🚘

الحدائق الناضرة - ج ١٦

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الحدائق الناضرة - ج ١٦

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


المحقق: محمّد تقي الإيرواني
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
🚘 نسخة غير مصححة

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

المقصد الخامس

في الإحصار والصد

قال في القاموس : الحصر ـ كالضرب والنصر ـ : التضييق والحبس عن السفر وغيره. وقال : صد فلانا عن كذا : منعه. ونحوه نقل عن الجوهري. وقال في كتاب المصباح المنير : حصره العدو حصرا ـ من باب قتل ـ : أحاطوا به ومنعوه من المضي لأمره. وقال ابن السكيت وثعلب : حصره العدو في منزله : حبسه ، وأحصره المرض بالألف : منعه من السفر. وقال الفراء : هذا هو كلام العرب ، وعليه أهل اللغة. وقال ابن القوطية وأبو عمرو الشيباني : حصره العدو والمرض وأحصره ، كلاهما بمعنى حبسه. انتهى كلامه في المصباح. وقال في مادة «صد» : صددته عن كذا صدا ـ من باب قتل ـ : منعته وصرفته.

أقول : ظاهر كلام أهل اللغة مختلف في ترادف «حصر» و «أحصر» أو تغايرهما ، فظاهر ما نقله في المصباح ـ عن ابن القوطية وابي عمرو ـ الأول ، وما نقله عن ابن السكيت وثعلب والفراء ـ الثاني.

٢

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك : المحصر اسم مفعول من «أحصر» إذا منعه المرض من التصرف ، ويقال للمحبوس : «حصر» بغير همز فهو محصور. وقال الفراء : يجوز ان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر. وخالفه أبو العباس المبرد والزجاج ، قال المبرد : نظيره «حبسه» جعله في الحبس ، و «احبسه» عرضه للحبس ، و «اقتله» عرضه للقتل ، وكذا «حصره» حبسه و «أحصره» عرضه للحصر. والفقهاء يستعملون اللفظين ـ اعني المحصر والمحصور ـ ههنا ، وهو جائز على رأي الفراء. انتهى.

والذي يظهر من ما قدمنا من كلامهم اتحاد الحصر والصد ، وانهما بمعنى المنع ، من عدو كان أو مرض. وهذا هو الذي عليه عامة فقهاء الجمهور (١) واما عند الإمامية ـ وهو الذي دلت عليه اخبارهم ـ فهو ان اللفظين متغايران ، وان الحصر هو المنع من تتمة أفعال الحج أو العمرة بالمرض ، والصد هو المنع بالعدو. قال العلامة في المنتهى : الحصر عندنا هو المنع من تتمة أفعال الحج ـ على ما يأتي ـ بالمرض خاصة ، والصد بالعدو ، وعند فقهاء المخالفين الحصر والصد واحد ، وهما من جهة العدو. انتهى. ونقل النيشابوري وغيره اتفاق المفسرين على ان قوله تعالى «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (٢) نزلت في حصر الحديبية (٣). ويفترقان أيضا في ان المصدود يحل له بالمحلل جميع ما حرمه الإحرام حتى النساء ، دون المحصور فإنه يحل له ما عدا النساء. وفي مكان الذبح ، فالمصدود يذبحه في محل الصد ، والمحصور

__________________

(١ و ٣) المغني ج ٣ ص ٣٢١ الى ٣٢٨ طبع مطبعة العاصمة.

(٢) سورة البقرة الآية ١٩٥.

٣

يبعث به الى مكة فيذبح بها ان كان الصد في العمرة ، أو الى منى ان كان في الحج. وسيجي‌ء تفصيل الكلام في ذلك ان شاء الله تعالى.

ومن الاخبار الدالة على تغايرهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (١) قال : «سمعت أبا عبد الله (عليه‌السلام) يقول : المحصور غير المصدود ، وقال : المحصور هو المريض ، والمصدود هو الذي رده المشركون ، كما ردوا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ليس من مرض. والمصدود تحل له النساء ، والمحصور لا تحل له النساء». ورواه الكليني بطريقين صحيحين عن معاوية بن عمار مثله (٢) ورواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله (٣).

ورواه في المقنع مرسلا (٤) ثم قال : والمحصور والمضطر يذبحان بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه ، وقد فعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ذلك يوم الحديبية حين رد المشركون بدنته وأبوا ان تبلغ المنحر ، فأمر بها فنحرت مكانه.

وما رواه في الكافي في الموثق عن زرارة عن ابي جعفر (عليه‌السلام) (٥) قال : «المصدود يذبح حيث صد ، ويرجع صاحبه فيأتي النساء. والمحصور يبعث بهديه فيعدهم يوما ، فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه. قلت : أرأيت ان ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحل فأتى النساء؟ قال : فليعد وليس عليه شي‌ء ، وليمسك الآن عن النساء إذا بعث».

__________________

(١) التهذيب ج ٥ ص ٤٢٣ و ٤٦٤ ، والوسائل الباب ١ من الإحصار والصد.

(٢ و ٣ و ٤ و ٥) الوسائل الباب ١ من الإحصار والصد.

٤

وما رواه في الكافي (١) في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر قال : «سألت أبا الحسن (عليه‌السلام) عن محرم انكسرت ساقه ، أي شي‌ء يكون حاله؟ وأي شي‌ء عليه؟ قال : هو حلال من كل شي‌ء. قلت : من النساء والثياب والطيب؟ فقال : نعم من جميع ما يحرم على المحرم. ثم قال : اما بلغك قول ابي عبد الله (عليه‌السلام) : حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي؟. قلت : أخبرني عن المحصور والمصدود هما سواء؟ فقال : لا. قلت : فأخبرني عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حين صده المشركون ، قضى عمرته؟ قال : لا ولكنه اعتمر بعد ذلك».

وما رواه في الكافي (٢) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «سألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي. قال : يواعد أصحابه ميعادا ، ان كان في الحج فمحل الهدي يوم النحر ، فإذا كان يوم النحر فليقص من رأسه ، ولا يجب عليه الحلق حتى يقضي المناسك ، وان كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكة والساعة التي يعدهم فيها ، فإذا كان تلك الساعة قصر وأحل. وان كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع رجع الى اهله ونحر بدنة ، أو أقام مكانه حتى يبرأ إذا كان في عمرة ، وإذا بري‌ء فعليه العمرة واجبة ، وان كان عليه الحج رجع أو أقام ففاته الحج ، فان عليه الحج من قابل ، فان الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) خرج معتمرا فمرض في الطريق ، فبلغ عليا (عليه‌السلام) ذلك

__________________

(١) ج ٤ ص ٣٦٩ ، والوسائل الباب ١ و ٨ من الإحصار والصد.

(٢) ج ٤ ص ٣٦٩ ، والوسائل الباب ٢ من الإحصار والصد.

٥

وهو في المدينة فخرج في طلبه ، فأدركه بالسقيا وهو مريض بها ، فقال : يا بني ما تشتكي؟ فقال : اشتكي رأسي. فدعا علي (عليه‌السلام) ببدنة فنحرها ، وحلق رأسه ، ورده إلى المدينة ، فلما بري‌ء من وجعه اعتمر قلت : أرأيت حين بري‌ء من وجعه قبل ان يخرج إلى العمرة حلت له النساء؟ قال : لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة. قلت : فما بال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حين رجع من الحديبية حلت له النساء ولم يطف بالبيت؟ قال : ليسا سواء ، كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) مصدودا والحسين (عليه‌السلام) محصورا». ورواه الشيخ في التهذيب (١) في الصحيح عن معاوية بن عمار عنه (عليه‌السلام) مثله على اختلاف في ألفاظه. وزاد بعد قوله : «فان عليه الحج من قابل» «فان ردوا الدراهم عليه ولم يجدوا هديا ينحرونه وقد أحل لم يكن عليه شي‌ء ولكن يبعث من قابل ويمسك ايضا».

الى غير ذلك من الاخبار الآتي جملة منها ان شاء الله تعالى.

إذا عرفت ذلك فتفصيل الكلام في هذا المقام يقتضي بسطه في مطلبين :

الأول ـ في المصدود ، من صد بالعدو بعد تلبسه بالإحرام ولا طريق له غيره ، أو كان وقصرت نفقته عنه ، تحلل بالإجماع.

وتفصيل هذه الجملة انه إذا تلبس بالإحرام ـ لحج كان أو لعمرة ـ تعلق به وجوب الإتمام إجماعا ، لقوله (عزوجل) (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) (٢). ولو صد في إحرامه ذلك عن الوصول إلى مكة أو الموقفين

__________________

(١) ج ٥ ص ٤٢١ و ٤٢٢ ، والوسائل الباب ٢ من الإحصار والصد.

(٢) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

٦

ولا طريق غير موضع العدو ، أو كان ولا نفقة لسلوكه ، ذبح هديه أو نحره بمكان الصد بنية التحلل ، فيحل على الإطلاق سواء كان في الحرم أو خارجه ، ولا ينتظر في إحلاله بلوغ الهدي محله ، ولا يراعى زمانا ولا مكانا في إحلاله. وانما اعتبرنا نية التحلل لان الذبح يقع على وجوه متعددة ، والفعل متى كان كذلك فلا ينصرف إلى أحدها إلا بقصده ونيته ، كما تقدم تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب الطهارة في بحث نية الوضوء. هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله ـ تعالى ـ عليهم).

قال في المختلف : واليه ذهب الشيخان ، وابن البراج ، وابن حمزة ، وسلار ، وابن إدريس ، وهو الظاهر من كلام علي بن بابويه ، حيث قال : وإذا صد رجل عن الحج وقد أحرم ، فعليه الحج من قابل ولا بأس بمواقعة النساء ، لانه مصدود ، وليس كالمحصور. وقال أبو الصلاح : وإذا صد المحرم بالعدو أو أحصر بالمرض عن تأدية المناسك ، فلينفذ القارن هديه ، والمتمتع والمفرد ما يبتاع به شاة فما فوقها ، فإذا بلغ الهدي محله ـ وهو يوم النحر ـ فليحلق رأسه ، ويحل المصدود بالعدو من كل شي‌ء أحرم منه. وقال ابن الجنيد : وإذا كان المصدود سائقا فصدت بدنته ايضا ، نحوها حيث صدت ، ورجع حلالا من النساء ومن كل شي‌ء أحرم منه ، فان منع هو ولم يمنع وصول بدنته إلى الكعبة ، أنفذ هديه مع من ينحره واقام على إحرامه إلى الوقت الذي يواعد فيه نحرها. وقال الشيخ في الخلاف! إذا أحصر بالعدو جاز ان يذبح هديه مكانه ، والأفضل ان ينفذ به الى منى أو مكة.

٧

أقول : ما نقله في المختلف عن ابن إدريس ـ من قوله بالقول المشهور ـ صحيح بالنظر الى صدر عبارته في السرائر ، إلا ان كلامه في آخرها يشعر بالعدول عنه ، حيث قال : قال محمد بن إدريس : واما المصدود فهو الذي يصده العدو عن الدخول إلى مكة والوقوف بالموقفين فإذا كان ذلك ذبح هديه في المكان الذي صد فيه سواء كان في الحرم أو خارجه ، لان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) صده المشركون بالحديبية ـ اسم بئر ـ وهو خارج الحرم ، يقال : الحديبية بالتخفيف والتثقيل وسألت ابن العصار الفوهي (١) فقال : أهل اللغة يقولونها بالتخفيف وأصحاب الحديث يقولونها بالتشديد. وخطه عندي بذلك ، وكان إمام اللغة ببغداد. ولا ينتظر في إحلاله بلوغ الهدي محله ، ولا يراعي زمانا ولا مكانا في إحلاله. فإذا كان قد ساق هديا ذبحه ، وان كان لم يسق هديا ، فإذا كان اشترط في إحرامه ان عرض له عارض يحله حيث حبسه ، فليحل ولا هدي عليه ، وان لم يشترط فلا بد من الهدي وبعضهم يخص وجوب الهدي بالمحصور لا بالمصدود. وهو الأظهر ، لأن الأصل براءة الذمة. ولقوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (٢) أراد به المرض ، لانه يقال : «أحصره المرض وحصره العدو» ويحل من كل شي‌ء أحرم منه ، من النساء وغيره ، اعني : المصدود بالعدو. انتهى. وعلى هذا فالأولى نقل ما اختاره في جملة

__________________

(١) كذا في السرائر المطبوع باب حكم المحصور والمصدود ، وفي هامشه هكذا : (اللغوي خ ل) ، وفي كتب التراجم هكذا : (ابن العصار الرقي اللغوي) كما في إنباء الرواة ج ٢ ص ٢٩١ وبغية الوعاة ج ٢ ص ١٧٥.

(٢) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

٨

الأقوال المخالفة للقول المشهور.

والظاهر هو القول المشهور. ويدل على ذلك ما تقدم في موثقة زرارة عن ابي جعفر (عليه‌السلام) (١) من قوله : «المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء ، والمحصور يبعث بهديه. الى آخره».

وما رواه الصدوق (قدس‌سره) مرسلا (٢) قال! «قال الصادق (عليه‌السلام) : المحصور والمضطر ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطران فيه».

وما رواه في الكافي (٣) عن حمران عن ابي جعفر (عليه‌السلام) قال : «ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حين صد بالحديبية قصر وأحل ونحر ثم انصرف منها ، ولم يجب عليه الحلق حتى يقضي النسك فاما المحصور فإنما يكون عليه التقصير».

وروى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٤) قال : «ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حيث صده المشركون يوم الحديبية نحر بدنة ورجع الى المدينة».

وهذه الاخبار ـ كما ترى ـ صريحة في كون الحكم الشرعي في المصدود هو التحلل بذبح أو نحر نسكه في محل الصد ، ثم الرجوع محلا.

وقال في المدارك! وهذا الحكم ـ اعني : توقف التحلل على ذبح

__________________

(١) الوسائل الباب ١ من الإحصار والصد.

(٢) الفقيه ج ٢ ص ٣٠٥ ، والوسائل الباب ٦ من الإحصار والصد.

(٣) ج ٤ ص ٣٦٨ ، والوسائل الباب ٦ من الإحصار والصد.

(٤) التهذيب ج ٥ ص ٤٢٤ ، والوسائل الباب ٩ من الإحصار والصد رقم ٥.

٩

الهدي ناويا به التحلل ـ مذهب الأكثر. واستدل عليه في المنتهى بقوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١). وبان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حيث صده المشركون يوم الحديبية نحر بدنة ثم رجع الى المدينة (٢). قال : وفعله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) بيان للواجب ، فيكون واجبا. وقد يقال : ان مورد الآية الشريفة الحصر ، وهو خلاف الصد على ما ثبت بالنص الصحيح. وفعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) لم يثبت كونه بيانا للواجب ، وبدون ذلك يحتمل الندب. وقال ابن إدريس : يتحلل المصدود بغير هدي ، لأصالة البراءة. ولأن الآية الشريفة إنما تضمنت الهدي في المحصور وهو خلاف المصدود. وقال في الدروس : ويدفعه صحيحة معاوية بن عمار (٣) : «ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حين صده المشركون يوم الحديبية نحر وأحل». ويتوجه عليه ما سبق. وبالجملة فالمسألة محل اشكال ، وان كان المشهور لا يخلو من رجحان ، تمسكا باستصحاب حكم الإحرام الى ان يعلم حصول المحلل. وتؤيده رواية زرارة. ثم أورد موثقته التي قدمناها ، ثم أورد مرسلة ابن بابويه التي قدمناها أيضا.

أقول : الظاهر ان هذه المناقشة من المناقشات الواهية ، فإن الظاهر من كلام العلامة في المنتهى ان الحكم بذلك مجمع عليه بين الخاصة والعامة ، حيث لم ينقل فيه الخلاف إلا عن مالك ، قال (قدس‌سره) : وإنما يتحلل المصدود بالهدي ونية التحلل معا ، اما الهدي فقد أجمع

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

(٢ و ٣) التهذيب ج ٥ ص ٤٢٤ ، والوسائل الباب ٩ من الإحصار والصد رقم ٥.

١٠

عليه أكثر العلماء ، وحكى عن مالك انه لا هدي عليه (١) لنا : قوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (٢) قال الشافعي : لا خلاف بين أهل التفسير ان هذه الآية نزلت في حصر الحديبية (٣) ولأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حيث صده المشركون. الى آخر ما نقله. وبذلك يظهر انه لا مخالف إلا ما يظهر من كلام ابن إدريس ونقله ذلك عن بعضهم.

واما قوله ـ : ان مورد الآية الشريفة الحصر ، وهو خلاف الصد على ما ثبت بالنص الصحيح ـ ففيه ان التحقيق ان يقال : ان المراد من الحصر في الآية الشريفة انما هو المعنى اللغوي الذي قدمنا نقله عن جملة أهل اللغة الشامل للحصر والصد ، وهو عبارة عن مطلق المنع بعد وكان أو مرض أو نحوهما. والفرق بين المصدود والمحصر انما هو عرف خاص عندهم (صلوات الله عليهم) كما نطقت به اخبارهم.

ويعضد ما ذكرناه من معنى الآية ما صرح به أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان ، حيث قال : وقوله «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» فيه قولان : أحدهما ان معناه : وان منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك. عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء ، وهو المروي عن أئمتنا (عليهم‌السلام). والثاني ان معناه : ان منعكم حابس قاهر. عن مالك «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» : فعليكم ما سهل من الهدي أو فاهدوا ما تيسر من الهدي إذا أردتم الإحلال. انتهى كلامه (قدس‌سره). وبه يزول الإشكال في هذا المجال.

__________________

(١ و ٣) المغني ج ٣ ص ٣٢١ طبع مطبعة العاصمة.

(٢) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

١١

ويعضد ذلك ما نقله في المنتهى عن الشافعي ـ ونقله الشارح نفسه في صدر البحث عن النيشابوري ـ من إجماع المفسرين على ان نزول الآية المذكورة في حصر الحديبية (١).

وحينئذ فإذا ثبت ان المراد بالحصر في الآية المذكورة ما يشمل الصد بالمعنى المذكور فالله ـ سبحانه ـ قد أوجب فيه الهدي ، لقوله (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (٢) أي فعليكم ، كما ذكره في المجمع. فالآية ظاهرة في المراد عارية عن وصمة الإيراد. وتعضدها الأخبار المتقدمة.

واما قوله ـ : وفعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) لم يثبت كونه بيانا للواجب ـ فهو مردود بما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة ، في مسألة وجوب الابتداء في غسل الوجه بالأعلى ، من الوجوه التي ذكرناها ثمة حيث ان الآية دلت على الغسل بقول مطلق ، والوضوءات البيانية دلت على الابتداء بالأعلى. ومثله ما نحن فيه ، فان الآية قد دلت على ما تيسر من الهدي في مرض كان أو عدو كما عرفت ، والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) قد فعله بيانا ، وهو الحافظ للشريعة والمبلغ لأحكامها.

هذا ما اراده العلامة (قدس‌سره) من وجه الاستدلال ، فإنه بني الكلام في الخبر على ما ذكره من معنى الآية ، لا ان المراد ما توهمه من ان مجرد فعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) أعم من الوجوب والندب.

ومع قطع النظر عن ما ذكرناه فان للمستدل ان يتمسك بما ذكره من استصحاب حال الإحرام ، والاستصحاب هنا دليل شرعي باتفاق الأصحاب ـ كما تقدم في مقدمات الكتاب ـ فان مرجعه الى عموم الدليل

__________________

(١) المغني ج ٣ ص ٣٢١ طبع مطبعة العاصمة.

(٢) سورة البقرة الآية ١٩٥.

١٢

وشموله لجميع الحالات إلا ما يخرج بدليل ، مثل قولهم : «كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر» (١). ونحوه ، فان الدليل هنا دل على عموم التحريم بعد انعقاد الإحرام لجميع ما علم تحريمه على المحرم حتى يثبت المحلل ، فالواجب عليه وعلى من يقول بقوله إثبات التحليل بمجرد الصد من غير هدي بالكلية ليتم له المراد ، ودونه خرط القتاد. وبالجملة فإن التمسك بذلك أقوى دليل في المقام ، وتخرج الاخبار شاهدة على الحكم المذكور ، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

ومع قطع النظر عن جميع ذلك فان لك ان تقول : ان الأحكام الشرعية أمور متلقاة من الشارع ، والذي ورد في الاخبار ـ سيما وقد اعتضد بالاتفاق عليه والإجماع ـ هو وجوب الهدي وتوقف التحليل عليه. وهذه المناقشة من ابن إدريس بناء على أصله الغير الأصيل وان أمكنت إلا انها من مثله (قدس‌سره) غير جيدة.

وقد أشار الى هذه المناقشة شيخه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث قال : ودليل التحلل بالذبح أو النحر الإجماع المنقول في المنتهى. ثم ذكر كلام المنتهى والاخبار ، الى ان قال في آخر الكلام : ومع ذلك يحتمل الرخصة. انتهى.

واما ما ذكره العلامة من الأقوال المخالفة للمشهور في المسألة فإنه لم ينقل عليه دليلا من طرف أحد من أولئك القائلين. ولم أقف في الاخبار على ما يدل على شي‌ء منها إلا على ما نقله عن الشيخ علي بن بابويه ، فإنه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي ، ومنه يعلم انه مستنده

__________________

(١) ارجع الى الحدائق ج ١ ص ٤٢ وج ٥ ص ٢٥٥.

١٣

حيث قال (عليه‌السلام) (١) : وان صد رجل عن الحج وقد أحرم فعليه الحج من قابل ، ولا بأس بمواقعة النساء ، لان هذا مصدود ، وليس كالمحصور. وظاهر هذا الكلام ربما أشعر بعدم وجوب الهدي وان التحلل يحصل بدونه ، كما ذهب اليه ابن إدريس ، الا ان غايته انه مطلق بالنسبة الى ذلك ، فيجب تقييده بما ذكرناه من الآية والروايات.

واما ما ذكره أبو الصلاح ـ من إنفاذ المصدود هديه كالمحصور ، وانه يبقى على إحرامه الى ان يبلغ الهدي محله ـ فترده الأخبار المتقدمة بالفرق بينهما في ذلك ، وان المصدود ينحر هديه في موضع الصد ويتحلل. ويأتي ما يؤيدها أيضا.

واما تفصيل ابن الجنيد في البدنة ـ بين إمكان إرسالها فيجب أو عدمه فينحرها في مكان الصد ـ ففيه انه ـ مع عدم الدليل على هذا التفصيل ـ مخالف لإطلاق الأخبار المتقدمة.

وتنقيح البحث في المسألة يتوقف على رسم مقالات الاولى ـ لو اتفق له طريق غير موضع الصد ، وكانت له نفقة تقوم به ، فظاهر الأصحاب الاتفاق على وجوب المضي عليه ولا يتحلل ، وان علم انه لا يدرك الحج. قالوا : اما وجوب المضي عليه في الصورة المذكورة فلعدم تحقق الصد يومئذ ، واما عدم جواز التحلل على هذا التقدير وان خشي الفوت فلأن التحلل بالهدي إنما يسوغ مع الصد والمفروض انه ليس بمصدود. وحينئذ فيجب عليه سلوك تلك الطريق الى ان يتحقق الفوات ، فيتحلل بعمرة كما هو شأن من فاته الحج. ويقضيه في السنة الأخرى ان كان واجبا من حجة الإسلام أو نذر غير معين.

__________________

(١) ص ٢٩.

١٤

والا تخير ان كان مستحبا. وبالجملة فإنه بالتمكن من سلوك طريق غير الطريق التي صد عنها يكون خارجا عن افراد المصدود ، فان فاته الحج ترتبت عليه أحكام الفوات في غير هذه الصورة ، والا فلا.

الثانية ـ هل يشترط في جواز التحلل بالصد عدم رجاء زوال العذر؟ ظاهر كلام الأصحاب العدم ، حيث صرحوا بجواز التحلل مع ظن انكشاف العدو قبل الفوات.

قال المحقق (قدس‌سره) في الشرائع : إذا غلب على ظنه انكشاف العدو قبل الفوات جاز له التحلل لكن الأفضل البقاء على إحرامه.

قال شيخنا في المسالك! وجه الجواز تحقق الصد حينئذ فيلحقه حكمه ، وان كان الأفضل الصبر مع الرجاء فضلا عن غلبة الظن ، عملا بظاهر الأمر بالإتمام.

قال في المدارك بعد نقل ذلك : ولا ريب في أفضلية الصبر كما ذكره ، وانما الكلام في جواز التحلل مع غلبة الظن بانكشاف العدو قبل فوات الحج ، فان ما وصل إلينا من الروايات لا عموم فيه بحيث يتناول هذه الصورة ، ومع انتفاء العموم يشكل الحكم بالجواز.

أقول : لا ريب في ان إطلاق الاخبار المتقدمة شامل لما ذكره الأصحاب ، فإن التحلل فيها بذبح الهدي وقع معلقا على حصول الصد الشامل بإطلاقه لما لو ظن انكشاف العدو قبل الفوات وعدمه. وهذا هو الذي أشار إليه جده بقوله : «وجه الجواز تحقق الصد فيلحقه حكمه» بمعنى ان هذه الأحكام ترتبت على مطلق الصد وهو هنا مصدود فيلحقه حكمه.

قال في المدارك بناء على ما ذكره من المناقشة : ولو قيل بالاكتفاء

١٥

في جواز التحلل بظن عدم انكشاف العدو قبل الفوات كان حسنا.

أقول : قد بينا ان إطلاق النصوص أعم من ما ذكره ، فلا سبيل الى تقييدها من غير دليل.

الثالثة ـ قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز للمصدود في إحرام الحج وعمرة التمتع البقاء على إحرامه الى ان يتحقق الفوات فيتحلل بالعمرة ، كما هو شأن من فاته الحج. بل تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني انه الأفضل ، وان جاز التحلل ، للأمر بالإتمام في الآية (١). ويجب عليه إكمال أفعال العمرة ان تمكن ، وإلا تحلل بالهدي. ولو كان إحرامه بعمرة مفردة لم يتحقق الفوات بل يتحلل منها عند تعذر إكمالها ، ولو أخر التحلل كان جائزا ، فإن يئس من زوال العذر تحلل بالهدي حينئذ.

الرابعة ـ اختلف الأصحاب في انه هل يجب على المصدود الحلق أو التقصير ويتوقف تحلله عليه بعد الذبح أم لا؟ قولان.

قال في المختلف : قال سلار : واما المصدود بالعدو فإنه ينحر الهدي حيث انتهى اليه ، ويقصر من شعره ، وقد أحل من كل شي‌ء أحرم منه. وهو يشعر باشتراط التقصير في الحل. وكذا يفهم من كلام ابي الصلاح ، الا انه قال : فليحلق رأسه. ولم يشترط الشيخ ذلك. انتهى.

وقوى الشهيدان في الدروس والمسالك وجوب الحلق أو التقصير. وهو خيرة العلامة في المنتهى على تردد ، من حيث انه ـ تعالى ـ ذكر الهدي وحده (٢) ولم يشترط سواه ، ومن انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حلق يوم الحديبية (٣).

__________________

(١ و ٢) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

(٣) المغني ج ٣ ص ٣٢٥ طبع مطبعة العاصمة.

١٦

قال في المدارك بعد نقل ذلك عن المنتهى : وضعف الوجه الثاني من وجهي التردد معلوم من ما سبق.

أقول : أشار بما سبق الى ما قدمنا نقله عنه من حمل فعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) على الندب دون الوجوب. وقد عرفت ما فيه. إلا ان الحلق الذي ذكره العلامة هنا في الوجه الثاني من وجهي التردد إنما استند فيه الى الرواية العامية ، حيث قال : إذا ثبت هذا فهل يجب عليه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي أم لا؟ فيه تردد ، لأنه ـ تعالى ـ ذكر الهدي وحده (١) ولم يشترط سواه. وقال أحمد في إحدى الروايتين لا بد منه ، لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حلق يوم الحديبية (٢) وهو أقوى. هذه عبارته في المنتهى ، فكان الاولى لصاحب المدارك رد الوجه الثاني بعدم ثبوته في أخبارنا.

أقول : والذي وقفت عليه في أخبارنا بالنسبة الى ذلك هو رواية حمران المتقدمة (٣) الدالة على ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حين صد بالحديبية قصر وأحل ونحر ثم انصرف. وظاهر قوله (عليه‌السلام) فيها : «ولم يجب عليه الحلق حتى يقضي النسك» هو انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله) لم يحلق الى ان حج في فتح مكة وقضى المناسك.

ويدل على هذا المعنى صريحا وان لم يتنبه له أحد من أصحابنا (رضوان الله ـ تعالى ـ عليهم) ما رواه في الكافي (٤) في الصحيح عن

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

(٢) المغني ج ٣ ص ٣٢٥ طبع مطبعة العاصمة.

(٣) ص ٩.

(٤) ج ٦ ص ٤٨٦ ، والوسائل الباب ٦٢ من آداب الحمام.

١٧

البزنطي عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير قال : «قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : الفرق من السنة؟ قال : لا. قلت : فهل فرق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله)؟ قال : نعم. قلت : كيف فرق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وليس من السنة؟ قال. من اصابه ما أصاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وفرق كما فرق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) فقد أصاب سنة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وإلا فلا. قلت له : كيف ذلك؟ قال : ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حين صد عن البيت وقد كان ساق الهدي وأحرم أراه الله ـ تعالى ـ الرؤيا التي أخبرك الله بها في كتابه ، إذ يقول (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ) (١) فعلم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ان الله (تعالى) سيفي له بما أراه ، فمن ثم وفر ذلك الشعر الذي كان على رأسه حين أحرم انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده الله (تعالى) ، فلما حلقه لم يعد في توفير الشعر ولا كان ذلك من قبله صلى‌الله‌عليه‌وآله». وربما ظهر من قوله (عليه‌السلام) : «من اصابه ما أصاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله). الى آخره» تأخير الحلق الى ان يحج متى كان الحج واجبا.

وبالجملة فالظاهر عندي ـ بناء على ما عرفت ـ هو توقف الحل على التقصير خاصة ، كما دلت عليه الرواية المذكورة ، ومثلها قوله (عليه‌السلام) في المرسلة التي نقلها شيخنا المفيد في المقنعة ، وسيأتي نقلها ـ ان شاء الله تعالى ـ في المطلب الثاني (٢) : «والمصدود بالعد وينحر هديه

__________________

(١) سورة الفتح ، الآية ٢٧.

(٢) ص ٤٣.

١٨

الذي ساقه بمكانه ويقصر من شعر رأسه ويحل» (١). ولا معارض لهما سوى إطلاق غيرهما من الاخبار. وبه يقيد الإطلاق المذكور.

الخامسة ـ اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في سقوط الهدي عن المصدود والمحصور مع الشرط في إحرامه بأن يحله حيث حبسه ، فنقل في المختلف عن السيد المرتضى (رحمه‌الله) انه يسقط ، وعن الشيخ في الخلاف انه لا يسقط ، ونقل عن ابن حمزة ان في سقوط الدم بالشرط قولين ، ثم أحال البحث في ذلك على ما قدمه في المحصور.

أقول : والخلاف في الموضعين واحد ، ونحن قد قدمنا البحث في هذه المسألة في مندوبات الإحرام ، وأحطنا بأطراف الكلام بإبرام النقض ونقض الإبرام ، فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.

السادسة ـ اختلف الأصحاب (رضوان الله ـ تعالى ـ عليهم) في المصدود والمحصور لو ساق معه الهدي ، فهل يكفي في التحلل ما ساقه أو يجب عليه للتحلل هدي آخر غير هدي السياق؟ قولان ، أولهما للشيخ وسلار وابي الصلاح وابن البراج ، وثانيهما للصدوقين. والمحقق في الشرائع في حكم المصدود وأفق الأول وفي النافع وأفق الثاني.

قال في المختلف : قال علي بن بابويه : وإذا قرن الحج والعمرة وأحصر بعث هديا مع هديه ، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله. وكذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه. وقال ابن الجنيد ـ ونعم ما قال ـ فإذا أحصر ومعه هدي قد أوجبه الله بعث بهدي آخر عن إحصاره ، فان لم يكن أوجبه بحال من اشعار ولا غيره أجزأه عن إحصاره. انتهى. وظاهره اختيار قول ابن الجنيد ، وهو يرجع الى قول الصدوقين ، مع انه في

__________________

(١) الوسائل الباب ١ من الإحصار والصد رقم ٦.

١٩

المنتهى وافق القول الأول.

وقال في الدروس بعد نقل قول الصدوقين وابن الجنيد : والظاهر ان مرادهما انه قبل الاشعار والتقليد لا يدخل في حكم المسوق إلا ان يكون منذورا بعينه أو معينا عن نذره. وقيل : يتداخلان إذا لم يكن السوق واجبا بنذر أو كفارة وشبههما. وأطلق المعظم التداخل.

وقال ابن إدريس بعد نقل عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة عن رسالته : قال محمد بن إدريس : اما قوله (رحمه‌الله تعالى) : «وإذا قرن الرجل الحج والعمرة» فمراده كل واحد منهما على الانفراد ويقرن إلى إحرامه بواحد من الحج أو العمرة هديا يشعره أو يقلده فيخرج من ملكه بذلك ، وان لم يكن ذلك واجبا عليه ابتداء ، وما مقصوده ومراده ان يحرم بهما جميعا ويقرن بينهما ، لان هذا مذهب من خالفنا في حد القران ، ومذهبنا ان يقرن إلى إحرامه سياق هدي. فليلحظ ذلك ويتأمل. فأما قوله : «بعث هديا مع هديه إذا أحصر» يريد ان هديه الأول الذي قرنه إلى إحرامه ما يجزئه في تحليله من إحرامه ، لأن هذا كان واجبا عليه قبل حصره ، فإذا أراد التحلل من إحرامه بالمرض الذي هو الحصر عندنا ـ على ما فسرناه ـ فيجب عليه هدي آخر لذلك ، لقوله (تعالى) (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١) وما قاله قوي معتمد ، غير ان باقي أصحابنا قالوا : يبعث بهديه الذي ساقه. ولم يقولوا : يبعث بهدي آخر. فإذا بلغ محله أحل إلا من النساء. فهذا فائدة قوله (رحمه‌الله تعالى).

واستدل في المختلف على ما اختاره من التفصيل المتقدم ، فقال : لنا

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية ١٩٥.

٢٠