بقول زهير :

وما أدري وسوف إخال أدرى

أقوم آل حصن أم نساء

كيف تطمئن نفسه لاحتمال عطف المباين دون عطف الخاص على العام ، وكذلك

١٩

إذا رأى تفسير قوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) [المائدة : ٦] وتردد عنده احتمال أن الباء فيه للتأكيد أو أنها للتبعيض أو للآلة وكانت نفسه غير مطمئنة لاحتمال التأكيد إذ كان مدخول الباء مفعولا فإذا استشهد له على ذلك بقول النابغة :

لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا

وأصبح جدّ الناس يظلع عاثرا

وقول الأعشى :

فكلنا مغرم يهوى بصاحبه

قاص ودان ومحبول ومحتبل

رجح عنده احتمال التأكيد وظهر له أن دخول الباء على المفعول للتأكيد طريقة مسلوكة في الاستعمال.

روى أئمة الأدب أن عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه قرأ على المنبر قوله تعالى : (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ) [النحل : ٤٧] ثم قال ما تقولون فيها أي في معنى التخوف ، فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا ، التخوف التنقص ، فقال عمر : وهل تعرف العرب ذلك في كلامها؟ قال نعم قال أبو كبير الهذلي :

تخوّف الرّحل منها تامكا قردا

كما تخوّف عود النّبعة السّفن (١)

فقال عمر : «عليكم بديوانكم لا تضلوا ، هو شعر العرب فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم» وعن ابن عباس «الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغتهم رجعنا إلى ديوانهم فالتمسنا معرفة ذلك منه» وكان كثيرا ما ينشد الشعر إذا سئل عن بعض حروف القرآن. قال القرطبي سئل ابن عباس عن السّنة في قوله تعالى : (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) [البقرة : ٢٥٥] فقال النعاس وأنشد قول زهير :

لا سنة في طوال الليل تأخذه

ولا ينام ولا في أمره فند

وسئل عكرمة ما معنى الزنيم؟ فقال هو ولد الزنى وأنشد :

زنيم ليس يعرف من أبوه

بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم

فمما يؤثر (٢) عن أحمد بن حنبل رحمه‌الله أنه سئل عن تمثل الرجل ببيت شعر لبيان معنى في القرآن فقال : «ما يعجبني» فهو عجيب ، وإن صح عنه فلعله يريد كراهة أن يذكر

__________________

(١) التامك : السنام ، وقرد بفتح القاف وكسر الراء : كثير القراد ، والسفن ـ بفتحتين ـ المبرد.

(٢) ذكره الألوسي.

٢٠