🚘

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - ج ١

السيّد نور الله الحسيني المرعشي التستري

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - ج ١

المؤلف:

السيّد نور الله الحسيني المرعشي التستري


الموضوع : العقائد والكلام
🚘 نسخة غير مصححة

١

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الذي جعل مقام شيعة الحقّ (١) عليّا (٢) ، وصيّرهم مع نبيّه إبراهيم في ذلك الاسم سميّا ، ورقاهم إلى طور الطاعة بخفض جناح الإطاعة ، ورفض سنن أهل السّنة والمجاعة (٣) المتّسمين (٤) بأهل السنّة والجماعة ،

__________________

(١) إيماء الى قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ) الصافات. الآية ٨٨ وقد ورد تفسيره بذلك في الخبر.

(٢) عليا من العلو.

(٣) المجاعة من الجوع أى زمان الجوع كما في مقدمة شرح البخاري «فتح الباري» لابن حجر ، ويقال : أرض بنى فلان سنة إذا كانت غير مجدبة منه «ره» أقول : وقد تجعل السنة بكسر السين وهي مقدمة النوم ، ولا يخفى لطف الجمع بين كلمتي السنة والمجاعة ، والجمع بين الرفض والسنة فيه براعة الاستهلال.

(٤) انما قال : المتسمين ، لان هذه التسمية لا تليق الا بالشيعة المجبولين على حب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيت عليهم‌السلام ، فإنهم المحافظون للسنة وجماعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما يدل عليه الحديث الطويل الذي ذكره صاحب الكشاف وفخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ، حيث رويا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : من مات على حب آل محمد مات شهيدا الى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. فان هذا يدل على أن السنة هي المتلقاة من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن الجماعة جماعتهم وأما المتسمين بأهل السنة فهم يدينون ببغض الال عليهم‌السلام كما أظهر ذلك قاضيهم (ابن خلكان في كتاب وفيات الأعيان) عند ذكر أحوال على بن جهم القرشي الناصبي الباغض لال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال : ما حاصله أنه كان معذورا في ذلك لان حب على لا يجتمع مع التسنن انتهى. منه «قده» أقول ونقل الثعلبي في التفسير والواحدي في الوسيط وغيرهما هذه الجمل المنقولة عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٢

فأشرق نورهم سنيّا ، ووفقهم لكشف الحقّ والتزام نهج الصّدق (١) ، فلم يزل كانوا للحقّ شيعة (٢) ، وللصّدق وليّا ، نحمده حمدا كثيرا طيّبا زكيّا (٣) ، ونشكره شكرا لا يزال غصنه بالزّيادة جنيّا (٤) ، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة نكرّرها بكرة وعشيّا (٥) ونسلك بها صراطا سويّا (٦) ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله الذي ارتضاه صفيّا (٧) وقرّبه نجيّا (٨) واختار له ابن عمّه وكاشف غمّه (٩) وصيّا ووليّا ، فأمّره يوم الغدير بالنّصّ في شانه نصّا جليّا ، قائلا : من كنت مولاه فمولاه هذا عليّا (١٠) صلى‌الله‌عليه‌وآله صلاة ينال بها

__________________

(١) فيه لطف وإيماء الى كتاب المصنف آية الله العلامة «قده».

(٢) أريد بها الاتباع.

(٣) من الهوا جس والشوائب والرذائل

(٤) من جنى بمعنى اقتطف ومنه قول الشاعر :

هذا جناي وخياره فيه

وكل جان يده الى فيه

(٥) في الصلوات اليومية وغيرها.

(٦) إيماء الى قوله تعالى في سورة مريم. الآية ٤٢ : (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا).

(٧) إشارة الى ما في خطبة الزهراء عليها الصلاة والسلام في المسجد بمعشر من المسلمين.

(٨) إيماء الى قوله تعالى في سورة مريم. الآية ٥١ : (وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا).

(٩) بنصرته في الغزوات ووفاء دينه وأداء ما حمله من وصيته.

(١٠) الظاهر أن يكون عليا في هذا التركيب علما ، ووجه حاليته مع كونه غير مشتق كونه كالبسر في قولهم : هذا بسرا أطيب منه رطبا ، لأنه يدل على صفة هي العلو ، كما أشار اليه الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص عند التمثيل لا يراد المسند اليه علما لتعظيم أو اهانة بقوله : ركب على وهرب معاوية فان عليا يدل على العلو ومعاوية على عوى الكلب. ويحتمل أن يكون صفة بمعنى العالي والرفيع وح لا إشكال في الحالية ويتضمن إشارة لطيفة الى ما روى من أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ما قال في شأن امير المؤمنين عليه‌السلام قوله :

٣

المؤمنون يوم العطش ريّا (١) ، ويحوزون (٢) بها في جنّة المأوى حليّا (٣) وعيشا رضيّا (٤)،

أما بعد فإن الله تعالى بعث رسوله محمّدا على فترة (٥) من الرّسل وحين شتات (٦) من السّبل ، والنّاس كانوا حيارى في فلوات حبّ الشّهوات ، سكارى من نشوات (٧) الجهل والهفوات ، يعبدون الأوثان والأصنام (٨) ويعكفون على

__________________

من كنت مولاه فعلى مولاه ، أخذ بضبعه ورفعه حتى ظهر بياض إبطيهما ، فيكون معنى الكلام قائلا : من كنت مولاه فمولاه هذا حال كونه رفيعا عاليا بيدي من وجه الأرض ، ولفظ على مرفوعا في اصل الحديث يحتمل ذلك ايضا فتأمل منه «قده».

(١٠ مكرر) ارتكب جعل عليا حالا بالتأويل اى بتأويل المسمى به رعاية للسجع فافهم منه «قده».

(١) روى من الماء واللبن كرضى ورياه. منه «قده».

(٢) من الحيازة بمعنى الجمع. منه «قده».

(٣) إشارة الى ما

رواه عدة من مشاهير القوم ، كالثعلبى والواحدي والزمخشرىّ في تفاسيرهم من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع : ألا من مات على حب آل محمد دخل الجنة وعليه حلة.

(٤) إشارة الى قوله تعالى : (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) الحاقة. الآية ٢١

(٥) الفترة : الانكسار والضعف ، وقد فتر الحر وغيره يفتر فتورا ، وفترة ، والفترة الزمان بين الرسولين.

(٦) الشتات : التفرق.

(٧) رجل نشوان : سكران بين النشوة. منه «قده».

(٨) اكثر هذه الجمل مقتبسه من كلمات درة صدف الرسالة ومشكاة الوحى والسفارة ، سيدتنا ومولاتنا الزهراء البتول ، في خطبتها الغراء التي ألقتها بمسجد المدينة ، وقد خاطبت بها المهاجرين والأنصار من أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتصدى لشرحها فطاحل العلم والأدب ، وأظهر كل شارح عجزه عن أداء حقها في الختام.

٤

الخمر والميسر والأنصاب (١) والأزلام (٢) يخرّون في سجود اللّات والعزّى ، ويصرّون في كفران من نعمه لا تجزى ، يرفلون (٣) في ثياب الإعجاب (٤) ويستكبرون عن استماع الخطاب واتّباع طريق الصّدق والصّواب (٥) فكشف الله تعالى برسوله طريق الحقّ وأوضح لهم نهج الصّدق (٦) فأسلم القليل شوقا إلى نور الأنوار ، أو خوفا من دخول النار ، واستسلم (٧) الكثير رغبة في جاه الرّسول المختار لما سمعوا في ذلك عن راهبيهم من الأخبار (٨) أو رهبة عن اعتضاده بصاحب ذي الفقار ، والذين معه أشدّاء على الكفّار (٩) فداموا مجبولين على توشّح (١٠) النّفاق

__________________

(١) إشارة الى قوله تعالى في سورة المائدة. الآية ٨٩ : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ.) الآية. وقال في شمس العلوم : النصب ما ينصب فيعبد من دون الله تعالى من حجر وغيره.

(٢) الزلم واحد الأزلام وهي السهام التي كانوا في الجاهلية يستهمون بها. منه «قده».

(٣) يقال : رفل في ثيابه يرفل. إذا أطالها وجرها متبخترا منه «قده».

(٤) الاعجاب من العجب بالضم وهو أن يظن الشخص بنفسه بعض الظنون. منه «قده»

(٥) الصدق في المقال والصواب في المعتقدات ، ولكن الظاهر في المقام كون العطف تفسيريا

(٦) إيماء الى اسم كتاب المصنف «قده»

(٧) فيه إشارة الى ما روى عن امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في نهج البلاغة ، انه قال في خطته لأصحابه في حرب الصفين : والذي خلق الخلق وبرء النسمة انهم ما أسلموا قط ، ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه.

(٨) وفي بعض النسخ الأحبار جمع الحبر وعليه فكلمة من غير بيانية.

(٩) اقتباس من قوله تعالى في سورة الفتح. الآية ٢٨ : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) الآية.

(١٠) لا يخفى على العارف بأساليب الكلام العربي ما من اللطائف والدقايق والتشبيه والاستعارة في التعبير بالتوشح والترشح.

٥

وترّشح الشقّاق ، يتبّسم (١) في كلّ وقت ثغورهم ، والله يعلم ما تكنّ صدورهم (٢) وإذ قد تمّ الدليل (٣) واتّضح السّبيل ، وأداروا عليهم كؤوس (خ ل كأس) السلسبيل (٤) فما شرب منهم إلّا قليل ، عزم صاحب المجلس على الرّحيل (٥) وأزمع على التّحويل ، (٦) فأحال الجلّاس فيما بقي من ذلك الكأس على السّاقي الذي لا يقاس بالنّاس ، وأوفاه في غدير خمّ من كأس من كنت مولاه فعليّ مولاه فبخبخ (٧)

__________________

(١) لا يخفى ما في اسناد التبسم الى الثغر من اللطف في هذا المقام.

(٢) إشارة الى قوله تعالى في سورة النمل الآية ٧٣ : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ) الآية.

(٣) فيه إشارة الى قوله تعالى في شأن خلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية. منه «قده»

(٤) إشارة الى قوله تعالى في سورة الدهر. الآية ١٧ و ١٨ : (عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) الآية.

(٥) اى قصد السير. منه «ره»

(٦) من هذه النشأة الى الآخرة.

(٧) قول عمر يوم الغدير : بخ بخ لك يا ابن أبى طالب لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. روى في ينابيع المودة (ص ٢٣٩ ط اسلامبول) عن البراء بن عازب رضى الله عنه في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ، أى بلغ من فضائل على ما نزلت في غدير خم ، فخطب رسول الله (صلعم) قال : من كنت مولاه فهذا على مولاه فقال عمر رضى الله عنه : بخ بخ لك يا على أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، رواه أبو نعيم وذكر أيضا الثعلبي في كتابه ، انتهى ما ذكره ، أقول : وفي ذخائر العقبى (المطبوع بمصر بدرب السعادة تحت اشراف مكتبة حسام الدين القدسي ص ٦٧) ما هذا لفظه : عن البراء بن عازب رضى الله عنهما ، قال : كنا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في سفر ، فنزلنا بغدير خم فنودي ، فينا : الصلاة جامعة وكسح لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تحت شجرة فصلى الظهر وأخذ بيد على وقال : ألستم تعلمون أنى اولى بالمؤمنين من

٦

عليه عمر ، وهنّاه ، وبايعه جلّ من حضر وحيّاه ، فلمّا رحل صاحب الكأس وانتفى أثر تلك الأنفاس ، خرج الأغيار من الكمين ، وضيّعوا وصيّة الرّسول الأمين ، فنسوا الكأس الذي عليهم ادير ، ونقضوا ونكثوا عهد الغدير ، وبيعة الأمير ، إذ سقاهم حبّ الجاه وعقد اللواء كأس الهوى فأعرضوا عن السّاقي الباقي مليّا ، وتركوه نسيا منسيّا ، فصار جديد عهدهم (١) رثّا ، وشمل بيعتهم هباء منبثّا وانجرّ دائهم الدفين ، وانتهى بهم إلى أن عادوا إلى الخلاف الأوّل ، وارتّدوا على أعقابهم كما يدلّ عليه حديث الحوض الذي رواه (٢) مسلم والبخاري والحميدي و

__________________

أنفسهم قالوا : بلى ، فأخذ بيد على ، وقال : اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، قال : فلقيه عمر بعد ذلك فقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ؛ أخرجه احمد في مسنده ، وأخرجه في المناقب من حديث عمر إلخ.

(١) من إضافة الصفة الى موصوفها كجرد قطيفة؟ ، فالمعنى عهدهم الجديد ، ولا يخفى ما في التعبير عن بيعتهم بالعهد الجديد من الإيماء ولطف الاشارة.

(٢) إشارة الى ما رواه البخاري (الجزء الثامن في باب الحوض ص ١١٩ ط الاميرية) بقوله وحدثني عمرو بن على ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن المغيرة ، قال سمعت أبا وائل ، عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، انه قال : أنا فرطكم على الحوض وليرفعن معى رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول : يا رب أصحابى ، فيقال : انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك. وروى مسلم بن الحجاج في صحيحه (الجزء السابع في باب الحوض ص ٦٥ ط مصر) عدة روايات بهذا المضمون والحميدي في كتابه الجمع بين صحيحى المسلم والبخاري. وكذا احمد بن حنبل في مسنده (الجزء ٥ ص ٣٣٣ ط مصر). وايضا في الجزء الخامس ص ٣٨٨ بإسناده عن حذيفة.

ولبعض علماء الجمهور :

قد اوتى المصطفى له عظم

من خير ما قد آتاه الله للرسل

لا شك فيه كما صح الحديث به

عن صدق وعد فيسقي كل ذى عمل

٧

أضرابهم ، فهدموا أركان الشّرع وأكنافه ، وكسروا أضلاع الدين وقطعوا أكتافه (١) وهضموا حقّ أهل البيت ، ولم يلحقهم فيه مخافة ، ومنعوا إرث فاطمة من غير أن تأخذهم فيها رأفة ولا رحمة ، انتصبوا من غاية الجهل والجلافة للخلاف على الخلافة ، وغصبها بكلّ حيلة وجزافة ، فنصبوا الخالي عن العلم والشرافة ، المملوّ من الجهل والكثافة (٢) ، فلم يزل كانوا بآيات الله يمترون ، (فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) (٣) ، وكأنّه إلى ما ذكرناه من القضيّة أشار عباس بن عتبة بن أبي لهب (٤) الهاشميّ عند وقوع الرّزية بقوله شعرا :

__________________

أصفى بياضا من الألبان أجمعها

من أعذب الماء بل أحلى من العسل

يذاد عنه أناس لا خلاق لهم

قد قابلوا الدين بالتغيير والبدل

(١) إيماء الى مجيئهم الى باب بيت النبوة ومعدن الرسالة وكسرهم ضلع الزهراء البتول عليها‌السلام وشدهم كتفي وصى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجعل الحبل او نجاد السيف في عنقه وهذه السيئات مذكورة في كتاب سليم بن قيس وبعض كتب اهل السنة المخطوطة وكذا المطبوعات القديمة منها ، واما المطبوعات الحديثة فلا اعتماد عليها ولا قيمة ، إذ اللجنة الخائنة تدس فيها وتحذف ما تفصح عن سوء صنيع أسلافهم بآل الرسول وتكشف المخبيات ، ولو ساعدتنى سواعد التوفيق لجمعت تلك المحذوفات في كتاب وسميته (بخيانة الأقلام) او جناية اللجنة.

(٢) الحاصلة من مساوي الأخلاق ورذائل الصفات.

(٣) اقتباس من قوله تعالى في سورة آل عمران الآية ١٨٧ : (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.)

(٤) القائل هو العباس بن عتبة بن أبى لهب بن عبد المطلب ، وام عتبة ام جميل وهي حمالة الحطب بنت حرب بن أمية بن عبد شمس ، وفيها يقول الأحوص :

ما ذات حبل يراها الناس كلهم

وسط الجحيم ولا يخفى على احد

كل الحبال حبال الناس من شعر

وحبلها وسط اهل النار من مسد

٨

من مبلغ عنّا النبيّ محمّدا

إنّ الورى عادوا إلى العدوان

إنّ الذين أمرتهم أن يعدلوا

لم يعدلوا إلّا عن الايمان

غصبوا أمير المؤمنين مكانه ،

واستأثروا بالملك والسّلطان

بطشوا بفاطمة البتول وأحرزوا (خ ل أحوزوا) ميراثها طعنا على القرآن (١) وتلك النّكث والنقض والإبرام والغصب والنصب والاهتضام ، غير مستبعد عن أقوام ، صرفوا أكثر أعمارهم في عبادة الأصنام ، وليس أوّل قارورة كسرت في الإسلام ، (٢) فقد صدر من أصحاب موسى عليه‌السلام عند توجّهه إلى الطّور ، أعظم من هذا الفتور والفطور ، إذ قد ارتدّ جمهور أصحابه من بني إسرائيل ، فضلّوا وأضلّوا السّبيل حتىّ وافقوا السّامريّ في عبادة العجل ، وعمدوا قتل هارون الوصيّ ودفعوه باليد والرّجل ، وقد روي (٣) عن نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : يقع في امّتي ما وقع في امّة خلت من قبل حذو القذّة بالقذّة ، والنّعل بالنّعل.

__________________

(١) وفي بعض كتب السير نسبة هذه الأبيات الى الفضل بن العباس الشاعر المشهور.

(٢) من الأمثال الدائرة السائرة بين الناس.

(٣)رواه في مجمع الزوائد (ج ٧ ص ٢٦١ ط مصر) عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. ويقرب منه ما رواه الحاكم في المستدرك (ج ١ ص ١٢٩ ط حيدرآباد) عن على بن حمشاذ : حدثنا العدل ، حدثنا اسماعيل بن إسحاق القاضي والعباس بن فضل الاسفاطى ، قالا حدثنا اسماعيل بن أبى اويس ، حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا قعودا حول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في مسجده فقال :لتسلكن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل ، ولتأخذن مثل أخذهم ، ان شبرا فشبر ، وان ذراعا فذراع ، وان باعا فباع حتى لو دخلوا جحر ضب دخلتم فيه الا ان بنى إسرائيل افترقت على موسى على إحدى وسبعين فرقة ، كلها ضالة الا فرقة واحدة ، الإسلام وجماعتهم ، وانها افترقت على عيسى بن مريم على إحدى وسبعين فرقة كلها ضالة إلا فرقة واحدة ، الإسلام وجماعتهم ، ثم انهم يكونون على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة إلا فرقة واحدة الإسلام وجماعتهم ،

٩

ثم لما قصروا على أنفسهم المسافة ، مدّة امتداد مسّ الآفة ، (١) وغصب الخلافة بإناطة صحّتها فيها على مجرّد اختيار الامّة ، ونفوا اشتراط النصّ والعصمة في الأئمة ، ليتّسع لكلّ جلف جافّ بيّن الكثافة ، (٢) تصدّى الخلافة بلا توجّه ملامة ، وتوقّع مخافة ، عن الكافّة ، وجعلوا ذلك من الأصول المطاعة ، وأهمّ مقالات المتّسمين بأهل السنّة والجماعة ، لا جرم كلّ من جاء بعدهم متقمّصا للسّلطنة (٣) والإيالة مع خلّوه عن العصمة والعدالة ، بادر إلى تعظيم علماء المتّسمين بأهل السنّة واستمالتهم ، ومال إلى تكريم شأنهم وترويج مقالتهم ، وأبغض علماء الشيعة الحاكمين بجلافتهم القائلين : بعدم صّحة خلافتهم ، فقد كان لهذه الفرقة النّاجية (٤) ، خصماء عظماء جهلاء سفهاء ، وأعداء أشدّاء وأغوياء و

__________________

وبهذا المضمون عدة روايات بأسانيد مختلفة ، منها روايتا عبد الله بن عمر ، وأبي هريرة وغيرهما عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أورد بعضها الحاكم في المستدرك وغيره في غيره فليراجع.

(١) لا يخفى لطف تقابل لفظي المسافة ومس الافة.

(٢) قال الجزري في النهاية : في الحديث فجائه رجل جلف جاف. الجلف : الأحمق ، وأصله من الجلف ، وهي الشاة المسلوخة التي قطع رأسها وقوائمها ، ويقال للدن ايضا.

جلف ، شبه الأحمق بهما لضعف عقله. وقال : في الحديث ، من بدا جفا بالدال المهملة ، أى من سكن بالبادية غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس ، والجفاء غلظ الطبع منه «قده»

(٣) لا يخفى ما في العدول عن لفظي الخلافة والوصاية الى السلطنة والايالة من الإيماء الى كونهم متقمصين من غير أهلية لذلك ، وأن سلطتهم على المسلمين ليست من باب الخلافة.

(٤) التعبير بهذه الكلمة وقع اقتباسا واتباعا من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ستفترق أمتى على اثنين وسبعين كلها هالكة ، وواحدة منها ناجية ، وقد ذكر علامة الجمهور في عصره السيد ابراهيم الراوي البغدادي من مشايخنا في رواية صحاحهم ذات يوم في مجلس درسه للبخاري : أن حديث افتراق الامة على العدد المذكور مما رواه اعلام القوم

١٠

أقوياء ، أولو السّيف والسّنان ، والبغض والشنآن ، والزّور والبهتان ، والبغي والعدوان ، والكفر والطغيان ، لما في قلوبهم من نتائج الأحقاد الجاهليّة ، والأضغان (١) البدريّة ، التي يتوارثونها بالعهود عداوة لمولانا أمير المؤمنين ووصىّ رسول رب العالمين ، إمام البررة وقاتل الكفرة والفجرة ، ولأولاده السّادة المعصومين والأئمة القادة المظلومين ، ولهذا كانوا في أكثر الأعصار مختفين في زاوية التقية ، متوقّعين عن ملوك عصرهم نزول البليّة ، إلى أن وفّق الله تعالى السلطان الفاضل الفاضل؟ (٢) السعيد غياث الدين اولجايتو محمد خدا بنده أنار الله برهانه لخلع قلادة التقليد ، وكشف الحق ونهج الصّدق (٣) بالتأمّل الصّادق والنظر السّديد فنقل (٤) أوّلا عن مذهب الحنفي الذي نشأ فيه من الصغر إلى مذهب الشافعي

__________________

انتهى ، وكان الراوي من أجلائهم في الإحاطة والتتبع حضرت حلقة دروسه في ثلاثيات البخاري والتفسير وغيرها في بغداد بجامع السلطان على روما لتحصيل الإجازة منه في رواية مروياتهم وكتب لي إجازة مبسوطة ذكر فيها مشايخه الى أرباب الصحاح.

(١) الاضغان والضغائن : ما يضمر من السوء ويتربص به إمكان الفرصة. والجملة مشيرة الى مضمون بعض الاخبار المروية في كتب أصحابنا الامامية رضوان الله عليهم من اعمال القوم واظهارهم أحقاد بدر وحنين.

(٢) إيماء الى تمييزه الحق عن الباطل وتشرفه بالتشيع ، وكان «ره» من أعدل الملوك وأرأفهم وأعبدهم ، توفى حدود سنة ٧٢٦ وقبره في سلطانية قريبة من بلدة زنجان وهو معروف الى الآن ، وتعد بقعته من الآثار الخالدة والابنية الإسلامية العجيبة. وبجنبه قرية فيها سادة اجلاء وبيدهم مصحف منسوب الى الأئمة عليهم‌السلام وتحكى امور وكرامات عن ذلك المصحف.

(٣) إيماء الى كتاب المصنف العلامة «قده»

(٤) ولعل كلمة نقل مبنية للمفعول عبر بها لان انتقاله من باطل الى باطل كان باغواء الغير ، وأما تشرفه بالتشيع كان بإرادته واختياره ، ولذا عبر فيما سيأتي بقوله واختاره.

١١

الذي كان أقلّ شناعة من المذاهب الأخر ، (١) ثم لما ظهر له من مناظرة ولد صدر جهان البخاري الحنفي (٢) مع المولى نظام الدّين عبد الملك المراغي الشافعي (٣) بطلان كلا المذهبين ، واطّلع على مجمل من حقيقة مذهب الشيعة في البين ،

__________________

(١) وذلك لاخذ الشافعي عن جماعة من أهل البيت وبنى السبطين مضافا الى انتهاء نسب الشافعي الى آباء النبي الأكرم وكونه من قريش ، وارتضاعه من ثدي كانت موالية لآل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن هذا الباب تراه من المتفادين للعترة في ولائه ، وقريبا لهم في الفقه والفروع ، فكم له من منظومات في مديحهم والثناء عليهم أوردها الثقاة في كتبهم وممن نقل ذلك العلامة السيد ابو بكر بن الشهاب العلوي الحضرمي في كتابه رشف الصادي في فضائل بنى النبي الهادي الشبلنجي المصري في النور. وصاحب الاسعاف. ومؤلف المطالب وغيرهم من اعلام القوم.

(٢) هو صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة الحنفي البخاري المتوفى ٧٥٠ شارح الوقاية في الفقه الحنفي ومصنف كتاب تنقيح الأصول في اصول الفقه وغيرهما من الكتب والزبر

(٣) هو المولى الفاضل نظام الدين عبد الملك الشافعي المراغي نسبة الى (مراغة) آذربايجان (لا مراغة مصر) وكان المترجم من أعيان عصره في الفضل والعلم ومن أجلة الشافعية في عصره وله تآليف وتصانيف كثيرة منها (التوضيح تصدى فيه لشرح كتاب الام للشافعي لم يتمه) (وكتاب المشيخة) ذكر فيه طرقه وأسانيده وجرت بينه وبين صدر جهان البخاري الحنفي مناظرات وكان البخاري شديد العصبية لأبي حنيفة وعلى الشافعي والمراغي بالعكس فذكر كل منهما مثالب امام الآخر والفتاوى الغريبة التي تستمجها الطباع المعتدلة من فتيا الإمامين وكان هذا الباعث على انزجار طبع السلطان من مذهب الرجلين فلما آل الأمر الى هنا امر الملك بإحضار علماء سائر فرق المسلمين من المالكية والحنابلة والزيدية والشيعة الامامية ، فأشخص من الحنابلة (الشيخ مجد الدين الدمشقي وحماته) ومن المالكية (الشيخ تاج الدين المصري وحماته) ومن الزيدية (السيد محمد أبي المجد وغيره) ومن الامامية مولانا (الشيخ جمال الدين العلامة الحلي) وجرى

١٢

حكم بإحضار علماء الإماميّة من الأمصار ، واختار من بينهم لمناظرة الأغيار ، الشّيخ الأجلّ المصنّف العلّامة تاج أرباب العمامة ، حجّة الخاصّة على العامّة : لسان المتكلمين ، سلطان الحكماء المتأخّرين ، جامع المعقول والمنقول ، المجتهد في الفروع والأصول ، الذي نطق الحقّ على لسانه ، ولاح الصّدق من بنانه (١) ، آية الله في العالمين جمال الحق والحقيقة الحسن بن الشيخ المؤيد في استنباط الحكم الملي بالسداد الفطري الجبلي سديد الدين يوسف بن المطهر الحلي (٢)

__________________

البحث بين كل فريق وبين الآخر وكان السلطان محمد خدا بنده رجلا فاضلا ناقدا بصيرا حاذقا ذا قريحة وقادة فاستشعر بفساد المذاهب كلها الا مذهب شيعة أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله واختار ذلك وتشيع وأمر بذكر أسماء أئمة الهدى ومصابيح الدجى في الخطبة وضرب السكة مزينة بأساميهم عليهم‌السلام كما ترى صورتها الفوتوغرافية التي أخذناها عن عددين من تلك السكك المضروبة عثرت عليهما في النقيبات الحفرية بين مسجد الكوفة وبين مسجد السهلة زمن إقامتي في الغرى الشريف وهما من الفضة ، وفي متحف بلدة قم المشرفة الكائن في صحن الست الجليلة كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة سلام الله عليها يوجد عدد واحد من تلك السكك ، وفي متحف طهران توجد أعداد منها. وبالجملة صنيع السلطان وأمره بضرب السكة كذلك مما لا شك في وقوعه بنص المورخين ووجود هذه الدراهم وشهادة بعض الآثار والابنية الباقية من ذلك الزمان في بلاد ايران وقراها وعلى الله الاتكال.

(١) في بعض النسخ المخطوطة بيانه بدل بنانه.

(٢) هو الشيخ الامام ، قدوة علماء الإسلام : صاحب التأليف الكثيرة في الفنون الإسلامية ، ولد سنة ٦٤٨ توفى سنة ٧٢٦ وقبره في النجف الأشرف في حجرة ملاصقة لباب الحضرة الشريفة ومن سعاداته بعد موته كونه مع مولانا المقدس الأردبيلي بمنزلة البواب للحرم الشريف العلوي إذ قبر مولانا العلامة على يمين الداخل الى الروضة المنورة وقبر مولانا الاردبيلي على يساره طوبى لهما وحسن مآب.

١٣

أحلّه الله في جوار النبيّ واله صلى‌الله‌عليه‌وآله وألبسه من حلل رحمته وحليّ إفضاله ، فناظرهم العلّامة وأثبت عليهم بالبراهين العقليّة ، والحجج النقليّة ، بطلان مذاهبهم العاميّة وحقيقة مذهب الإماميّة ، على وجه تمنّوا ان يكونوا جمادا أو شجرا ، وبهتوا (١) كأنّهم التقموا حجرا (٢) ، ثم أكد ذلك بتصنيف الكتاب المستطاب ، المزيل للارتياب ، الموسوم بكشف الحق ونهج الصدق والصواب فعدل السّلطان والأمراء والعساكر ، وجمّ غفير من العلماء والأكابر ، إلى التزام المذهب الحقّ ، وزيّنوا

__________________

(١) إيماء الى قوله تعالى في سورة البقرة الآية ٢٥٧ : (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ).

(٢) إيماء الى كتاب القام الحجر للسيد العلامة القاضي الشهيد «قده» صاحب الكتاب في الرد على ابن حجر ، ولا يخفى لطف التعبير بالتقام الحجر. وهو كتاب نفيس تصدى فيه مولانا القاضي لرد بعض كلمات ابن حجر بأبلغ وجه وأحسن طريقة وأرجو من فضله تعالى أن يقيظ الهمم في نشره واشاعته. والعجب من بعض المثرين حيث انصرف من طبعه بعد ما كان عازما على ذلك مع أنه يعد من أهل الفضل.

(وهذه صورتها)

١٤

الخطبة والسّكة (١) بسوامي (٢) أسامي الأئمة المعصومين الذين هم بالخلافة أولى وأحقّ ، وكان المعاصرون المناظرون للمصنّف العلّامة ، خلقا كثيرا من علماء العامة كالمولى قطب الدين الشيرازي (٣) وعمر الكاتبي القزويني (٤) وأحمد ابن محمد الكيشي (٥)

__________________

(١) وعندنا شيء من تلك السكك والضروب ، وقد نقشت اسماء المعصومين متصلة بمحيط الدائرة الكائنة على السكة ، وفي وسطها اسم السلطان خدا بنده.

(٢) من إضافة الصفة الى موصوفها.

(٣) هو الشيخ المحقق في الرياضيات والمنطق والفلسفة قطب الدين محمود بن مسعود ابن مصلح الشيرازي من تلاميذ المحقق الطوسي «قده» ومن شركائه في رصد مراغة توفى ٢٤ رمضان سنة ٧١٠ وقيل ٧١٦ له تصانيف ، منها شرح قانون الشيخ الرئيس ، ودفن بجنب قبر القاضي البيضاوي في مقبرة چرنداب من مقابر بلدة تبريز. وللمترجم يد طولى في الطب أيضا.

(٤) هو أبو الحسن القزويني المشهور بالكاتبى ، العلامة في الرياضيات والمنطق والجدل والكلام ، وكان من تلاميذ المحقق الطوسي «قده» ومن شركائه في رصد مراغة له تصانيف ، منها الرسالة الشمسية في المنطق وشرحها العلامة قطب الدين الرازي من أصحابنا وهو الشرح الدائر السائر بين المحصلين الكرام ويعبر عن هذا الشرح بالقطبية ليمتاز عن شرح المحقق التفتازاني الذي يعبر عنه بالسعدية ثم من أشهر تصانيف الكاتبي كتاب حكمة العين وكم له من شروح توفى المترجم سنة ٦٧٥.

(٥) نسبة الى كيش من الجزائر الواقعة في (خليج فارس) وكان الرجل من نوابغ عصره وله حاشية على الشفاء وغيره. وفي بعض المجاميع ان المناظر لمولانا العلامة قده هو احمد بن محمد الكبسى بالباء الموحدة بعد الكاف ثم السين المهملة وفي نسخة من الاحقاق أحمد بن محمد الكشنى بالشين المعجمة بعد الكاف ثم النون وكل نسبة الى مكان فالكيشى كما ذكرناه ، والظاهر أنه الصحيح المراد هنا نسبة الى تلك الجزيرة والكبسى نسبة الى محل باليمن وآخر في الشام وآخر في مصر ، والكشني نسبة الى

١٥

وركن الدين المتسيد الموصلي (١) والمولى نظام الدين (٢) المذكور وغيرهم من المولى والصدور ولم يتعرّض هؤلاء الأفاضل الأنجاب لذلك الكتاب المستطاب ، مع اشتماله على قدح أسلافهم وأجلّتهم ، ونقض ما اعتمدوا عليه من أدلتهم حذرا عن ظهور زيادة لجاجهم واعوجاجهم ، وحياء عن إطّلاع النّاقدين على قصور عيار احتجاجهم.

ثّم لما وصل ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه (٣) إلى نظر الفضول السّفيه ، المعدود في خفافيش ظلمة العمى وخوافيه ، فضل بن روزبهان (٤) الذي يخرج فضلته من فيه

__________________

كشن محل بما وراء النهر قريب من بلدة كش التي هي من أعمال سمرقند ، ومنه شيخنا الكشي الرجالي الشهير الذي من بتأليفه علينا وكتابه المعروف بالمختار من رجال الكشي من أمهات كتب الرجال التي عليها التعويل والاعتماد ثم ان بما وراء النهر بلد آخر سمى (كش) بضم الكاف واليه تنسب جماعة فلا تغفل.

(١) هو ركن الدين الحسيني العبيدلي الأعرجي من ذرية نقباء الموصل العبيدليين وكان ذا فضل وقريحة له تصانيف وتآليف وكان يدرس في بغداد مدة ، وفي الموصل ثم اتصل بالسلطان شاه خدا بنده وصار في علماء دولته السنية وجرت بينه وبين مولانا العلامة مناظرات وكانت الغلبة للعلامة والرجل كان من المتعصبين في المذهب وله حاشية على الكشاف ثم ليعلم انه غير السيد ركن الدين الجرجاني نزيل الموصل فانه كان شيعيا وغير السيد ركن الدين الشيرازي الحسنى الحنفي صاحب رسالة المنطق وغير السيد ركن الدين البغدادي نزيل الموصل الحنبلي المذهب فلا تغفل.

(٢) قد مرت ترجمته فلاحظ.

(٣) اقتباس من قوله تعالى في سورة البقرة الآية ٢ : (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ).

(٤) بكسر الباء الموحدة. وقد مرت ترجمة الفضل في المقدمة.

١٦

(١) خلع العذار (٢) ولم يتأسّ (خ ل يتأسّن) بحياء إمامه قتيل الدّار (٣) ، فطوى الكشح عن الحياء ، ونهى النّفس عن الوقاء (٤) ، واستهدف نفسه لسهام الملام ، بجسارته وجرأته على المصنّف العلّامة الإمام ، وتزييف كلامه بالشّتم وركيك الكلام ، كأنه قد نزل عليه نزول الضّيف على أقوام لئام ، فعاملوه بغير ما يليق به من الإجلال والإكرام ، وكأنه أشار المولوي الأولوي (٥) إلى مثل هذا الخفّاش (٦) المحروم عن رؤية الأنوار ، المرجوم الظالم المظلوم (٧) المحبوس في ظلام الجهل والاستكبار في مقابلته لنيّر براهين العلّامة الذي كان في عالم العلوم كالشّمس في نصف النّهار بقوله في المثنوي المعنوي (٨) :

__________________

(١) وكان الحرى ترك هذه التعبيرات ، ولكن الذي حمل القاضي «قده» على ذلك ارتكاب ابن روزبهان أسوأ من ذلك بالنسبة الى مولانا العلامة «قده» المشتهر في الآفاق (كما تدين تدان ، لا تهتك فتهتك).

(٢) خلع عذاره وهو خليع العذار اى اتبع هواه وانهمك في الغي وصار يقول ويفعل وما يبالى كالدابة بلا رسن.

(٣) المراد به عثمان بن عفان ، وعدم تأسى الفضل به من جهة انه لما حوصر في الدار أظهر الندم فيما فعله ببيت المال وتسليطه بنى أمية على رقاب المسلمين.

(٤) في قبال قوله تعالى : (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى).

(٥) شاعت أمثال هذه الكلمات كالجمالى والكمالي والملكي في أواخر المائة الخامسة بالحاق حرف الياء أواخر الألقاب والصفات ، بل الاعلام والمولوى هو الشيخ جلال الدين محمد العارف الرومي صاحب كتاب المثنوى المتوفى سنة ٦٧٢ والمدفون ببلدة قونية.

(٦) الخفاش كرمان طائر معروف ولود تحيض وترضع.

(٧) الظالم لنفسه ولغيره والمظلوم باغواء غيره إياه وغلبة جهله.

(٨) في الدفتر الثالث.

١٧

از همه محروم تر خفّاش (١) بود

كو عدوى آفتاب فاش بود

نى تواند در مصافش زخم خورد

نى بنفرين تاندش مهجور كرد

دشمن ار گيرى بحد خويش گير

تا بود ممكن كه گردانى اسير

قطره با قلزم چه استيزه كند

ابلهست او ريش (٢) خود بر ميكند

با عدوى آفتاب اين بد عتاب

اى عدوى آفتاب (٣) آفتاب

وكأنّي أسمع من لسان حال ذلك العلم العلّامة إلى هذا الجاهل الجالب على نفسه الملامة السّالب للعافية والسّلامة ، شعر :

اى مگس عرصه سيمرغ نه جولانگه تو است

عرض خود ميبرى وزحمت ما ميدارى

هيهات هيهات أين هو من المبارزة مع فرسان الكلام ، والمعارضة مع البدر التّمام ، أين الثّريا من الثّرى ، والنّعامة من الكرى أطرق (٤) كرى أطرق كرى ، إنّ النّعامة

__________________

(١) الخفاش بضم الخاء ثم الفاء المشددة كرمان : الوطواط وهو الطائر المعروف الولود التي تحيض وترضع ولا تبصر في النهار.

(٢) ريش أصله ريشه ، خفف ورخم لضرورة الشعر ، ويجوز في الشعر ما لا يجوز في النثر.

(٣) مثله مثل قول العرب ظل ظليل وداهية دهياء وليل أليل وبهيم أبهم ، ويمكن جعل المورد من باب قاعدة التجريد في البديع كما لا يخفى على من ذاق حلاوة علوم البلاغة وارتضع من درها.

(٤) اطرق اى غض ، من اطراق العين وهو خفض النظر. والكرى هو الكروان بفتح الكاف والراء ؛ وجمعه الكروان بكسر الكاف وسكون الراء ؛ وهو طائر صغير شبهوا به الذليل ؛ وشبهوا الاجلاء بالنعام. والجملة تضرب مثلا للرجل الحقير إذا تكلم في الموضوع الجليل بما لا يتكلم فيه أمثاله ونعم ما قيل :

جائى كه عقاب پر بريزد

از پشه لاغرى چه خيزد

ثم ان بعض أهل الأدب ذكر أن قولهم : اطرق كرى إلخ كان بمنزلة رقية عند العرب لتسخير الكروان واصطياده ؛ كما نص عليه بعض الأفاضل في تعليقته على شرح الجامى.

١٨

في القرى ، فهو فيما قرن به كلام المصنّف من النّقض والقدح ، وذيّل من الشّرح المقصور على الكلم (١) والجرح ، قد قرن الظلمة بالنّور ، وعقّب نغم الزّبور (٢) بدويّ (٣) الزّنبور ، أو قابل (٤) شوهاء بحسناء ، ونظر إلى حوراء بعين عوراء ، بل نظم خرزة في سلك اللئال ، ودفع عن جمال المصنّف (٥) عين الكمال ، ولعلّه جعل هذا النّقض والإبرام ، والجرح والإيلام ، انتقاما لما جرى على أصحابه في أصفهان من القتل العام (٦) عند طلوع صبح السّلطنة العليّة ، وظهور نيّر الدّولة المؤيّدة (٧) الصّفويّة الموسويّة ، أنار الله براهينهم الجليّة فاستولى عليه الحقد النّاشي عن مصيبة الأهل (٨) والأصحاب ، وعاق عين بصيرته عن رؤية الحقّ والصّواب ، حتّى نظر

__________________

(١) كلمه كلما : جرحه ؛ فالعطف تفسيري.

(٢) إشارة الى ألحان داود النبي (ع) صاحب الزبور.

(٣) دوى الرعد إذا سمع له دوى اى صوت ؛ وكذا دوى النحل وغيرهما ، شمس العلوم.

(٤) مثل معروف لدى العرب.

(٥) إشارة الى لقب مولانا العلامة المصنف «قده» وهو جمال الدين.

(٦) والعلة في تلك القضية كما في بعض مجاميع المخطوطة الانتقام والمكافأة من طرف السلاطين الصفوية ، وذلك لأنه افتى جماعة من علماء العامة القاطنين في أصبهان باباحة دماء الشيعة فقتل بسببها جمع كثير من الامامية ؛ فلما تسلط السلطان المؤيد ؛ الشاه اسماعيل الماضي الصفوي قتل منهم مقتلة عظيما انتقاما وتشفيا ، وكان ممن هرب من القتل الرجل الناصب.

(٧) إشارة الى رواية ملاحم مولانا الأمير عليه‌السلام التي طبقها جمع من المحدثين ومنهم مولانا صاحب البحار على ظهور السلطان المؤيد شاه اسماعيل الماضي الصفوي ، ويؤيدها كلمات المورخين في بيان غزوات السلطان المذكور وفتوحاته ، فليراجع

)٨) بل يقال ان ابن روزبهان كان ممن أصيب في تلك الواقعة بماله وجاهه وحاله ومنا له فلهفه ونعيره من كبد حراء وهو ممن توسل في مضمار الانتقام بالبنان واللسان بدل السيف والسنان.

١٩

في شمايل كلام المصنّف بعين غير صحيحة ، وارتاب في مقدّمات حقّة صريحة ، كما قيل :

إذا لم تكن للمرء عين صحيحة

فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر

وها أنا بتوفيق الله تعالى انبّه على بطلان ما أورده على المصنّف العلّامة ، من القدح والملامة ، وابيّن أنّه من الجهل في بحر عميق ، وبدوام الحريق حقيق ، وأنّ شبهاته أضعف من إحتجاجه على حقيّة الجبت والطاغوت ، وأدلته أوهن من بيت العنكبوت (١) وتأويلات ملاحدة (٢) ألموت ، وأوضح أنّه فيما أتى به تعصّبا وغلوّا واستكبارا أو علوّا ، جدير بأن يتّخذ عدوّا ، ويلعن آصالا وغدوّا ، ولعمري أنّ قصور باعه وكساد متاعه غير خاف على من له أدنى مناسبة بحقائق هذا المذهب الشّريف ، فلم يكن لنا حاجة إلى تلقّى شرحه الكثيف بالرّد والتزييف لكن لمّا صار ذلك الشّرح المنحرف عن النّهج المثير للرّهج (٣) غبارا على مرايا صفحات الكتاب ، ومزايا خطابه المستطاب ، وأورث التباس الحق على ذهن القاصر المرتاب ، رأيت إزالة ذلك علىّ من الفرض ، وحرّمت على جنبي القرار على الأرض ، حتّى أزلت بتوفيقه سبحانه ذلك الغبار وأوضحت نهج الحق كضوء النّهار ، فأفضحت الشّارح الجارح الذي آل إلى شفا جرف هار (٤) وبال في بئر زمزم للاشتهار (٥)

__________________

(١) إشارة الى قوله تعالى في سورة العنكبوت الآية ٤٠ : (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ).

(٢) وهم فرقة من الاسماعيلية تأمروا مدة في حصن ألموت وهي من اعمال قزوين والديلم وتوابعهما ، ولهم أقاصيص واخبار ذكرها المؤرخون. فليراجع الباحث الى روضة الصفا وحبيب السير والملوك الاسماعيلية وسيرة الحسن الصباح.

(٣) الرهج : الغبار المثار.

(٤) اقتباس من قوله تعالى في سورة التوبة الآية ١٠٨ : (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ).

(٥) مثل يضرب به لمن ارتكب شنيعا في غاية الشناعة لأجل ان يعرف ويشتهر.

٢٠