الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - ج ٣٣

السيد جعفر مرتضى العاملي

الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - ج ٣٣

المؤلف:

السيد جعفر مرتضى العاملي

المحقق: المترجم:
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) الناشر: دار الحديث للطباعة والنشر المطبعة: دار الحديث ISBN: 964-493-225-0
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الفصل السابع :

تغسيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

٥
٦

إبليس يغريهم بترك تغسيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن الحارث بن يعلى بن مرة ، عن أبيه ، عن جده قال : قبض رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» فستر بثوب ، ورسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» خلف الثوب ، وعلي «عليه‌السلام» عند طرف ثوبه وقد وضع خديه على راحته ، والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي «عليه‌السلام» ، قال : والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون ويبكون ، وإذا سمعنا صوتا في البيت : إن نبيكم طاهر مطهر ، فادفنوه ولا تغسلوه.

قال : فرأيت عليا «عليه‌السلام» حين رفع رأسه فزعا ، فقال : اخسأ عدو الله ، فإنه أمرني بغسله ، وكفنه ودفنه ، وذاك سنّة.

قال : ثم نادى مناد آخر غير تلك النغمة : يا علي بن أبي طالب ، استر عورة نبيك ، ولا تنزع القميص (١).

__________________

(١) البحار ج ٢٢ ص ٥٤١ و ٥٤٢ وتهذيب الأحكام ج ١ ص ١٣٢ و (ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران) ج ١ ص ٤٦٨ وجامع أحاديث الشيعة ج ٣ ص ١٥٣ والوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج ٢ ص ٤٦٨ والوسائل (ط دار الإسلامية) ج ٢ ص ٦٧٢.

٧

ونقول :

من الواضح أن إبليس لعنه الله إنما يريد إلقاء الشبهة في قلوب ضعفاء العقل والإيمان ، وقاصري المعرفة بالدين وأحكامه. فلعلّ الأمور تنتهي إلى الإختلاف بين المسلمين ، حتى لو أصر علي «عليه‌السلام» على تغسيله ، حيث سيكون هناك من يتهمه بأن هذا مجرد اجتهاد منه ، ولعله قد أخطأ فيه ، ولا سيما إذا لم يستطع أولئك الناس أن يفرقوا بين الملك والشيطان ، فيظنون أن الذي كلمهم ملك.

ولكن وصية النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لعلي ، قد مكنت عليا «عليه‌السلام» من إزالة الشبهة ، وإبعاد وسوسات الشيطان عنهم بأهون سبيل ..

تغسيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله :

قال ابن إسحاق : فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» يوم الثلاثاء.

وروى ابن سعد عن علي ، وأبو داود ومسدد ، وأبو نعيم وابن حبان ، والحاكم والبيهقي ، وصححه الذهبي ، عن عائشة قالت : لما أرادوا غسل رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» اختلفوا فيه ، فقالوا : والله ما ندري كيف نصنع ، أنجرد رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ثيابه كما نجرد موتانا؟ أم نغسله وعليه وثيابه؟

فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم ، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» وعليه ثيابه.

٨

فقاموا إلى رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» وعليه قميصه ، فغسلوه يفاض عليه الماء والسدر فوق القميص ، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم [فكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما غسله إلا نساؤه] (١).

وعن علي «عليه‌السلام» قال : لما أخذنا في جهاز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» أغلقنا الباب دون الناس جميعا ، فنادت الأنصار : نحن أخواله ، ومكاننا من الإسلام مكاننا.

ونادت قريش : نحن عصبته.

فصاح أبو بكر : يا معشر المسلمين ، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم ، فننشدكم الله ، فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه ، والله لا يدخل عليه إلا من دعي (٢).

__________________

(١) سبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢١ و ٣٢٢ عن أبي داود ج ٢ ص ٢١٤ وقال في هامشه : أخرجه الحاكم ج ٣ ص ٥٩ والبيهقي في الدلائل ج ٧ ص ٢٤٢ وسنن أبي داود ج ٢ ص ٦٧ وعون المعبود ج ٨ ص ٢٨٨ وكتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص ٢١ والمنتقى من السنن المسندة ص ١٣٦ والتمهيد لابن عبد البر ج ٢٤ ص ٤٠١ وشرح النهج للمعتزلي ج ١٣ ص ٣٨ وتاريخ الأمم والملوك ج ٢ ص ٤٥١ والسيرة النبوية لابن كثير ج ٤ ص ٥١٧ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٦٩ وسبل السلام ج ٢ ص ٩٣ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢٨١ والسيرة النبوية لابن هشام ج ٤ ص ١٠٧٦ وعيون الأثر ج ٢ ص ٤٣٣.

(٢) سبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢١ وقال في هامشه : أخرجه ابن سعد في الطبقات ج ٢ ص ٢١٣ و (ط دار صادر) ج ٢ ص ٢٧٨ وراجع : إمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧٠ وكنز العمال ج ٧ ص ٢٢٧.

٩

وعن ابن عباس قال : اجتمع القوم لغسل رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» وليس في البيت إلا أهله : عمه العباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، والفضل بن عباس ، وقثم بن عباس ، وأسامة بن زيد بن حارثة ، وصالح مولاه.

فلما اجتمعوا لغسله ، نادى مناد من وراء الناس ، وهو أوس بن خولي الأنصاري ، أحد بني عوف بن الخزرج ، وكان بدريا على علي بن أبي طالب ، فقال : يا علي ، ننشدك الله وحظنا من رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله».

فقال له علي «عليه‌السلام» : ادخل ، فدخل فحضر غسل رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، ولم يل من غسله شيئا ، فأسنده علي إلى صدره ، وعليه قميصه ، وكان العباس ، والفضل ، وقثم يقلبونه مع علي ، وكان أسامة بن زيد ، وصالح مولاه يصبان الماء ، وجعل علي يغسله ، ولم ير من رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» شيئا مما يرى من الميت ، وهو يقول : بأبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا ، حتى إذا فرغوا من رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» وكان يغسل بالماء والسدر جففوه ، ثم صنع به ما يصنع بالميت (١).

ونقول :

إن لنا على هذه النصوص ملاحظات عديدة ، نذكر منها ما يلي :

__________________

(١) سبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢٤ عن أحمد ، والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢٨١ ومسند أحمد ج ١ ص ٢٦٠ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧٣ والثقات لابن حبان ج ٢ ص ١٥٨ والكامل في التاريخ ج ٢ ص ٣٣٢ والسيرة النبوية لابن كثير ج ٤ ص ٥١٨ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٨ ص ٧٠٢.

١٠

متى أقبل الناس على جهاز الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! :

إن ما زعمه ابن إسحاق ، من أن الناس أقبلوا على جهاز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» بعد بيعة أبي بكر ، لا يصح للأسباب التالية :

أولا : ما روي من أن عليا «عليه‌السلام» قد جهز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، وانتهى من دفنه قبل أن ينتهي أهل السقيفة من سقيفتهم ، وقال «عليه‌السلام» بعد انتهائه من إهالة التراب عليه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، وقد اتكأ على مسحاته وسأل عن خبر أهل السقيفة ..

ثانيا : قد ذكرنا أن الأقوال حول وقت دفنه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» مختلفة ، ومن جملتها : أنه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» دفن ليلة الثلاثاء ، أو يوم الثلاثاء ، أو يوم الأربعاء ، ولا يتوافق أكثرها مع دعوى ابن إسحاق هذه ، من أن الناس بعد البيعة لأبي بكر قد أقبلوا على جهاز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، لأن السقيفة وإن كانت قد انتهت يوم الإثنين ، لكن البيعة العامة قد بدأت يوم الثلاثاء ، واستمرت عدة أيام.

ثالثا : لو سلمنا : أنه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» دفن يوم الأربعاء ، فالسؤال هو : إذا كان الناس قد بدأوا بتجهيزه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» يوم الثلاثاء ، فلما ذا لم يدفن إلا في يوم الأربعاء؟! فإن تجهيزه ودفنه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين على أبعد تقدير!!

رابعا : إن عليا «عليه‌السلام» وبني هاشم لم يحضروا اجتماع السقيفة يوم الإثنين ، لأنهم كانوا مشغولين بجهاز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، وقد صرحت رواياتهم : بأن الصحابة بمن فيهم المهاجرون والأنصار قد تركوا أمر تجهيز النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» إلى أهله ، فما معنى قولهم : «إن

١١

الناس أقبلوا على جهازه يوم الثلاثاء»؟!

موقف عائشة من غسل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

ولا ندري ما الذي دعا عائشة إلى الندم على عدم تصدي نساء النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لغسله ، فهل وجدت عليا «عليه‌السلام» قد قصر في القيام بما يجب عليه في تغسيل النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله»؟!

أم أنها ندمت على فوات هذه الفضيلة منها ، واختصاص علي «عليه‌السلام» بهذا الفضل دونها؟!

أم أنها ترى نفسها أقرب إلى رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» من ابنته «عليها‌السلام» ، فتريد أن تستبدّ برسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» دونها؟!

وإذا كان النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» قد أوصى عليا «عليه‌السلام» بأن يتولى تغسيله ، فهل تستطيع هي أن تبطل هذه الوصية ، وتمنع من تنفيذها؟! وهل يرضى الصحابة منها بذلك؟!

أوس بن خولي شارك في الدفن لا في التغسيل :

وقد زعمت الرواية أيضا : أن عليا «عليه‌السلام» قد أدخل أوس بن خولي الأنصاري ، فحضر ، ولم يشارك في غسل رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ..

وكأن ثمة تعمدا من هؤلاء الرواة للإيحاء بأن دخول أوس قد كان بلا فائدة ولا عائدة ، مع أنه سيأتي : أنه شارك في حمل رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» إلى قبره ، ثم تناوله منه علي «عليه‌السلام» ..

بل يظهر من تلك الرواية : أن الأنصار إنما طلبوا المشاركة في دفن النبي

١٢

«صلى‌الله‌عليه‌وآله» لا في تغسيله ..

ونحسب أن سبب تعمد هذا التضعيف لدور الأنصار : أن أحدا من المهاجرين الذين حضروا السقيفة ، واستأثروا بالأمر لم يكن له نصيب في شرف المشاركة في شيء من مراسم تجهيز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ودفنه ، فلم تطب أنفس محبي هؤلاء بالجهر بفوز أوس بن خولي الأنصاري بهذا الشرف دونهم ..

تجريد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للغسل :

ولا مجال لقبول ما ذكرته عائشة من اختلاف الصحابة في تجريد رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» للغسل وعدمه.

فإنه لا مجال للاختلاف في ذلك بين أحد من الناس ، ما دام أن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» قد كلف خصوص علي «عليه‌السلام» بأن يغسله ، وهو «عليه‌السلام» لم يكن جاهلا بهذا الأمر ليحتاج إلى رأي غيره فيسألهم عنه ، ليقع الاختلاف بينه وبينهم.

مع العلم بأن الله قد أكمل دينه ، وأبلغ جميع الأحكام .. فلا مجال للحيرة ، والاختلاف ..

إلا إذا فرض أنه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» قد أبلغ هذا الحكم لشخص بعينه ، وهو من سيقوم بهذه المهمة بوصية منه ، وهو خصوص علي أمير المؤمنين «عليه‌السلام» ، حيث لا بد أن يعرّفه بهذا الحكم الشرعي المتبقي من الشريعة ، لكي يطبقه على مورده.

ولا يعقل أن يتكتّم «صلى‌الله‌عليه‌وآله» على ما هو جزء من الشريعة ،

١٣

وقد حضر وقت العمل به ، لأن موته «صلى‌الله‌عليه‌وآله» سيبقي هذا الحكم مجهولا ، وتبقى الشريعة ناقصة ، وسوف لا ينزل جبرئيل على أحد بعد رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» وفي هذه الصورة يكفي أن يخبرهم علي بما عهد له به رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، ولا تبقى حاجة ولا مجال لرأي أبي بكر ، أو غيره ..

أما افتراض أن يكون تبليغ هذا الحكم من متكلم مجهول ، يسمعون صوته ، ولا يرون شخصه ، فهو لا يدفع الإشكال ، بل هو يؤكده ويقويه ، إذ لعل المتكلم المجهول كان شيطانا أيضا. لا سيما مع ما سمعناه آنفا عن إبليس ، حيث طلب منهم أن يدفنوا نبيهم من دون غسل أصلا ..

ولو لا أن عليا «عليه‌السلام» أعلمهم أن هذا صوت إبليس ، وأن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» قد أوصاه بتغسيله لأطاعوا إبليس فيما دعاهم إليه ولو لزعمهم أنهم حسبوه ملكا!! ..

وإذا كان جبرئيل قد أمرهم حين غسل النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» بأن لا يجردوا النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» من قميصه.

فقد يكون لأجل أن بعض الناس قد حاول الطعن بصحة فعل أمير المؤمنين «عليه‌السلام» ، فدافع جبرئيل عنه ، وصوّب فعله ، وقطع الطريق أمام عبث العابثين ، وكيد الخائنين.

على أن هذا النوم المفاجئ حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، وسائر ما ذكرته عائشة ، لم يكن أمرا عاديا ، بل هو معجزة ظاهرة ، وكرامة باهرة ، وهي مما تتوفر الدواعي على نقله ، فلما ذا لم ينقله لنا أحد من الصحابة سوى عائشة؟!! مع أن المفروض : أن تكون عائشة في معزل عن هذا الأمر ،

١٤

مراعية لحجابها ، مع سائر نسائه «صلى‌الله‌عليه‌وآله».

أبو بكر : كل قوم أحق بجنازتهم :

وعن نداء الأنصار : نحن أخواله ، ونداء قريش : نحن عصبته ، وتدخّل أبي بكر لحسم الأمر .. نقول :

إنه أيضا موضع شك وريب.

أولا : لأن المفروض : أن أبا بكر ، وعمر ، وأبا عبيدة وغيرهم من المهاجرين ، وكذلك سعد بن عبادة ، وأسيد بن حضير ، والحباب بن المنذر وغيرهم من الأنصار ، كانوا حين تجهيز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» في سقيفة بني ساعدة ، فما معنى قول الرواية : إن أبا بكر قد كلّم المهاجرين والأنصار بالكف عن المطالبة بالمشاركة في تجهيز رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله»؟!

وأما إشراك أوس بن خولي الأنصاري ، ومطالبة الأنصار بالمشاركة فإنما كان حين وضع النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» كما سنشير إليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

ثانيا : إن أبا بكر وعمر قد اعترضا على علي «عليه‌السلام» بأنه لم يشهدهما أمر رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، فردّ عليهما بأن السبب في ذلك : أنه لم يرد أن يعرضهما للخطر ، لأنه ما من أحد يرى عورة النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ـ والمراد ما يواريه قميصه ـ إلا ذهب بصره (١).

__________________

(١) بصائر الدرجات ص ٣٢٨ والخصال ج ٢ ص ١٧٧ و (ط مركز النشر الإسلامي) ص ٦٤٨ والبحار ج ٢٢ ص ٤٦٤ وج ٤٠ ص ١٤٠ عنهما وعن الإحتجاج.

١٥

وقد حاول بعض الإخوة أن يصر على إرادة الصورة الحقيقية ، وأن المراد هو رؤيتها اتفاقا ، فإنه يوجب العمى إلا إن كان الرائي هو علي «عليه‌السلام» وقال : لو كان المراد بالعورة ما يواريه القميص لرخص عليا «عليه‌السلام» بأن يغسله مع التجريد من القميص مع ستر العورة ويؤيد ذلك : أن الرواية الآتية عن الإمام الكاظم تقول :

إن عليا «عليه‌السلام» أراد تجريد النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» من قميصه ، فدل ذلك على أن حكم التجريد شيء ، وحكم رؤية العورة شيء آخر وسيأتي أن رواية عدم تجريد الميت من قميصه للغسل تدل على أن ذلك ليس من مختصات رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» مع أن ظاهر الروايات الناهية عن تغسيل غير علي له «صلى‌الله‌عليه‌وآله» معااة بأن ما رأى أحد عورته «صلى‌الله‌عليه‌وآله» إلا عمي ، ظاهرها خصوصية النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ..

ونقول : إن ما ذكره هذا الأخ الكريم لا مجال لقبوله ، فإن عليا «عليه‌السلام» لا بد أن يبالغ في الإحتيلط في الستر ولن يسمح بأن تصبح عورة رسول الله في معرض رؤية أحد ، لا هو ولا غيره ، لا عمدا ولا اتفاقا .. ونهي النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» عليا عن تجريده من قميصه مع أنه يجوز لعلي «عليه‌السلام» أن يغسله مجردا منه إنما هو لإعلام الآخرين بخصوصية علي والنبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» في هذا الحكم الخاص ولعل رواية الإمام الكاظم «عليه‌السلام» الآتية تدل إلزامية هذا الحكم فلا مجال لإدعاء استحبابية هذا الحكم وبذلك يظهر الفرق بين النبي وبين غيره في هذا الحكم ، فإن تغسيل النبي في قميصه لازم ، وتغسيل غيره كذلك مندوب.

١٦

أمور أخرى تضمنتها الرواية :

وقد تضمنت الرواية المتقدمة أمورا أخرى ، لا مجال لقبولها أيضا ، وستأتي الإشارة إلى ما يبطلها ، ومن ذلك :

ألف : الإقتصار في حديث التغسيل على ذكر الماء والسدر ، من دون إشارة إلى الكافور ، مع أنهم يعتبرون أن الكافور مطلوب في تغسيل الميت.

ب : عد أسامة بن زيد ، وصالح مولاه من أهل بيت النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، وليس الأمر كذلك ، وإلا للزم عدّ غير هما من مواليه أيضا في جملة أهل بيته.

ج : حديث إسناد علي «عليه‌السلام» النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» إلى صدره يكذب ما ادّعوه من أن الفضل بن العباس أخذ بحضن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، وعلي «عليه‌السلام» يغسله ..

د : حديث أن العباس والفضل وقثما كانوا يقلبون «صلى‌الله‌عليه‌وآله» .. ينافي حديث أنهم كانوا يناولون عليا «عليه‌السلام» الماء ، أو كان أحدهم يأخذ بالثوب ليظلل به ، أو أن أحدهم كان قاعدا ، وأن الملائكة هي التي كانت تقلبه لعلي «عليه‌السلام» .. أو نحو ذلك مما ورد في الروايات.

ه : حديث أن أسامة وصالحا كانا يصبان الماء أيضا ينافي سائر الروايات كما سنرى ..

علي عليه‌السلام يغسل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وحده :

وقد ادّعوا : أن العباس وولديه الفضل وقثما كانوا يساعدون عليا «عليه

١٧

السلام» في تغسيل النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله» (١).

وكان أسامة بن زيد وشقران يصبان الماء (٢).

وفي نص آخر ذكر بدل شقران صالح مولاهما ، أي مولى علي «عليه‌السلام» وأسامة (٣).

__________________

(١) مسند أحمد ج ١ ص ٢٦٠ والثقات لابن حبان (ط حيدرآباد) ج ٢ ص ١٥٨ والرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج ٢ ص ١٧٩ وشفاء الغرام (ط دار إحياء الكتب العربية) ج ٢ ص ٣٨٦ ومختصر سيرة الرسول «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لعبد الله بن عبد الله الحنبلي (ط المطبعة السلفية بالقاهرة) ص ٤٧٠ وإحقاق الحق (الملحقات) ج ٨ ص ٧٠٢ و ٧٠٣ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢٨١ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧٣ والسيرة النبوية لابن كثير ج ٤ ص ٥١٨ وسبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٨ ص ٦٩٨.

(٢) راجع المصادر في الهامش السابق. وراجع : الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٢٨٠ وتاريخ الأمم والملوك ج ٢ ص ٤٥١ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج ٢ ق ٢ ص ٦٣ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧١ وعيون الأثر ج ٢ ص ٤٣٣ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٨ ص ٧٠٣ وج ١٨ ص ١٩٢ وج ٢٣ ص ٥٠٦ و ٥٠٨ وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج ١ ص ٣٠١ والسيرة النبوية لابن هشام ج ٤ ص ١٠٧٦ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج ٣ ص ٤٧٥.

(٣) مسند أحمد ج ١ ص ٢٦٠ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٨ ص ٦٩٨ وتلخيص الحبير ج ٥ ص ١١٦ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢٨١ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧٤ والسيرة النبوية لابن كثير ج ٤ ص ٥١٨ وسبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢٤ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج ٣ ص ٤٧٥.

١٨

ونص أيضا ذكر : «أسامة بن زيد وقثم» (١).

وفي نص آخر : «أسامة بن زيد ، وأوس بن خولة» (٢).

وفي نص آخر أيضا : «والفضل وقثم وأسامة وصالح يصبون عليه» (٣).

وفي نص آخر : «والعباس يصب الماء» (٤).

وفي نص : «غسله على والعباس والفضل بن العباس وصالح مولى رسول الله» (٥).

ونص آخر يقول : «غسله علي والعباس ، وابناه : الفضل وقثم» (٦).

__________________

(١) التمهيد لابن عبد البر ج ٢٤ ص ٤٠٢ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٦٦.

(٢) شرح مسند أبي حنيفة ص ٣٠٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٢٣ ص ٥٠٨.

(٣) أسد الغابة ج ١ ص ٣٤.

(٤) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج ٣ ص ٤٧٥ وتلخيص الحبير ج ٥ ص ١١٦ ونيل الأوطار ج ٤ ص ٦٦ والسنن الكبرى للبيهقي ج ٣ ص ٣٩٥ وعون المعبود ج ٨ ص ٢٨٨ والمصنف للصنعاني ج ٣ ص ٣٩٧ وكنز العمال ج ٧ ص ٢٥٩ و ٢٧٣ وسبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢٣ والسيرة النبوية لابن كثير ج ٤ ص ٥٢٠ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧١ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢٨٢ والطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٢٨٠ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٨ ص ٦٩٧ والمصنف لابن أبي شيبة ج ٨ ص ٥٦٧.

(٥) بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج ١ ص ٣٠١ والطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٢٧٨.

(٦) الأنس الجليل (ط القاهرة) ص ١٩٤ وراجع : فقه الرضا ص ٢٠ ومستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٠٠ والوافي بالوفيات ج ١ ص ٦٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٢٣ ص ٥٠٨ و ٥٠٩.

١٩

وراوية أخرى تقول : «كان العباس وأسامة يناولان عليا الماء من وراء الستر» (١).

وقال في رواية أخرى : «فغسله علي «عليه‌السلام» ، يدخل يده تحت القميص ، والفضل يمسك الثوب عنه ، والأنصاري يدخل الماء» (٢).

ونقول :

إن ذلك كله موضع شك وريب ، وذلك لما يلي :

١ ـ روي عن الإمام الكاظم «عليه‌السلام» أنه قال : قال علي «عليه‌السلام» : غسلت رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» أنا وحدي وهو في قميصه ، فذهبت أنزع عنه القميص ، فقال جبرئيل : يا علي ، لا تجرد أخاك

__________________

(١) البداية والنهاية ج ٥ ص ٢٦١ عن البيهقي ، ومسند البزار ، ومجمع الزوائد ج ٩ ص ٣٦ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢٨٢ وإمتاع الأسماع ج ٢ ص ٣٤٣ وج ١٤ ص ٥٧٤ والسيرة النبوية لابن كثير ج ٤ ص ٥٢٠ وسبل الهدى والرشاد ج ١٢ ص ٣٢٤ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج ٣ ص ٤٧٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج ٧ ص ٣٠ وج ١٨ ص ١٩٢ وج ٢٣ ص ٥١١.

(٢) حياة الصحابة (ط دار القلم بدمشق) ج ٢ ص ٦٠٣ وإحقاق الحق (الملحقات) ج ١٨ ص ١٨٧ و ١٨٨ عن المعجم الكبير ، ومناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه‌السلام» للكوفي ج ٢ ص ٨ ونهج السعادة للمحمودي ج ١ ص ٣٦ ومجمع الزوائد ج ٩ ص ٣٦ والمعجم الأوسط ج ٣ ص ١٩٦ والمعجم الكبير ج ١ ص ٢٣٠ وكنز العمال ج ٧ ص ٢٥٥ والطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٢٨٠ وإمتاع الأسماع ج ١٤ ص ٥٧٢.

٢٠