🚖

لا تخونوا الله والرسول

صباح علي البيّاتي

لا تخونوا الله والرسول

المؤلف:

صباح علي البيّاتي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ليلى
ISBN: 964-319-291-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUELa-Takhounou-Allah-Rasoulimagesimage001.gif

١

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUELa-Takhounou-Allah-Rasoulimagesrafed.jpg

٢



دليل الكتاب :

مقدّمة المركز ....................................................  ٧

مقدّمة المؤلّف ..................................................  ٩

الفصل الأول : الخلافة ........................................  ١٣

سبب نزول آية التبليغ ...........................................  ١٧

تواتر حديث الغدير .............................................  ١٩

النص علىٰ الخلافة ..............................................  ٢١

قعود أمير المؤمنين عليه‌السلام ..........................................  ٢٥

الفصل الثاني : خلافة الخلفاء ..................................  ٣١

تناقض النصوص ................................................  ٣٦

الخلفاء الاثنا عشر ...............................................  ٤٠

روايات الاقتداء بالشيخين ........................................  ٤٧

قصة الكتاب ...................................................  ٥١

تعاقب الخلفاء ..................................................  ٥٦

سنوات الخلافة ..................................................  ٥٩

٣

صلاة أبي بكر ..................................................  ٦١

الفصل الثالث : الصحابة .......................................  ٦٧

الصحابة في القرآن ..............................................  ٧١

الصحابة في السنة النبوية .........................................  ٨١

الصحابة وأهل البيت ............................................  ٨٧

سب الصحابة ..................................................  ٩٣

فضائل الصحابة ..............................................  ١٠٠

أسماء الصحابة ................................................  ١٠٨

الفصل الرابع : أُم المؤمنين عائشة ............................  ١١١

حديث الإفك ................................................  ١١٢

الاشكالات علىٰ حديث الافك .................................  ١٢٥

الفصل الخامس : نقص القرآن ................................  ١٣٥

روايات اهل السنة .............................................  ١٤٠

رأي علماء الشيعة في التحريف ..................................  ١٤٩

الفصل السادس : التقيّة ......................................  ١٥٣

الفصل السابع : حرب أمير المؤمنين عليه‌السلام .....................  ١٦٩

٤

أفضليّة أمير المؤمنين عليه‌السلام ......................................  ١٧٥

فمن الكتاب ..................................................  ١٧٦

ومن السنة النبوية ..............................................  ١٧٨

الفصل الثامن : عصمة الأئمة عليهم‌السلام ...........................  ١٨١

ذرية الحسن عليه‌السلام ..............................................  ١٨٥

الفصل التاسع : أحكام المخالفين .............................  ١٨٧

مخالفة أهل السنة ..............................................  ١٩٣

الفصل العاشر : الرجعة .......................................  ١٩٩

الفصل الحادي عشر : الشهادة الثالثة في الأذان ...............  ٢٠٩

الجمع بين الصلاتين ...........................................  ٢١٩

أوقات الصلاة عند الشيعة ......................................  ٢٢٧

مسح الرجلين .................................................  ٢٢٩

من أين جاء الغسل ............................................  ٢٤١

الجمعة والجماعة ...............................................  ٢٤٣

قول آمين ....................................................  ٢٤٨

تحية السلام ...................................................  ٢٤٨

رفع اليدين فوق الرأس ..........................................  ٢٥١

٥

الفصل الثاني عشر : نكاح المتعة .............................  ٢٥٥

الاتفاق علىٰ إباحة المتعة .......................................  ٢٥٧

دعوىٰ النسخ بالسنّة ...........................................  ٢٦٢

عملية التبرير ..................................................  ٢٧٠

النكاح بلا ولي وشهود .........................................  ٢٧٧

وطء الجارية بالإباحة ...........................................  ٢٨١

الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ..................................  ٢٨٥

الطلاق الثلاث ...............................................  ٢٩٥

إتيان النساء ..................................................  ٢٠٣

الفصل الثالث عشر : القضاء والقدر ..........................  ٣١١

فهرس المصادر ..............................................  ٣٢١

٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

مقدّمة المركز :

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة علىٰ خاتم المرسلين محمّد وآله الغرّ الميامين .

من الثوابت المسلّمة في عمليّة البناء الحضاري القويم استنادُ الاُمّة إلىٰ قيمها السليمة ومبادئها الأصيلة ، الأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدّي لمختلف التحديات والتهديدات التي تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقىٰ وسائل التقنيّة الحديثة .

وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل نلحظ أن المرجعيّة الدينيّة المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة ، كيف ؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة عليهم‌السلام بأبهىٰ صورها وأجلىٰ مصاديقها .

هذا ، وكانت مرجعيّة سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمىٰ العقيدة ومفاهيمها الرصينة ، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت

٧

برامج ومشاريع قطفت وستقطف أينع الثمار بحوله تعالىٰ .

و « مركز الأبحاث العقائدية » هو واحد من المشاريع المباركة الذي اُسّس لاجل نصرة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام وتعاليمه الرفيعة .

ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت عليهم‌السلام على مختلف الجهات ، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثار ـ حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي مَنَّ الله سبحانه وتعالىٰ بها عليهم ـ إلىٰ مطبوعات توزّع في شتىٰ أرجاء العالم .

وهذا المؤلَّف « لا تخونوا الله والرسول » الذي يصدر ضمن « سلسلة الرحلة إلىٰ الثقلين » مصداق حي وأثر عملي بارز يؤكّد صحّة هذا المدعىٰ .

علىٰ أنّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكلّ معتنقي المذهب الحقّ بشتىٰ الطرق والأساليب ، مضافاً إلىٰ استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين كي يتسنّىٰ جمعها في كتاب تحت عنوان « التعريف بمعتنقي مذهب أهل البيت » .

سائلينه تبارك وتعالىٰ أن يتقبل هذا القليل بوافر لطفه وعنايته .

مركز الأبحاث العقائدية

فارس الحسّون

٨



بِسْمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ

مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام علىٰ سيّد المرسلين وخاتم النبيين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

إن من الأُمور المزعجة حقاً أن يجد المرء نفسه مضطراً إلىٰ ترديد مقالة سبق له ولغيره أن رددها من قبل ، ولكن لا حيلة له في ترديدها وهو يجد نفسه مضطراً لتفنيد بعض المزاعم التي لا تمت إلىٰ الحقيقة بصلة ، وإبطال بعض الادعاءات التي تصدر بين آونة وأُخرىٰ عن ناعق هنا وآخر هناك ، فان البعض قد دأب علىٰ ترديد هذه المقالات خلفاً عن سلف دون كلل وعلىٰ امتداد عدة قرون ، فيجد المرء نفسه مضطراً للرد علىٰ هذه المقولات السقيمة مرة بعد مرة .

٩

في فترة انشغالي بتأليف كتابي الأول ( الصحوة ) الذي شرعت فيه بطلب من مركز الأبحاث العقائدية ، لفت هذا المركز نظري إلى رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب عنوانها ( رسالة في الرد علىٰ الرافضة ) يتهجم فيها بشدة علىٰ أتباع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، والتي قام بتحقيقها الدكتور ناصر سعيد الرشيد .

جاء في أول الكتاب :

فهذا مختصر مفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب تغمده الله بالرحمة والرضوان في بعض قبائح الرافضة الذين رفضوا سنّة حبيب الرحمن واتبعوا في غالب أُمورهم خطوات الشيطان ، فضلّوا وأضلّوا عن كثير من موجبات الايمان بالله وسعوا في البلاد بالفساد والطغيان يتولّون أهل النيران ويعادون أصحاب الجنان نسأل الله العفو عن الافتتان من قبائحهم (١) .

والرسالة تسير علىٰ نفس النسق ويزيد عليه ما فيها من السباب المقذع الذي يترفع عنه العوام فكيف بمن يدعي مشيخة الاسلام . والرسالة لم تكن غريبة عليّ ، فقد كنت مطلعاً عليها قبل أكثر من عشر سنوات ، وهي فضلاً عن أُسلوبها البذيء تضم مجموعة لا تحصىٰ من الافتراءات التي يتقوّلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب

_______________

(١) رسالة في الردّ علىٰ الرافضة : ٥ .

١٠

علىٰ طائفة كبيرة ربما تنيف علىٰ ربع عدد المسلمين في العالم هذا اليوم . فضلاً عن أن الرسالة تكشف عن جهل فاضح لمؤلّفها بمعتقدات هذه الطائفة ، وكذلك بمصادرها ، حيث ينسب الشيخ أقوالاً وكتباً إلىٰ بعض مؤلفي الشيعة وزعماء الطائفة لا تصح نسبتها إليهم ، ويخلط الأوراق ـ كما يفعل كل حاطب ليل ـ ويكشف الشيخ عن جهله حتىٰ بمصادر أهل السنة أيضاً ، إذ ينسب إلىٰ الشيعة بعض الأقوال التي كثيراً ما تكون موجودة في مصادر أهل السنة أيضاً ، والتي قد يستشهد بها علماء الشيعة ومتكلموهم إلزاماً للخصم بما عنده في باب المحاججة .

وقد استنكفت في بداية الأمر عن الرد علىٰ هذه الرسالة المتهافتة التي لا تستحق أن يوليها المرء أي اهتمام ، لولا أن المركز نبهني إلىٰ أن هذه الرسالة ما تزال متداولة ويعاد طبعها ضمن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب ، وأن هناك الكثير من المسلمين ممن ينخدع بها ويصدقها . وتذكرت أنني كنت أيضاً ممن يصدقون بما جاء في هذه الرسالة عند ما كنت منخرطاً في سلك إحدىٰ الجماعات السلفية التي تحمل هذه الأفكار وتتبناها ، وعندها قررت الشروع بالرد علىٰ ما جاء فيها حتىٰ قبل الفراغ من كتاب ( الصحوة ) الذي هو الآن في طريقه إلىٰ الطبع .

١١

ورسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تتألّف من إثنين وثلاثين مطلباً وخاتمة ، ويغلب علىٰ بعض مطالبها التكرار الممل في بعض الموارد ، لذا ارتأيت أن أجمع بعض المطالب أو بعض فقراتها في مطلب واحد متصدياً لأدلته ، ناقضاً ما فيها من إفتراءات ومزاعم بحول الله وقوته ، ولسوف يلاحظ القارئ الكريم مدىٰ تهافت هذه الرسالة وضعف أدلة الشيخ لقصر باعه في العلم ، ممّا يدفعه إلىٰ تغطية عجزه بسيل من الشتائم التي يطلقها كما هي عادة الضعفاء ، ومن الله نستمد العون والرشاد ونعوذ به من زيغ القلوب وزلّات اللّسان .

١٢

الفصل الأول : الخلافة

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن « مطلب الوصية بالخلافة » :

إن مفيدهم ابن المعلم قال في كتابه ( روضة الواعظين ) : إن الله أنزل جبريل علىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد توجهه إلىٰ المدينة في الطريق في حجة الوداع فقال : يا محمد ، إن الله تعالىٰ يقرئك السلام ويقول لك : انصب علياً للإمامة ، ونبّه أُمتك علىٰ خلافته ؛ فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « يا أخي جبريل إن الله بغّض أصحابي لعلي ، إني أخاف منهم أن يجتمعوا علىٰ إضراري ، فاستعفِ لي ربي » ، فصعد جبريل وعرض جوابه علىٰ الله تعالى فأنزله الله تعالىٰ مرة اُخرىٰ وقال للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلما قال أولاً فاستعفىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما في المرة

١٣

الاولىٰ ، ثم صعد جبريل فكرر جواب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمره الله بتكرير نزوله معاتباً له مشدّداً عليه بقوله : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ، فجمع أصحابه وقال : « يا أيها الناس ، إن علياً أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين ، ليس لأحد أن يكون خليفة بعدي سواه ، من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » انتهىٰ .

فانظر أيها المؤمن إلىٰ حديث هؤلاء الكذبة الذي يدل علىٰ اختلاقه ركاكة ألفاظه وبطلان أغراضه ولا يصح منه إلّا : « من كنت مولاه » ومن اعتقد منهم صحة هذا فقد هلك ، إذ فيه إتهام المعصوم قطعاً من المخالفة بعدم إمتثال أمر ربه ابتداءً وهو نقص ، ونقص الانبياء عليهم الصلاة والسلام كفر ... » (١) .

هناك أمران ينبغي ذكرهما رداً علىٰ مقالة الشيخ :

أولهما : إننا تحققنا من مؤلفات الشيخ المفيد الملقب بابن المعلم ، فلم نجد له كتاباً يحمل عنوان روضة الواعظين ! إذ أن هناك أربعة كتب للشيعة تحمل هذا العنوان ، وهي كالآتي :

_______________

(١) رسالة في الردّ علىٰ الرافضة : ٥ ـ ٦ .

١٤

١ ـ روضة الواعظين في أحاديث الأئمة الطاهرين ، للسيد هاشم بن إسماعيل الكتكاني البحراني .

٢ ـ روضة الواعظين في شرح الأحاديث الأربعين عن سيد المرسلين ، للمولىٰ مسكين الفراهي .

٣ ـ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين ، للشيخ السعيد الشهيد أبي علي محمد بن علي بن أحمد بن علي الحافظ الواعظ الفارسي أبو محمد بن أحمد بن علي الفتّال النيسابوري المعروف بابن الفارسي .

٤ ـ روضة الواعظين بالحق اليقين ، فارسي في المواعظ وأحوال الأئمة مختصراً في سبع وعشرين فصلاً وخاتمة .

فمن هذا يتبين بجلاء أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يجهل كل شيء عن الشيخ المفيد وعن مؤلّفاته ، وإنه إنما يرجم بالغيب عن غير بصيرة .

أما الأمر الثاني : فلو أننا افترضنا أن هذه الرواية موجودة في كتب الشيعة ، فهل انفرد الشيعة بروايتها ، أم أن أهل السنة يروون ما في معناها في كتبهم وتفاسيرهم أيضاً ؟

ولكي يعرف القارئ الكريم أن جهل الشيخ ابن عبد الوهاب لا يقتصر علىٰ عدم معرفته بمصنفات الشيعة بل يتعداه إلىٰ الجهل

١٥

بمصنفات أهل السنة أيضاً ، نورد طائفة مما أخرجه أئمة أهل السنة فيما يتعلق بهذا الأمر :

١ ـ عن الحسن ، أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : « لما بعثني الله تعالىٰ برسالته ضقت بها ذرعاً ، وعرفت أن من الناس من يكذبني ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يهاب قريشاً واليهود والنصارىٰ ، فأنزل الله تعالىٰ هذه الآية .

٢ ـ عن مجاهد قال : لما نزلت ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) قال : يارب إنما أنا واحد كيف أصنع يجتمع علي الناس ؟ فنزلت ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) .

٣ ـ عن ابن عباس في قوله : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) يعني إن كتمت آية مما أُنزل إليك لم تبلغ رسالته (١) .

وقال القرطبي : قيل معناه : أظهر التبليغ ، لأنه كان في أول الاسلام يخفيه خوفاً من المشركين ، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية ، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس (٢) .

وقال ابن قتيبة : والذي عندي في هذا أن فيه مضمراً يبينه ما

_______________

(١) أُنظر : أسباب نزول القرآن : ٢٠٤ ، فتح القدير ٢ / ٦٠ ، الدر المنثور ٣ / ١١٧ ، روح المعاني ٦ / ١٨٩ ، التفسير الكبير ٢ / ٤٩ ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٨ / ٢٠٦ ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢ / ٨٠ .

(٢) الجامع لأحكام القرآن ٦ / ٢٤٢ .

١٦

بعده ، وهو أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتوقىٰ بعض التوقي ويستخفي ببعض ما يؤمر به علىٰ نحو ما كان عليه قبل الهجرة ، فلما فتح الله عليه مكة ، وأفشىٰ الاسلام ، أمره أن يبلغ ما أُرسل إليه مجاهراً به غير متوق ولا هائب ولا متألّف . وقيل له : إن أنت لم تفعل ذلك علىٰ هذا الوجه لم تكن مبلغاً لرسالات ربك ، ويشهد لهذا قوله بعد : ( وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أي : يمنعك منهم (١) .

وقال الفخر الرازي : وروي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقاً علىٰ نفسه من تسرع المشركين إليه وإلىٰ أصحابه ، فلما أعز الله الاسلام وأيده بالمؤمنين قال له : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) أي لا تُراقبنَّ أحداً ولا تترك شيئاً مما أنزل إليك خوفاً من أن ينالك مكروه (٢) .

يتبيّن مما سبق أن روايات أهل السنة أيضاً تحمل إتهام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمخالفة وعدم امتثال أمر ربه إبتداءً .

سبب نزول الآية :

أما بشأن نزول الآية في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي

_______________

(١) المسائل والاجوبة في الحديث والتفسير : ٢٢٢ .

(٢) التفسير الكبير ١٢ / ٤٩ .

١٧

طالب عليه‌السلام فنورد بعض الروايات التي أخرجها أئمة أهل السنة بهذا الشأن ونعرض عن الباقي لكثرته .

١ ـ أخرج الواحدي والسيوطي وابن عساكر والعيني والشوكاني وابن الصباغ المالكي عن أبي سعيد الخدري ، قال : نزلت هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه (١) .

٢ ـ وقال الفخر الرازي : نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب ، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » فلقيه عمر رضي‌الله‌عنه فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولىٰ كل مؤمن و مؤمنة ، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي (٢) .

وقال السيوطي والشوكاني : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) أن علياً مولىٰ المؤمنين ، ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ

_______________

(١) أسباب نزول القرآن : ٢٠٤ ، الدر المنثور ٣ / ١١٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٧ ، عمدة القاري ١٨ / ٢٠٦ ، فتح القدير ٢ / ٦٠ ، الفصول المهمة : ٤٢ .

(٢) التفسير الكبير ١٢ / ٥٠ .

١٨

يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .

تواتر حديث الغدير

أما إدعاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لا يصح من حديث الغدير إلّا قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « من كنت مولاه » فهذا مما يدعو إلىٰ العجب من قلّة إطلاع الشيخ وقصر باعه في علوم الحديث ، لأن أئمة الحديث وحفّاظه قد صحّحوا من الحديث أكثر مما يدعيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فقد نقل الحافظ ابن كثير الدمشقي عن الحافظ شمس الدين الذهبي قوله : وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قاله ، وأما « اللهم وال من والاه » فزيادة قوية الاسناد (٢) .

كما اعترف بتواتره الحافظ ابن الجزري بروايته عن أبي ليلىٰ ، قال سمعت علياً رضي‌الله‌عنه بالرحبة ينشد الناس : من سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » فقام اثنا عشر بدرياً فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول ذلك . هذا حديث حسن من هذا الوجه ، صحيح من وجوه كثيرة ، متواتر عن أمير المؤمنين علي رضي‌الله‌عنه ، وهو متواتر أيضاً عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رواه

_______________

(١) الدر المنثور ٣ / ١١٧ ، فتح القدير ٢ / ٦٠ .

(٢) البداية والنهاية ٥ / ٢١٤ .

١٩

الجم الغفير عن الجم الغفير ، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم (١) .

وقال الحافظ ابن حجر الهيتمي المكي : وقول بعضهم إن زيادة « اللهم وال من والاه » إلىٰ آخره موضوعة ، مردود ، فقد ورد ذلك عن طرق صحّح الذهبي كثيراً منها (٢) .

ثم قال : قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » الحديث . وقد مرّ في حادي عشر الشُبه ، وأنه رواه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاثون صحابياً ، وأن كثيراً من طرقه صحيح أو حسن (٣) .

كما أثبت تواتر حديث الغدير وصحة تكملته عدد كبير من الحفاظ الثقات .

ومن أراد المزيد من التفصيل فعليه بكتاب ( الغدير ) للعلامة الأميني رحمه‌الله وكتاب ( نفحات الازهار ) للسيد علي الميلاني دام ظله ، إذ يجد فيهما أسماء الحفاظ والعلماء الذين أخرجوا الحديث بمختلف طرقه .

_______________

(١) أسنىٰ المطالب : ٤٨ .

(٢) الصواعق المحرقة : ٦٤ .

(٣) الصواعق المحرقة : ١٨٧ ـ ١٨٨ .

٢٠