🚘

الحدائق الناضرة - ج ٢

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الحدائق الناضرة - ج ٢

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


المحقق: محمّد تقي الإيرواني
الموضوع : الفقه
الناشر: دار الكتب الإسلاميّة ـ نجف
المطبعة: مطبعة النّجف
🚘 نسخة غير مصححة
١

٢
٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني في الوضوء

والبحث في أسبابه وغايته وكيفيته وأحكامه يقع في مطالب أربعة :

المطلب الأول

في الأسباب ، وحيث جرت عادة الفقهاء (رضوان الله عليهم) بالبحث عن أحكام الخلوة امام الوضوء ، كان الأنسب تقديمها هنا ، لترتب غالب الأسباب عليها ، وليكون تقديمها ذكرا على نحو تقدمها خارجا ، وحينئذ فالكلام في هذا المطلب يقع في فصلين :

الفصل الأول

في آداب الخلوة ، ومنها ـ الواجب والمحرم والمستحب والمكروه ، والبحث فيها يقع في موارد أربعة :

المورد الأول

في الآداب الواجبة ، ومنها ـ ستر العورة على المتخلي حال جلوسه عن ناظر محترم إجماعا فتوى ورواية. ووجوب ستر العورة وان كان لا اختصاص له بالمتخلي لكن لما كان انكشاف العورة من لوازم الخلاء ذكروا هذا الحكم فيه بخصوصه.

٥
٦

و (منها) ـ الاستنجاء من البول بالماء خاصة إجماعا فتوى ورواية ، فلا يجزي المسح بحائط أو تراب أو يد أو غير ذلك ولو حال الاضطرار ، بل غايته منع التعدي للملاقي كما دلت عليه موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه‌السلام) (١) «في الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ فقال : كل شي‌ء يابس ذكي».

ويدل على أصل الحكم قول أبي جعفر (عليه‌السلام) في صحيحة زرارة (٢) : «ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) اما البول فإنه لا بد من غسله».

وقوله (عليه‌السلام) أيضا في رواية بريد بن معاوية (٣) : «ولا يجزى من البول إلا الماء».

ويدل عليه أيضا الأخبار الدالة على وجوب غسل الذكر على من صلى قبل غسل ذكره من غير استفصال.

ومنها ـ صحيحة عمرو بن أبي نصر (٤) قال : «قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : أبول وأتوضأ وانسى استنجائي ثم اذكر بعد ما صليت؟ قال : اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوءك».

وصحيحة ابن أذينة (٥) قال : «ذكر أبو مريم الأنصاري : ان الحكم ابن عتيبة (٦) بال يوما ولم يغسل ذكره متعمدا ، فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه‌السلام)

__________________

(١) المروية في الوسائل في الباب ـ ٣١ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ـ ٩ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

(٣) المروية في الوسائل في الباب ـ ٩ و ٣٠ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

(٤ و ٥) المروية في الوسائل في الباب ـ ١٨ ـ من أبواب نواقض الوضوء.

(٦) قال في الوافي ج ٤ ص ٢٥ : «بيان ـ ابن عتيبة بالمثناة من فوق بعد المهملة ثم المثناة من تحت ثم الموحدة. إلخ» وفي بعض حواشي التهذيب ص ١٤ هكذا : «في نسخة التهذيب والاستبصار عيينة باليائين أولا قبل النون. وفي كتب الرجال بالتاء قبل الياء والباء بعدها».

٧

فقال : بأس ما صنع ، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته ، ولا يعيد وضوءه».

وبمضمونها أخبار أخر سيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى.

واما رواية سماعة (١) قال : «قلت لأبي الحسن موسى (عليه‌السلام) : اني أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجي‌ء مني البلل ما يفسد سراويلي؟ قال : ليس به بأس».

وموثقة حنان (٢) قال : «سمعت رجلا سأل أبا عبد الله (عليه‌السلام) فقال : اني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي؟ فقال : إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك ، فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك».

فإنهما بحسب ظاهرهما منافيان لما قدمنا من الاخبار ، لدلالة ظاهر الاولى على الاكتفاء بالتمسح بالأحجار ، بقرينة نفي البأس عما يفسد سراويله من البلل بعد التمسح ، والثانية على الاكتفاء بالتمسح بقرينة مسح الذكر.

والجواب عنهما ـ بعد الإغماض عن المناقشة في السند بعدم المقاومة لما تقدم من الاخبار الصحاح ـ بالطعن في الدلالة.

(اما الأولى) فيما أجاب الشيخ (قدس‌سره) في الاستبصار (٣) من انه ليس في الخبر انه قال : يجوز له استباحة الصلاة بذلك وان لم يغسله ، وإنما قال : ليس به بأس ، يعني بذلك البلل الذي يخرج منه بعد الاستبراء ، وذلك صحيح ، لأنه المذي ، وهو طاهر.

وأجاب بعض محققي مشايخنا من متأخري المتأخرين ـ وتبعه والدي (قدس‌سره) في بعض فوائده لكن نسبه إلى البعد ـ بان وجدان ما يفسد سراويله من البلل لكثرته ـ مع عدم القطع بخروجه من مخرج البول الباقي على النجاسة ـ لا بأس به ، لأصالة الطهارة واحتمال كونه من غير المخرج وغير متصل به.

__________________

(١ و ٢) المروية في الوسائل في الباب ـ ١٣ ـ من أبواب نواقض الوضوء.

(٣) في الصحيفة ٥٦.

٨

أقول : ويحتمل ان يكون مورد الخبر بالنسبة إلى من كان فاقدا للماء وتيمم بعد الاستبراء والتجفيف بالأحجار ، فإنه لا بأس بالخارج بعد ذلك بمعنى انه لا يكون ناقضا للتيمم وان كان نجسا باعتبار ملاقاة المحل النجس إلا انه غير واجد للماء ، وربما يستأنس لذلك بالتمسح بالأحجار. وظني ان هذا الجواب أقرب مما ذكره شيخنا المتقدم.

و (اما الثانية) فالظاهر منها ان السائل شكى إليه انه ربما بال وليس معه ماء ، ويشتد ذلك عليه بسبب عرق ذكره بعد ذلك أو بلل يخرج منه ، فيلاقي مخرج البول فينجس به ثوبه وبدنه ، فعلمه (عليه‌السلام) حيلة شرعية يتخلص بها من ذلك ، وهو ان يمسح غير المخرج من الذكر اعني المواضع الطاهرة منه من بلل ريقه بعد ما ينشف المخرج بشي‌ء ، حتى لو وجد بللا بعد ذلك لقدر في نفسه انه يجوز ان يكون من بلل ريقه الذي وضعه وليس من العرق ولا من المخرج ، فلا يتيقن النجاسة من ذلك البلل حينئذ. وبالجملة الحكمة في الأمر بمسح الذكر بالريق فعل أمر يجوز العقل استناد ما يجده من البلل اليه ، ليحصل عنده الاشتباه وعدم القطع بحصوله من المخرج أو ملاقاته ، ومع الاشتباه يبنى على أصالة الطهارة. ف كل شي‌ء طاهر حتى يعلم انه قذر (١). والناس في سعة ما لم يعلموا (٢).

__________________

(١) هذا مضمون موثقة عمار عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) ونصها ـ كما في التهذيب ج ١ ص ٨١ والوسائل في الباب ـ ٣٧ ـ من أبواب النجاسات ـ هكذا : «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك» وسيتعرض لها في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الأول من أحكام النجاسات.

(٢) لم نقف على حديث بهذا النص بعد الفحص عنه في مظانه ، والذي وجدناه بهذا المضمون خبر السكوني عن ابى عبد الله (عليه‌السلام) المروي في الكافي في الباب ـ ٤٨ ـ من كتاب الأطعمة ، وفي الوسائل في الباب ـ ٥٠ ـ من أبواب النجاسات. وفي الباب ـ ٣٨ ـ من أبواب الذبائح وفي الباب ـ ٢٣ ـ من كتاب اللقطة.

٩

وما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم (١). وهذه حكمة ربانية لدفع الوساوس الشيطانية ، ومثلها في الأخبار غير عزيز.

وأجاب في المدارك عن هذه الرواية ـ بعد الطعن في السند ـ بالحمل على التقية ، أو على ان المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا.

وفيه ان الظاهر بعد الحمل على التقية ، لأن المسح بالتراب مطهر عند العامة (٢) واما الجواب الثاني فسيظهر ما فيه.

تنبيهات

(الأول) ـ تفرد المحدث الكاشاني (قدس‌سره) بمسألة ذهب إليها واستند الى هذين الخبرين في الدلالة عليها ، وهي ان المتنجس بعد ازالة عين النجاسة عنه بالتمسح لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه برطوبة. وقد أشبعنا الكلام معه في جملة

__________________

(١) هذا حديث حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن على (عليهما‌السلام) كما في الوسائل في الباب ـ ٣٧ ـ من أبواب النجاسات.

(٢) عند الحنفية كصاحب بدائع الصنائع ج ١ ص ١٨ والبحر الرائق ج ١ ص ٢٤١ ومجمع الانهر ج ١ ص ٦٥ «يسن الاستنجاء عما يخرج من السبيلين من البول والغائط والدم والمنى والوذي والودي بالحجر والتراب والمدر والطين اليابس ، ولا يسن فيه عدد» وفي البحر الرائق «غسله بالماء أحب ، ويجب بالماء ان جاوز النجس المخرج ، ولا يسن للريح الخارج» وقال الشافعي في الأم ج ١ ص ١٨ : «من تخلى أو بال لم يجز إلا ان يتمسح بثلاثة أحجار ثلاث مرات أو آجرات أو ما كان طاهرا نظيفا مما ينقى نقاء الحجارة إذا كان مثل التراب والحشيش والخزف وغيرها» وقال الشيرازي في المهذب ج ١ ص ٢٦ : «يجب الاستنجاء من البول والغائط بثلاثة أحجار ، والماء أفضل والأفضل الجمع بينهما» وعند الحنابلة كابن قدامة في المغني ج ١ ص ١٥٠ «يجب الاستنجاء عما يخرج من السبيلين معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر ، ويخير بين الماء والأحجار ، والماء أبلغ في التنظيف ، ويجزي الاقتصار على الحجر بغير خلاف بين أهل العلم».

١٠

من فوائدنا ، ولا سيما في رسالتنا قاطعة القال والقيل في نجاسة الماء القليل ، فانا قد أحطنا فيها بأطراف الكلام بإبرام النقض ونقض الإبرام ، ولنشر هنا إلى نبذة من ذلك كافلة بتحقيق ما هنالك.

فنقول : قال الفاضل المذكور في كتاب الوافي ـ بعد نقل موثقة حنان المذكورة (١) وذكر المعنى الذي حملنا عليه الخبر أولا ـ ما صورته : «ويحتمل الحديث معنى آخر ، وهو ان تكون شكايته من انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد التمسح لاحتمال كونه بولا كما يستفاد من اخبار الاستبراء. وذكر العجز عن الماء على هذا التقدير يكون لتعذر ازالة البلل عن ثوبه وسائر بدنه حينئذ ، فإنه قد تعدى من المخرج إليهما وهذا كما ذكر العجز في حديث محمد السابق في الاستبراء (٢). وعلى هذا لا يحتاج الى تكلف تخصيص التمسح بالريق بالمواضع الطاهرة ، ولا إلى تكلف تعدي النجاسة من المتنجس ، بل يصير الحديث دليلا على عدم التعدي منه ، فان التمسح بالريق مما يزيدها تعديا. وهذا المعنى أوفق بالأخبار الأخر. وهذان الأمران ـ أعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقن وعدم تعدي النجاسة من المتنجس ـ بابان من رحمة الله الواسعة فتحهما لعباده رأفة بهم ونعمة لهم ولكن أكثرهم لا يشكرون. ثم نقل خبر سماعة المتقدم (٣) ، وقال بعده : لا يخفى على من فك رقبته من ربقة التقليد ان هذه الأخبار وما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شي‌ء قبل تطهيره وان كان رطبا إذا أزيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه ، وانما المنجس للشي‌ء عين النجاسة لا غير. على انا لا نحتاج إلى دليل في ذلك. فان عدم الدليل على وجوب

__________________

(١ و ٣) في الصحيفة ٨.

(٢) وهو حسن محمد بن مسلم الآتي في الاستبراء والمروي في الوسائل في الباب ـ ١١ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

١١

الغسل دليل على عدم الوجوب ، إذ لا تكليف إلا بعد البيان» ونحوه ذكر في كتاب المفاتيح.

أقول : ما ذكره (قدس‌سره) في هذا المقام غير تام ، لتوجه البحث اليه من وجوه : (أحدها) ـ انه لا دلالة في خبر حنان (١) على هذا الوصف الذي بنى عليه هذه المباني المتعسفة ، وارتكب فيه هذه الاحتمالات المتكلفة.

و (ثانيها) ـ انه لو كانت شكاية السائل إنما هي من حيث خوف انتقاض وضوئه بالبلل الخارج من جهة احتمال كونه بولا ، لكان جوابه بالأمر بالاستبراء بعد البول ، فان حكمة الاستبراء هو البناء على طهارة ما يخرج بعده وعدم نقضه.

و (ثالثها) ـ انه لو كان وجه الحكمة في الأمر بوضع الريق على مخرج البول هو عدم انتقاض الطهارة ـ بمعنى ان ينسب ذلك البلل الذي يجده إلى الريق ليكون غير ناقض ، ولا ينسبه إلى الخروج من الذكر فيكون ناقضا ـ فأي فرق في ذلك بين الحكم بتعدي النجاسة من المخرج بعد مسحها وعدم تعديها؟ فان وجه الحكمة يحصل على كلا التقديرين ، فانا لو قلنا بالتعدي ومسح المخرج بريقه لقصد هذه الحكمة وكون الخارج غير ناقض أمكن وان كان نجسا. وبالجملة فإنه لا منافاة بين حصول هذه الحكمة وبين القول بتعدي النجاسة.

و (رابعها) ـ ان ما ادعاه ـ من أوفقية هذا المعنى بالاخبار ـ غير ظاهر ، فان من جملة تلك الأخبار رواية حكم بن حكيم الصيرفي (٢) قال : «قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : أبول فلا أصيب الماء ، وقد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط

__________________

(١) المتقدم في الصحيفة ٨.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ـ ٦ ـ من أبواب النجاسات.

١٢

أو التراب ، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي؟ قال : لا بأس به». وعجز صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) (١) حيث قال فيها : «وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال : لا». ولا دلالة فيهما على كون اصابة الثوب ومسح الوجه أو بعض الجسد بذلك الموضع النجس ، ولا على كون النجاسة شاملة لليد كملا ، حتى تستلزم الإصابة ببعض منها ذلك ، بل هما أعم من ذلك. ونفي البأس فيهما إنما وقع لذلك ، لانه ما لم يعلم وصول النجاسة إلى شي‌ء ومباشرتها له برطوبة فلا يحكم بالنجاسة. وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه.

والحمل على ما ذكرنا نظيره في الأخبار غير عزيز. فان كثيرا من الأخبار ما يوهم بظاهره ما أوهمه هذان الخبران مما هو مخالف لما عليه الفرقة الناجية (أنار الله برهانها) ويحتاج في تطبيقه إلى نوع تأويل.

مثل صحيحة زرارة (٢) قال : «سألته عن الرجل يجنب في ثوبه ، أيتجفف فيه من غسله؟ فقال : نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة فيه رطبة ، فإن كانت جافة فلا بأس».

قال الشيخ (قدس‌سره) : «ان التجفيف المذكور في هذا الخبر محمول على عدم اصابة محل المني» انتهى.

وربما أشكل ذلك بأنه لا وجه حينئذ لاستثنائه النطفة الرطبة دون الجافة ، لاشتراكهما في حصول البأس مع الإصابة لهما وانتفائه مع عدم أصابتهما. ويمكن ان يقال ان الرطوبة مظنة التعدي في الجملة.

__________________

(١) المروية في الوسائل في الباب ـ ٦ ـ من أبواب النجاسات.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ـ ٢٧ ـ من أبواب النجاسات.

١٣

وصحيحة أبي أسامة (١) قال : «قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : تصيبني السماء وعلى ثوب فتبله وأنا جنب ، فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني ، أفأصلي فيه؟ قال : نعم».

ويمكن تأويله بأن البلل جاز ان لا يعم الثوب بأسره وتكون اصابة الثوب ببعض منه ليس فيه بلل ، ويجوز ان يكون البلل قليلا بحيث لا تتعدى معه النجاسة وان كان شاملا للثوب باصرة ، كذا افاده والدي (قدس‌سره) في بعض فوائده. ومثل ذلك في الأخبار كثير يقف عليه المتتبع. والغرض التنبيه على قبول ما استدل به للتأويل كما في نظائره الواردة من هذا القبيل ، فلا يحتج به إذا على خلاف النهج الواضح السبيل الذي عليه عامة العلماء جيلا بعد جيل.

و (خامسها) ـ ان صدر صحيحة العيص (٢) المتقدم نقل عجزها ـ حيث قال : «سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه. قال : يغسل ذكره وفخذيه. الحديث» ـ. واضح الدلالة في إبطال هذه المقالة ، فإن ظاهر جملة «وقد عرق ذكره. إلخ» انها معطوفة على ما تقدمها ، وحينئذ فتدل الرواية على ان العرق إنما وقع بعد البول ومسح الذكر ، وقد أمر (عليه‌السلام) بغسل الذكر والفخذين لذلك العرق المتعدي من مخرج البول بعد مسحه ، وهو دليل على تعدي النجاسة بعد المسح.

واما ما توهمه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين ـ من ان الرواية المذكورة بطرفيها مما يمكن ان يستدل به على ما ذهب اليه المحدث الكاشاني ، بأن يقال : الفرق بين الذكر والفخذ عند عرقهما قبل التطهير الشرعي وبين الثوب عند

__________________

(١) المروية في الوسائل في الباب ـ ٢٧ ـ من أبواب النجاسات.

(٢) المروي في الوسائل في الباب ـ ٣١ ـ من أبواب أحكام الخلوة ، وفي الباب ـ ٢٦ ـ من أبواب النجاسات.

١٤

اصابته بعرق اليد الماسحة للذكر قبله ـ بالأمر بغسلهما دونه ـ لا وجه له ظاهرا سوى الفرق بين ما يلاقي المتنجس وما يلاقي عين النجاسة ، فإن غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر ، كما ترشد اليه وأو الحال وذلك يقتضي تعديها من المحل إلى ما يجاوره ويلاصقه من بقية اجزاء الذكر والفخذ ، بخلاف الثوب ، فان ملاقاته إنما وقعت بالمتنجس وهي اليد الماسحة بعد زوال عين النجاسة من الماسح والممسوح ـ فهو ظاهر السقوط ، فان مفاد عطف مسح الذكر على البول بالفاء التي مقتضاها الترتيب بغير مهلة هو كون المسح وقع عقيب البول بلا فصل ، ولا يعقل على هذه الحال حصول العرق للذكر والفخذ على وجه يتعدى من الذكر اليه قبل المسح ، حتى يتم ما ذكره من ان غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر. إلخ ، وكذا لا يعقل انه تركه بغير مسح حتى يتردد في المغدى والمجي‌ء على وجه يعرق ذكره وفخذاه وعين البول باقية ضمن تلك المدة ، حتى انه بسبب العرق تتعدى نجاسة البول إلى فخذيه مثلا ، بل من المعلوم انه بمجرد المغدى والمجي‌ء تتعدى النجاسة مع وجود عينها من غير حصول عرق إلى سائر بدنه وثيابه ، بل الوجه الظاهر البين الظهور ـ ان تنزلنا عن دعوى القطع الذي ليس بمستبعد ولا منكور ـ ان المراد من الخبر إنما هو السؤال عن انه متى بال ولم يكن معه ماء فمسح ما بقي على طرف ذكره من البول لئلا يتعدى إلى ثوبه أو بدنه فينجسه ، ثم انه بعد ذلك حصل عرق في ذكره وفخذيه بحيث علم تعدي العرق من المحل المتنجس إلى الفخذ وملاقاة أحدهما للآخر برطوبة ، فأجاب (عليه‌السلام) بوجوب غسل ذكره وفخذيه لتعدي النجاسة على ما ذكرنا ، وحينئذ فجملة «وقد عرق» معطوفة كما ذكرنا لا حالية كما ذكره (قدس‌سره) واما قوله : «بخلاف الثوب فان ملاقاته إنما وقع بالمتنجس» ففيه ما عرفت آنفا.

١٥

و (سادسها) ـ ان ما ذكره ـ من ان عدم الدليل دليل على العدم ـ مسلم لو لم يكن ثمة دليل. والأدلة على ما ندعيه ـ بحمد الله ـ واضحة وأعلامها لائحة.

فمن ذلك ـ صحيح العيص المذكور (١) على ما أوضحناه من الوجه النير الظهور ومن ذلك ـ استفاضة الأخبار بغسل الأواني والفرش والبسط ونحوها متى تنجس شي‌ء منها ، فان من المعلوم ان الأمر بغسلها ليس إلا لمنع تعدي نجاستها إلى ما يلاقيها برطوبة مما يشترط فيه الطهارة. ولو كان مجرد زوال العين كافيا في جواز استعمال تلك الأشياء لما كان للأمر بالغسل فائدة ، بل ربما كان محض عبث ، لان تلك الأشياء بنفسها لا تستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة فيها ونحوه حتى يقال ان الأمر بغسلها لذلك ، فلا يظهر وجه حسن هذا التكلف. هذا مع بناء الشريعة على السهولة والتخفيف.

ومن ذلك ـ أخبار نجاسة الدهن والدبس المائعين ونحوهما بموت القارة ونحوها (٢) وربما خص بعضهم موضع خلافه في هذه المسألة بالأجسام الصلبة بعد ازالة عين النجاسة عنها بالتمسح ونحوه ، كما هو مورد الموثقة التي استند إليها وعول في المقام عليها (٣).

وربما أيد أيضا بقوله فيما قدمنا نقله عنه : «إذا أزيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه. وفيه ان قوله في تتمة العبارة المذكورة ـ : «وانما المنجس للشي‌ء عين النجاسة لا غير» ـ صريح في العموم.

ويدل أيضا عليه بأوضح دلالة ما صرح به في كتاب المفاتيح في مفاتيح النجاسات حيث قال بعد ذكر النجاسات العشر في مفاتيح متعددة ـ ما صورته : «مفتاح ـ

__________________

(١) في الصحيفة ١٤.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ـ ٥ ـ من أبواب الماء المضاف.

(٣) وهي موثقة حنان المتقدمة في الصحيفة ٨.

١٦

كل شي‌ء غير ما ذكر فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة ، للأصل السالم من المعارض ، وللموثق : «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر ... (١)» فان تخصيصه الاستثناء بما يلاقي شيئا من النجاسات خاصة يدل على ان ما لاقى المتنجس صلبا كان أو مائعا بعد ازالة عين النجاسة فهو داخل في كلية الطهارة بلا اشكال. وانما أطلنا الكلام وان كان خارجا عن المقام لسريان الشبهة في أذهان جملة من الاعلام.

(الثاني) ـ اختلف الأصحاب في أقل ما يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول ، فنقل عن الشيخين ـ في المبسوط والنهاية والمقنعة ـ ان أقل ما يجزئ مثلا ما على رأس الحشفة ، ونقله في المختلف عن الصدوقين أيضا ، واليه ذهب المحقق في المعتبر والشرائع ، والعلامة في القواعد والتذكرة ، بل صرح بعض مشايخنا بأنه قول الأكثر. ونقل عن أبي الصلاح ان أقل ما يجزئ ما أزال العين عن رأس الفرج.

وقال ابن إدريس في السرائر أقل ما يجزئ من الماء لغسله ما يكون جاريا ويسمى غسلا. والظاهر اتحاد كلامي أبي الصلاح وابن إدريس ، كما فهمه العلامة في المختلف ومال اليه فيه أيضا وفي المنتهى ، ونقله عن ظاهر ابن البراج أيضا.

ويدل على القول الأول رواية نشيط بن صالح عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) (٢) قال : «سألته كم يجرئ من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال : مثلا ما على الحشفة من البلل».

والرواية مع ضعف السند معارضة بما رواه أيضا في هذا الباب عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) (٣) «قال يجزئ من البول ان يغسله بمثله».

وما رواه في الكافي (٤) مرسلا مضمرا انه «يجزئ ان يغسل بمثله من الماء

__________________

(١) وهو موثق عمار المروي في الوسائل في الباب ـ ٣٧ ـ من أبواب النجاسات.

(٢ و ٣) المروية في الوسائل في الباب ـ ٢٦ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

(٤) ج ١ ص ٧ وفي الوسائل في الباب ـ ٢٦ ـ من أبواب أحكام الخلوة. وفي الباب ـ ١ ـ من أبواب النجاسات.

١٧

إذا كان على رأس الحشفة وغيره».

وما رواه ابن المغيرة في الحسن عن أبي الحسن (عليه‌السلام) (١) قال : «قلت له : للاستنجاء حد؟ قال : لا حتى ينقى ما ثمة».

وبإطلاق الأمر بغسله في جملة من الاخبار الحاصل امتثاله بما يحصل به النقاء ولو بالمثل ، والأصل عدم التقييد. والمقيد مع ضعف سنده معارض بما عرفت ، بل يمكن الطعن في دلالته بأن الاجزاء في المثلين لا يقتضي سلب الاجزاء عما دونه والمراد اجزاء الفرد الأكمل. وبذلك يظهر قوة القول الثاني.

إلا انه يمكن ان يقال : ان إطلاق الأخبار ـ بالغسل في بعض والصب في آخر والتحديد بالنقاء في ثالث ـ لا ينافي عند التأمل خبر المثلين ، فان الظاهر ان الغسل لا يصدق إلا بما يقهر النجاسة ويغلب عليها ، ولا يحصل ذلك بأقل من المثلين ، ومثله الصب بطريق اولى ، وأظهر من ذلك النقاء المستلزم للغلبة البتة. نعم يبقى خبرا المثل مناقضين لذلك ، وهما لا يبلغان قوة المعارضة ، سيما مع تأيد هذه الأخبار بموافقة الاحتياط.

واما ما أجاب به الشيخ (رحمه‌الله) في كتابيه عن خبر المثل ـ حيث اعتمد على خبر المثلين ، واقتفاه المحدث الحر العاملي (قدس‌سره) في كتاب الوسائل ، من احتمال رجوع ضمير «مثله» الى البول الخارج كلا ـ ففيه ان ضميري «يغسله» و «بمثله» لا مرجع لهما إلا لفظ البول المتقدم ، وتعلق الغسل بالبول الخارج كلا لا معنى له ، بل المغسول إنما هو المتخلف على المخرج ، وحينئذ فالوجه حمل البول في الرواية على المتخلف ، والمعنى انه يجزئ من ازالة البول أو من غسل البول ان يغسله بمثله.

ولو قيل : انه يمكن تصحيح ما ذهب اليه الشيخ بنوع من الاستخدام ، بجعل

__________________

(١) رواه صاحب الوسائل في الباب ـ ١٣ و ٣٥ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

وفي الباب ـ ٢٥ ـ من أبواب النجاسات.

١٨

ضمير «يغسله» للبول المتخلف ، وضمير «مثله» لمجموع الخارج.

ففيه (أولا) ـ انه لا قرينة تدل عليه ، ولا ضرورة توجب المصير اليه.

و (ثانيا) ـ ان القول بوجوب المثلين دون الأقل منه إنما نشأ من لفظ الاجزاء في الرواية المستدل بها على ذلك الذي هو عبارة عن الاكتفاء بأقل المراتب ، وحينئذ يلزم ـ بناء على ما ذكره من التأويل في الرواية الثانية ـ انه لا يكفي أقل من مثل البول الخارج كملا ، وهو بعيد جدا. والاعتذار بحمل الزائد على المثلين على الاستحباب ـ مع منافاة لفظ الاجزاء له وكون الزيادة إلى ذلك المقدار ربما تبلغ حد الإسراف ـ أبعد. على ان ذلك لا يكون حينئذ ضابطا ولا حكما منضبطا ، لزيادة البول الخارج تارة ونقصانه اخرى. فالظاهر حينئذ هو ما ذكرناه.

(الثالث) ـ هل المراد بالمثلين في الخبر مجرد الكناية عن الغسلة الواحدة ، لاشتراط الغلبة في المطهر وهي لا تحصل بالمثل كما قدمنا ذكره ، أو المراد به بيان التعدد ووجوب غسل مخرج البول مرتين ، والتعبير بالمثلين هنا لبيان أقل ما يجزئ فيه؟ قولان :

أظهرهما الأول ، ويعضده (أولا) ـ ان الرواية لا ظهور لها في كون المثلين دفعة أو دفعتين.

و (ثانيا) ـ ما قدمنا (١) من حسنة ابن المغيرة ، وإطلاق الاخبار بالغسل والصب المقتضى ذلك للغلبة والزيادة في الغسلة.

و (ثالثا) ـ ان جعل المثل غسلة ـ مع اعتبار أغلبية ماء الغسلة على النجاسة واستيلائه عليها كما عرفت ـ مما لا يرتكبه محصل.

نعم يبقى هنا شي‌ء وهو انه قد استفاضت الأخبار بوجوب المرتين في إزالة نجاسة

__________________

(١) في الصحيفة ١٨.

١٩

البول عن الثوب والبدن مع ان ما نحن فيه داخل تحت المسألة ، والاخبار هنا قد دلت على الاكتفاء بالمرة كما حققناه ، وحينئذ فاما ان يخصص عموم تلك الأخبار بأخبار الاستنجاء ، فيقال بوجوب المرتين في ما عدا الاستنجاء ، أو يقيد إطلاق هذه الاخبار بتلك فتجب المرتان هنا ، ولعل الترجيح للأول. ونمنع شمول أخبار المرتين لموضع النزاع بل ظهورها فيما عداه ، ولأن تقييد المطلق مجاز والأصل عدمه.

(الرابع) ـ هل الواجب على تقدير التعدد الانفصال الحقيقي ليحصل التعدد عرفا ، أو يكفي الانفصال التقديري؟ قولان :

اختار أو لهما شيخنا الشهيد في الذكرى ، مع انه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري ، واعتذر عنه المحقق الشيخ علي (رحمه‌الله) في شرح القواعد فقال : «وما اعتبره في الذكرى ـ من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين ليتحقق تعدد الغسل ـ حق ، لا لأن التعدد لا يتحقق إلا بذلك ، بل لأن التعدد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك ، لان ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة» انتهى.

وتوضيحه ان التعدد التقديري لا بد في العلم بتحققه من زيادة على الغسلتين ، وهي غير متحققة في المثلين إذا وقعا دفعة ، بل إنما يعدان كذلك غسلا واحدا. وعلى كل حال فالأحوط اعتبار الغسل مرتين بل ثلاث مرات ، لما في صحيح زرارة المقطوع (١) «كان يستنجي من البول ثلاث مرات».

والأحوط مع ذلك أيضا الفصل الحقيقي بين الغسلات.

(الخامس) ـ صرح جمع ـ منهم : المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى ـ انه لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعماله لجرح ونحوه وجب التمسح بالحجر ونحوه ، لان الواجب ازالة العين والأثر ، فلما تعذرت إزالتهما معا لم تسقط ازالة العين.

__________________

(١) المروي في الوسائل في الباب ـ ٢٦ و ٣٥ ـ من أبواب أحكام الخلوة.

٢٠