🚘

بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
🚘 نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

٢٥

* ( باب ) *

* ( ما يكون عند ظهوره عليه‌السلام ) *

« برواية المفضل بن عمر »

اقول : روي في بعض مؤلفات أصحابنا ، عن الحسين بن حمدان ، عن محمد ابن إسماعيل وعلي بن عبدالله الحسني ، عن ابي شعيب [ و ] محمد بن نصير ، عن عمر بن الفرات ، عن محمد بن المفضل ، عن المفضل بن عمر (١) قال : سألت سيدي الصادق عليه‌السلام هل للمأمور المنتظر المهدي عليه‌السلام من وقت موقت يعلمه الناس؟ فقال : حاش لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا ، قلت : يا سيدي ولم ذاك؟ قال : لانه هو الساعة التي قال الله تعالى : « ويسئلونك عن الساعة

____________________

(١) عنونه النجاشي ص ٣٢٦ وقال : « أبوعبدالله وقيل أبومحمد الجعفي ، كوفي فاسد المذهب ، مضطرب الرواية ، لا يعبأ به ، وقيل انه كان خطابيا ، وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها » وعنونه العلامة في الخلاصة وقال : « متهافت ، مرتفع القول ، خطابي » وزاد الغضائري : « أنه قد زيد عليه شئ كثير وحمل الغلاة في حديثه حملا عظيما لا يجوز أن يكتب حديثه ».

اقول : كيف يكون في أصحاب الائمة عليهم السلام رجل فاسد المذهب ، كذاب غال ، مع أنهم عليهم السلام كانوا متوسمين : يعرفون كلا بسيماه وحليته وسريرته ، وقد روى أنهم كانوا يحجبون بعض شيعتهم عن الورود عليهم ، لفسقه أو فساد عقيدته أو عدم تحرجه عن الاثام. فكيف لم يحجبوا مفضل بن عمر وأضرابه الموصوفين بكذا وكذا ، ولم يلعنوهم

١

أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات و الارض » (١). الآية [ وهو الساعة التي قال الله تعالى « يسئلونك عن الساعة أيان مرساها » ] (٢) وقال « عنده علم الساعة » (٣) ولم يقل إنها عند أحد وقال « فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها » الآية (٤) وقال « اقتربت الساعة وانشق القمر » (٥) وقال « ما يدريك لعل الساعة تكون قريبا » (٦) « يستعجل بها (٧) الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق الا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ».

قلت : فما معنى يمارون؟ قال : يقولون متى ولد؟ ومن رأى؟ وأين يكون؟ ومتى يظهر؟ وكل ذلك استعجالا لامر الله ، وشكا في قضائه ، ودخولا في قدرته

____________________

(١) الاعراف : ١٨٦. (٢) النازعات : ٤٢ ، والظاهر أنها تكرار.

(٣) لقمان : ٣٤ والزخرف : ٦١. (٤) القتال : ١٨.

(٥) القمر : ١. (٦) الاحزاب : ٦٣.

(٧) وقبله : وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل » الاية ١٧ و ١٨ من سورة الشورى.

____________________

ولم يكذبوهم ولم يطردوهم؟.

بل الظاهر الحق ان مفضل بن عمر الجعفي ، وجابر بن يزيد الجعفي ، ويونس بن ظبيان وأضرابهم ممن أخذوا عن الصادقين عليهما‌السلام كانوا صحيحي الاعتقاد ، صالحي الرواية ، صادقي اللهجة متحرجين عن الكذب وسائر الاثام ، غير أنه قد كذب عليهم ، وزيد في رواياتهم ، واختلق عليهم ، وانما أتوا من قبل الغلاة وأشباههم ممن أرادوا أن يهدموا أساس المذهب ، فكذبوا وزادوا واختلقوا أحاديث ونسبوه إلى أصحاب الائمة الصادقين نصرة لمذهبهم وترويجا لمرامهم الفاسد كما فعلت المرجئة والقدرية ، فوضعوا أحاديث ونسبوه إلى المعروفين من أصحاب رسول الله.

فاذا لا بد وان نحقق عن حال من اسند عنه فنرى في الحديث محمد بن نصير وهو النميري الكذاب الغال الخبيث المدعى للنيابة على ما في غيبة الشيخ ص ٢٥٠ وقد مر في ج ٥١ ص ٣٦٧ و ٣٦٨ شطر من ترجمته يروى عن عمر بن الفرات الكاتب البغدادي

٢

أولئك الذين خسروا الدنيا وإن للكافرين لشرمآب.

قلت : أفلا يوقت له وقت؟ فقال : يا مفضل لا أوقت له وقتا ولا يوقت له وقت ، إن من وقت لمهدينا وقتا فقد شارك الله تعالى في علمه ، وادعى أنه ظهر على سره ، وما لله من سر إلا وقد وقع إلى هذا الخلق المعكوس الضال عن الله الراغب عن أولياء الله ، وما لله من خبر إلا وهم أخص به لسره ، وهو عندهم وإنما ألقى الله إليهم ليكون حجة عليهم.

قال المفضل : يا مولاي! فكيف بدؤ ظهور المهدي عليه‌السلام وإليه التسليم؟ قال عليه‌السلام : يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين ، فيعلو ذكره ، ويظهر أمره ، وينادي باسمه وكنيته ونسبه ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين والموافقين والمخالفين

____________________

الغالي ذوالمناكير ، عن محمد بن المفضل بن عمر : مهمل أو مجهول ، ولكن الظاهر أن الكذب انماجاء من قبل البغدادي الكاتب ذي المناكير ، وهو الذي كتب وصنف هذا الحديث وسردها بطوله ، أو الجاعل هو نفس النميري.

ولذلك ترى أنه يعرف في طيه محمد بن نصير النميري بعنوان نيابة الامام عليه‌السلام وأنه يقعد بصابر وهو اسم سكة في مرو ، مع ما مر في ج ٥١ ص ٣٦٨ عن غيبة الشيخ انه كان يدعى انه رسول نبي ويقول بالتناسخ ويقول في أبي الحسن الهادي بالربوبية ويقول بالاجابة للمحارم وتحليل نكاح الرجال وأنه من التواضع.

فاعتمد الكاتب إلى أحاديث صحيحة أو حسنة ، واخرى ضعيفة أو مجعولة ، فزاد عليها من مخائله. وجمع بين مضامينها ولعب فيها كالقصاصين الدجالين فراجع ج ٥٢ باب ٢٣ و ٢٤ ترى مضامين هذا الحديث منبثة فيها بين صحيح وسقيم.

فالرجل أعني المفضل بن عمر الجعفي من أصحاب الصادق الممدوحين وقد عده الشيخ المفيد في الارشاد ص ٢٧٠ من شيوخ أصحاب أبي عبدالله عليه‌السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين رحمة الله عليهم ، وبذلك وصفه الشيخ في كتاب الغيبة ص ٢٢٣ وروى في مدحه أحاديث ، وروى الكشى في ص ٢٠٦ و ٢٥٦ أحاديث في مدحه ، وذكر الكليني في روضة الكافي ص ٣٧٣ حديثا يقتضى مدحه والثناء عليه ، فراجع.

٣

لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به على أنه قد قصصنا ودللنا عليه ، ونسبناه وسميناه وكنيناه ، وقلنا سمي جده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكنيه لئلا يقول الناس : ما عرفنا له اسما ولا كنية ولا نسبا.

والله ليتحقق الايضاح به وباسمه ونسبه وكنيته على ألسنتهم ، حتى ليسميه بعضهم لبعض ، كل ذلك للزوم الحجة عليهم ، ثم يظهره الله كما وعد به جده صلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله عزوجل « هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون » (١).

قال المفضل : يا مولاي فما تأويل قوله تعالى : « ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون » قال عليه‌السلام : هو قوله تعالى « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله » (٢) فوالله يا مفضل ليرفع عن الملل والاديان الاختلاف ويكون الدين كله واحدا كما قال جل ذكره « إن الدين عند الله الاسلام » (٣) وقال الله « ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين » (٤).

قال المفضل : قلت : يا سيدي ومولاي والدين الذي في آبائه إبراهيم ونوح وموسى وعيسى ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الاسلام؟ قال : نعم يا مفضل ، هو الاسلام لا غير.

قلت : يا مولاي أتجده في كتاب الله؟ قال : نعم من أوله إلى آخره ومنه هذه الآية « إن الدين عند الله الاسلام » وقوله تعالى « ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين » (٥) ومنه قوله تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل « واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك » (٦) وقوله تعالى في قصة فرعون « حتى إذا ادركه الغرق قال آمنت أنه لا إله الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنامن المسلمين » (٧) وفي قصة سليمان وبلقيس « قبل أن يأتوني مسلمين » وقولها « أسلمت مع سليمان لله

____________________

(١) براءة : ٣٤. (٢) الانفال : ٣٩.

(٣) آل عمران : ١٩. (٤) آل عمران : ٨٥.

(٥) الحج : ٧٨. (٦) البقرة : ١٢٨.

(٧) يونس : ٩٠.

٤

رب العالمين » (١).

وقول عيسى عليه‌السلام « من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون » (٢) وقوله عزوجل « وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها » (٣) وقوله في قصة لوط « فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين » (٤) وقوله « قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى قوله لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون » (٥) وقوله تعالى « أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إلى قوله ونحن له مسلمون » (٦).

قلت : يا سيدي كم الملل؟ قال : أربعة وهي شرائع قال المفضل : قلت : يا سيدي المجوس لم سموا المجوس؟ قال عليه‌السلام : لانهم تمجسوا في السريانية وادعوا على آدم وعلى شيث وهو هبة الله أنهما أطلقا لهم نكاح الامهات والاخوات والبنات والخالات والعمات والمحرمات من النساء ، وأنهما أمراهم أن يصلوا إلى الشمس حيث وقفت في السماء ولم يجعلا لصلاتهم وقتا ، وإنماهو افتراء على الله الكذب وعلى آدم وشيث عليهما‌السلام.

قال المفضل : يا مولاي وسيدي لم سمي قوم موسى اليهود؟ قال عليه‌السلام : لقول الله عزوجل « إنا هدنا إليك » (٧) أي اهتدينا إليك قال : فالنصارى؟ قال عليه‌السلام : لقول عيسى عليه‌السلام « من أنصاري إلى الله » وتلا الآية (٨) إلى آخرها فسموا النصارى لنصرة دين الله.

قال المفضل : فقلت : يا مولاي فلم سمي الصابئون الصابئين؟ فقال عليه‌السلام : إنهم صبوا إلى تعطيل الانبياء والرسل والملل والشرائع ، وقالوا : كلما جاؤا به باطل ، فجحدوا توحيد الله تعالى ، ونبوة الانبياء ، ورسالة المرسلين ، ووصية

____________________

(١) النمل : ٣١ و ٤٤. (٢) آل عمران : ٥٢.

(٣) آل عمران : ٨٣. (٤) الذاريات : ٣٦.

(٥) البقرة : ١٣٦. (٦) البقرة : ١٣٣.

(٧) الاعراف : ١٥٥. (٨) آل عمران : ٥٢.

٥

الاوصياء ، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول ، وهم معطلة العالم.

قال المفضل : سبحان الله ما أجل هذا من علم؟ قال عليه‌السلام : نعم ، يا مفضل فألقه إلى شيعتنا لئلا يشكوا في الدين.

قال المفضل : يا سيدي ففي اي بقعة يظهر المدهي؟ قال عليه‌السلام : لا تراه عين في وقت ظهوره إلا رأته كل عين ، فمن قال لكم غير هذا فكذبوه.

قال المفضل : يا سيدي ولا يرى وقت ولادته؟ قال : بلى والله ، ليرى من ساعة ولادته إلى ساعة وفاة أبيه سنتين وتسعة أشهر أول ولادته وقت الفجر من ليلة الجمعة ، لثمان خلون من شعبان سنة سبع وخمسين ومائتين إلى يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الاول من سنة ستين ومائتين وهو يوم وفاة أبيه بالمدينة التي التي بشاطئ دجلة يبنيها المتكبر الجبار المسمى باسم جعفر ، الضال الملقب بالمتوكل وهو المتأكل لعنه الله تعالى وهي مدينة تدعى بسر من رأى وهي ساء من رأى ، يرى شخصه المؤمن المحق سنة ستين ومائتين ولا يراه المشكك المرتاب ، وينفذ فيها أمره ونهيه ، ويغيب عنها فيظهر في القصر بصابر (١) بجانب المدينة في حرم جده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيلقاه هناك من يسعده الله بالنظر إليه ، ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست وستين ومائتين فلا تراه عين أحد حتى يراه كل أحد وكل عين.

قال المفضل : قلت : يا سيدي فمن يخاطبه ولمن يخاطب؟ قال الصادق عليه‌السلام : تخاطبه الملائكة والمؤمنون من الجن ويخرج أمره ونهيه إلى ثقاته وولاته ووكلائه ويقعد ببابه محمد بن نصير النميري في يوم غيبته بصابر ثم يظهر بمكة.

ووالله يا مفضل كأني أنظر إليه دخل مكة وعليه بردة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلى رأسه عمامة صفراء ، وفي رجليه نعلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المخصوفة وفي يده هراوته عليه‌السلام يسوق بين يديه عنازا عجافا (٢) حتى يصل بها نحو البيت

____________________

(١) صابر بفتح الباء كهاجر سكة في مرو قاله الفيروز آبادي.

(٢) عناز بالكسر « جمع عنز وهي الانثى من المعز ، وقيل اذا أتى عليها حول. وعجاف أيضا بالكسر جمع عجفاء وهي المهزولة الضعيفة والهراوة : هي العصا الضخمة.

٦

ليس ثم احد يعرفه ، ويظهر وهو شاب.

قال المفضل : يا سيدي يعود شابا أو يظهر في شيبة؟ فقال عليه‌السلام : سبحان الله وهل يعرف ذلك؟ يظهر كيف شاء وباي صورة شاء إذا جاءه الامر من الله تعالى مجده وجل ذكره.

قال المفضل : يا سيدي فمن اين يظهر وكيف يظهر؟ قال : يا مفضل يظهر وحده ويأتي البيت وحده ، ويلج الكعبة وحده ، ويجن عليه الليل وحده ، فاذا نامت العيون و غسق الليل نزل إليه جبرئيل وميكائيل عليهما‌السلام ، والملائكة صفوفا فيقول له جبرئيل : يا سيدي قولك مقبول ، وأمرك جائز ، فيمسح عليه‌السلام يده على على وجهه ويقول : « الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين » (١).

ويقف بين الركن والمقام ، فيصرخ صرخة فيقول : يامعاشر نقبائي وأهل خاصتي ومن ذخرهم الله لنصرتي قبل ظهوري على وجه الارض! ائتوني طائعين! فترد صيحته عليه‌السلام عليهم وهم على محاريبهم ، وعلى فرشهم ، في شرق الارض وغربها فيسمعونه في صيحة واحدة في أذن كل رجل ، فيجيئون نحوها ، ولا يمضي لهم إلا كلمحة بصر ، حتى يكون كلهم بين يديه عليه‌السلام بين الركن والمقام.

فيأمر الله عزوجل النور فيصير عمودا من الارض إلى السماء فيستضئ به كل مؤمن على وجه الارض ، ويدخل عليه نور من جوف بيته ، فتفرح نفوس المؤمنين بذلك النور ، وهم لا يعلمون بظهور قائمنا أهل البيت عليه وعليهم‌السلام.

ثم يصبحون وقوفا بين يديه ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا بعدة اصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر.

قال المفضل : يا مولاي يا سيدي فاثنان وسبعون رجلا الذين قتلوا مع الحسين بن علي عليهما‌السلام يظهرون معهم؟ قال : يظهر منهم أبوعبدالله الحسين بن علي عليهما‌السلام في اثني عشر ألفا مؤمنين من شيعة علي عليه‌السلام وعليه عمامة سوداء.

____________________

(١) الزمر : ٧٤.

٧

قال المفضل : يا سيدي فبغير سنة القائم عليه عليه‌السلام بايعوا له قبل ظهوره وقبل قيامه؟ فقال عليه‌السلام : يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم عليه‌السلام فبيعته كفر ونفاق وخديعة ، لعن الله المبايع لها والمبايع له ، بل يا مفضل يسند القائم عليه‌السلام ظهره إلى الحرم ، ويمد يده فترى بيضاء من غير سوء ويقول : هذه يدالله ، وعن الله ، وبأمر الله ثم يتلو هذه الآية : « إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه » (١) الآية.

فيكون أول من يقبل يده جبرئيل عليه‌السلام ثم يبايعه وتبايعه الملائكة ونجباء الجن ، ثم النقباء ويصبح الناس بمكة ، فيقولون : من هذا الرجل الذي بجانب الكعبة؟ وما هذا الخلق الذين معه؟ وما هذه الآية التي رأيناها الليلة ولم تر مثلها؟ فيقول بعضهم لبعض : هذا الرجل هو صاحب العنيزات (٢).

فيقول بعضهم لبعض : انظروا هل تعرفون أحدا ممن معه ، فيقولون : لا نعرف أحدا منهم إلا أربعة من أهل مكة ، وأربعة من أهل المدينة ، وهم فلان وفلان و يعدونهم بأسمائهم ، ويكون هذا أول طلوع الشمس في ذلك اليوم ، فاذا طلعت الشمس وأضاءت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان عربي مبين ، يسمع من في السماوات والارضين : يا معشر الخلائق! هذا مهدي آل محمد ويسميه باسم جده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويكنيه ، وينسبه إلى أبيه الحسن الحادي عشر إلى الحسين بن علي صلوات الله عليهم أجمعين بايعوه تهتدوا ، ولا تخالفوا أمره فتضلوا.

فأول من يقبل يده الملائكة ، ثم الجن ، ثم النقباء ويقولون : سمعنا واطعنا ولا يبقى ذو أذن من الخلائق إلا سمع ذلك النداء ، وتقبل الخلائق من البدو والحضر والبر والبحر ، يحدث بعضهم بعضا ويستفهم بعضهم بعضا ما سمعوا بآذانهم.

فاذا دنت الشمس للغروب ، صرخ صارخ من مغربها : يا معشر الخلائق قد ظهر ربكم بوادي اليابس من أرض فلسطين وهو عثمان بن عنبسة الاموي من ولد

____________________

(١) الفتح : ١٠.

(٢) العنيزات : جمع عنيزة وهي تصغير عنز انثى المعز ولاجل هزالها سماها عنيزات.

٨

يزيد بن معاوية فبايعوه تهتدوا ، ولا تخالفوا عليه فتضلوا ، فيرد عليه الملائكة والجن والنقباء قوله ، ويكذبونه ، ويقولون له : سمعنا وعصينا ، ولا يبقى ذوشك ولا مرتاب ولا منافق ولا كافر إلا ضل بالنداء الاخير.

وسيدنا القائم عليه‌السلام مسند ظهره إلى الكعبة ، ويقول : يا معشر الخلائق ألا وم أراد أن ينظر إلى آدم وشيث ، فها أنا ذا آدم وشيث ، الا ومن أراد أن ينظر إلى نوح وولده سام فها أنا ذا نوح وسام ، الا ومن أراد أن ينظر إلى إبراهيم وإسماعيل فها أنا ذا إبراهيم وإسماعيل ، الا ومن أراد أن ينظر إلى موسى ويوشع ، فها أنا ذا موسى ويوشع ، الا ومن اراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون فها أناذا عيسى وشمعون.

الا ومن أراد أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فها أنا ذا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام ، الا ومن أراد أن ينظر إلى الحسن والحسين عليهما‌السلام فها أنا ذا الحسن والحسين ، الا ومن اراد أن ينظر إلى الائمة من ولد الحسين عليهم‌السلام فها أنا ذا الائمة عليهم‌السلام أجيبوا إلى مسألتي ، فاني أنبئكم بما نبئتم به وما لم تنبئوا به.

ومن كان يقرأ الكتب والصحف فليسمع مني ، ثم يبتدئ بالصحف التي أنزلها الله على آدم وشيث عليهما‌السلام ، ويقول أمة آدم وشيث هبة الله : هذه والله هي الصحف حقا ، ولقد أرانا ما لم نكن نعلمه فيها ، وما كان خفي علينا ، وما كان أسقط منها و بدل وحرف ، ثم يقرأ صحف نوح وصحف إبراهيم والتوراة والانجيل والزبور فيقول أهل التوراة والانجيل والزبور : هذه والله صحف نوح وإبراهيم عليهما‌السلام حقا ، وما أسقط منها وبدل وحرف منها هذه والله التوراة الجامعة والزبور التام والانجيل الكامل وإنها أضعاف ما قرأنا منها (١).

ثم يتل القرآن فيقول المسلمون : هذا والله القرآن حقا الذي أنزله الله

____________________

يعلم الباحث المطالع أن صحف آدم وشيث وصحف نوح وابراهيم وهكذا زبور داود عليهم‌السلام قد ضاعت بضياع أممهم ، وليس الان رجل في أقطار الارض يقرء هذه الصحف أو يتدين بها.

٩

على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما أسقط منه وحرف وبدل.

ثم تظهر الدابة بين الركن والمقام ، فتكتب في وجه المؤمن « مؤمن » وفي وجه الكافر « كافر » ثم يقبل على القائم عليه‌السلام رجل وجهه إلى قفاه ، وقفاه إلى صدره (١) ويقف بين يديه فيقول : يا سيدي أنا بشير أمرني ملك من الملائكة أن ألحق بك وأبشرك بهلاك جيش السفياني بالبيداء فيقول له القائم عليه‌السلام : بين قصتك وقصة أخيك.

فيقول الرجل كنت وأخي في جيش السفياني وخربنا الدنيا من دمشق إلى الزوراء وتركناها جماء ، وخربنا الكوفة وخربنا المدينة ، وكسرنا المنبر (٢) وراثت بغالنا في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخرجنا منها وعددنا ثلاثمائة ألف رجل نريد إخراب البيت ، وقتل أهله ، فلما صرنا في البيداء عرسنا فيها ، فصاح بنا صائح يا بيداء ابيدي القوم الظالمين فانفجرت الارض ، وابتلعت كل الجيش ، فوالله ما بقي على وجه الارض عقال ناقة فما سواه غيري وغير أخي.

فاذا نحن بملك قد ضرب وجوهنا فصارت إلى ورائنا كما ترى ، فقال لاخي : ويلك يا نذير! امض إلى الملعون السفياني بدمشق ، فأنذره بظهور المهدي من آل محمد عليهم‌السلام ، وعرفه أن الله قد أهلك جيشه بالبيداء ، وقال لي : يا بشير الحق بالمهدي بمكة وبشره بهلاك الظالمين ، وتب على يده ، فإنه يقبل توبتك ، فيمر القائم عليه‌السلام يده على وجهه فيرده سويا كما كان ، ويبايعه ويكون معه.

قال المفضل : يا سيدي! وتظهر الملائكة والجن للناس؟ قال : إي والله يا مفضل ، ويخاطبونهم كما يكون الرجل مع حاشيته وأهله ، قلت : يا سيدي ويسيرون معه؟ قال : إي والله يا مفضل ولينزلن أرض الهجرة ما بين الكوفة والنجف

____________________

(١) قد مر في باب ٢٣ و ٢٤ أن جيش السفياني يخسف بهم غير رجلين يحول وجههما إلى أقفيتهما ، وأما أن « قفاه إلى صدره » فلا معنى له معقول.

(٢) هذا أيضا من مخائله ، فان جيش السفياني لا تصل إلى المدينة بل يخسف بهم بالبيداء حين يتوجهون اليها من دمشق.

١٠

وعدد اصحابه عليه‌السلام حينئذ ستة واربعون الفا من الملائكة وستة آلاف من الجن وفي رواية أخرى : ومثلها من الجن بهم ينصره الله ويفتح على يديه.

قال المفضل : فما يصنع بأهل مكة؟ قال : يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيطيعونه ويستخلف فيهم رجلا من أهل بيته ، ويخرج يريد المدينة.

قال المفضل : يا سيدي فما يصنع بالبيت؟ قال : ينقضه فلا يدع منه إلا القواعد التي هي أول بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم عليه‌السلام والذي رفعه إبراهيم وإسماعيل عليهما‌السلام منها وإن الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي ، ثم يبنيه كما يشاء الله وليعفين آثار الظالمين بمكة والمدينة والعراق وسائر الاقاليم ، وليهدمن مسجد الكوفة ، وليبنيه على بنيانه الاول ، وليهدمن القصر العتيق ، ملعون ملعون من بناه.

قال المفضل : يا سيدي يقيم بمكة؟ قال : لا يا مفضل بل يستخلف منها رجلا من أهله ، فإذا سار منها وثبوا عليه فيقتلونه ، فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين مقنعي رؤسهم يبكون ويتضرعون ، ويقولون : يا مهدي آل محمد التوبة التوبة فيعظهم وينذرهم ، ويحذرهم ، ويستخلف عليهم منهم خليفة ويسير ، فيثبون عليه بعده فيقتلونه فيرد إليهم أنصاره من الجن والنقباء ويقول لهم : ارجعوا فلا تبقوا منهم بشرا إلا من آمن ، فلولا أن رحمة ربكم وسعت كل شئ وأنا تلك الرحمة لرجعت إليهم معكم ، فقد قطعوا الاعذار بينهم وبين الله ، وبيني وبينهم ، فيرجعون إليهم ، فوالله لا يسلم من المائة منهم واحد لا والله ولا من الف واحد.

قال المفضل : قلت : يا سيدي فأين تكون دار المهدي ، ومجتمع المؤمنين؟ قال : دار ملكه الكوفة ، ومجلس حكمه جامعها ، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة ، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين.

قال المفضل : يا مولاي كل المؤمنين يكونون بالكوفة؟ قال : إي والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها ، وليبلغن مجالة فرس منها ألفي درهم وليودن أكثر الناس أنه اشترى شبرا من ارض السبع بشبر من ذهب ، والسبع



١١

خطة من خطط همدان ، وليصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلا وليجاورن قصورها كربلا ، وليصيرن الله كربلاء معقلا ومقاما تختلف فيه الملائكة والمؤمنون وليكونن لها شأن من الشأن ، وليكونن فيها من البركات ما لو وقفم مؤمن ودعا ربه بدعوة لاعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرة.

ثم تنفس أبوعبدالله عليه‌السلام وقال : يا مفضل إن بقاع الارض تفاخرت : ففخرت كعبة البيت الحرام ، على بقعة كربلا ، فأوحى الله إليها أن اسكتي كعبة البيت الحرام ، ولا تفتخري على كربلا ، فانها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة ، وإنها الربوة التي أويت إليها مريم والمسيح وإنها الدالية (١) التي غسل فيها رأس الحسين عليه‌السلام وفيها غسلت مريم عيسى عليه‌السلام واغتسلت من ولادتها وإنها خير بقعة عرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منها وقت غيبته ، وليكونن لشيعتنا فيها خيرة إلى ظهور قائمنا عليه‌السلام.

قال المفضل : يا سيدي ثم يسير المهدي إلى أين؟ قال عليه‌السلام : إلى مدينة جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا وردها كان فه فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين.

قال المفضل : يا سيدي ماهو ذاك؟ قال : يرد إلى قبر جده صلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول : يامعاشر الخلائق ، هذا قبر جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ فيقولون : نعم يا مهدي آل محمد فيقول : ومن معه في القبر؟ فيقولون : صاحباه وضجيعاه أبوبكر وعمر ، فيقول وهو أعلم بهما والخلائق كلهم جميعا يسمعون : من أبوبكر وعمر؟ وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعسى المدفون غيرهما.

فيقول الناس : يا مهدي آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ما ههنا غيرهما إنهما دفنا معه لانهما خليفتا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبوا زوجتيه ، فيقول للخلق بعد ثلاث : أخرجوهما من قبريهما ، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ، ولم يشحب لونهما

____________________

(١) الدالية المنجنون يديره الثور ، والناعورة يديرها الماء. وكأنه يريد ماء الفرات.

١٢

فيقول : هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون : نعرفهما بالصفة وليس ضجيعا جدك غيرهما ، فيقول : هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما؟ فيقولن : لا فيؤخر إخراجهما ثلاثة ايام ، ثم ينتشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القرين ، ويقول للنقباء : ابحثوا عنهما وانبشوهما.

فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما. فيخرجان غضين طريين كصورتهما فيكشف عنهما أكفانهما ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها ، فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها (١).

فيقول المرتابون من أهل ولايتهما : هذا والله الشرف حقا ، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما ، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما ، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما وينادي منادي المهدي عليه‌السلام : كل من أحب صاحبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وضجيعيه ، فلينفرد جانبا ، فتتجزء الخلق جزئين أحدهما موال والآخر متبرئ منهما.

فيعرض المهدي عليه‌السلام على أوليائهما البراءة منهما فيقولون : يا مهدي آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نحن لم نتبرأ منهما ، ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة ، وهذا الذي بدالنا من فضلهما ، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت؟ من نضارتهما وغضاضتهما ، وحياة الشجرة بهما؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما ، ومن صلبهما ، وأخرجهما ، وفعل بهما ما فعل فيأمر المهدي عليه ريحا سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية.

ثم يأمر بانزالهما فينزلا إليه فيحييهما باذن الله تعالى ويأمر الخلائق بالاجتماع ، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور (٢) حتى يقص عليهم

____________________

(١) قد مر في ج ٥٢ باب ٢٤ أحاديث في ذلك مع ضعف اسنادها ، ولكن كاتب هذا الحديث أبرزها بصورة قصصية تأباه سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.

(٢) كأن قاص هذا الخبر كان يقول بالكور والدور وأن كل رجل يعيش في دار الدنيا في كل كور ودور فيكون عيشه في دار الدنيا مرات عديدة ، ولذلك يستحثهما بالسؤال عن الافعال التي صدرت منهما في تلك الاكوار والادوار.

١٣

قتل هابيل بن آدم عليه‌السلام ، وجمع النار لابراهيم عليه‌السلام ، وطرح يوسف عليه‌السلام في الجب ، وحبس يونس عليه‌السلام في الحوت ، وقتل يحيى عليه‌السلام ، وصلب عيسى عليه‌السلام وعذاب جرجيس ودانيال عليهما‌السلام ، وضرب سلمان الفارسي ، وإشعال النار (١) على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام لاحراقهم بها ، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط ، ورفس بطنها وإسقاطها محسنا ، وسم الحسن عليه‌السلام وقتل الحسين عليه‌السلام ، وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره ، وسبي ذراري رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإراقة دماء آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكل دم سفك ، وكل فرج نكح حراما ، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم عليه‌السلام إلى وقت قيام قائمنا عليه‌السلام كل ذلك يعدده عليه‌السلام عليهما ، ويلزمهما إياه فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر ، ثم يصلبهما على الشجرة و يأمر نارا تخرج من الارض فتحرقهما والشجرة ثم يأمر ريحا فتنسفهما في اليم نسفا.

قال المفضل : يا سيدي ذلك آخر عذابهما؟ قال : هيهات يا مفضل والله ليردن وليحضرن السيد الاكبر محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والصديق الاكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والائمة عليهم‌السلام وكل من محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا ، وليقتصن منهما لجميعهم حتى أنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ، ويردان إلى ما شاء ربهما.

ثم يسير المهدي عليه‌السلام إلى الكوفة وينزل ما بين الكوفة والنجف ، وعنده أصحابه في ذلك اليوم ستة وأربعون ألفا من الملائكة وستة آلاف من الجن ، والنقباء ثلاثمائة وثلاثة عشر نفسا.

قال المفضل : يا سيدي كيف تكون دار الفاسقين في ذلك الوقت؟ قال : في لعنة الله وسخطه تخربها الفتن وتتركها جماء فالويل لها ولمن بها كل الويل من الرايات الصلر ، ورايات المغرب ، ومن يجلب الجزيرة ومن الرايات التي تسير إليها من كل قريب أو بعيد.

____________________

(١) ذكره ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة فراجع.

١٤

والله لينزلن بها من صنوف العذاب مانزل بسائر الامم المتمردة من أول الدهر إلى آخره ، ولينزلن بها من العذاب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت بمثله ولا يكون طوفان أهلها إلا بالسيف ، فالويل لمن اتخذ بها مسكنا فان المقيم بها يبقى لشقائه ، والخارج منها برحمة الله.

والله ليبقى من أهلها في الدنيا حتى يقال : إنها هي الدنيا ، وإن دورها وقصورها هي الجنة ، وإن بناتهاهن الحور العين ، وإن ولدانها هم الولدان وليظنن أن الله لم يقسم رزق العباد إلا بها ، وليظهرن فيها من الامراء على الله وعلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحكم بغير كتابه ، ومن شهادات الزور ، وشرب الخمور و [ إتيان ] الفجور ، وأكل السحت وسفك الدماء ما لايكون في الدنيا كلها إلا دونه ، ثم ليخربها الله بتلك الفتن وتلك الرايات ، حتى ليمر عليها المار فيقول : ههنا كانت الزوراء.

ثم يخرج الحسني الفتى الصبيح الذي نحو الديلم! يصيح بصوت له فصيح يا آل أحمد أجيبوا الملهوف ، والمنادي من حول الضريح فتجيبه كنوز الله يا لطالقان كنوز وأي كنوز ، ليست من فضة ولا ذهب ، بل هي رجال كزبر الحديد ، على البراذين الشهب ، بأيديهم الحراب ، ولم يزل يقتل الظلمة حتى يرد الكوفة وقد صفا أكثر الارض ، فيجعلها له معقلا.

فيتصل به وبأصحابه خبر المهدي عليه‌السلام ، ويقولون : يا ابن رسول الله من هذا الذي قد نزل بساحتنا ، فيقول : اخرجوا بنا إليه حتى ننظر من هو؟ وما يريد؟ وهو والله يعلم أنه المهدي ، وأنه ليعرفه ، ولم يرد بذلك الامر إلا ليعرف أصحابه من هو؟

فيخرج الحسني فيقول : إن كنت مهدي آل محمد فأين هراوة جدك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخاتمه ، وبردته ، ودرعه الفاضل ، وعمامته السحاب ، وفرسه اليربوع وناقته العضباء ، وبغلته الدلدل ، وحماره اليعفور ، ونجيبه البراق ، ومصحف أمير المؤمنين عليه‌السلام؟ فيخرج له ذلك ثم يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد



١٥

وتورق ، ولم يرد ذلك إلا أن يري أصحابه فضل المهدي عليه‌السلام حتى يبايعوه.

فيقول الحسني : الله أكبر مد يدك يا ابن رسول الله حتى نبايعك فيمد يده فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلا أربعين ألفا اصحاب المصاحف المعرفون بالزيدية ، فانهم يقولون : ما هذا إلا سحر عظيم.

فيختلط العسكران فيقبل المهدي عليه‌السلام على الطائفة المنحرفة ، فيعظهم ويدعوهم ثلاثة ايام ، فلا يزدادون إلا طغيانا وكفرا ، فيأمر بقتلهم فيقتلون جميعا ثم يقول لاصحابه : لا تأخذوا المصاحف ، ودعوها تكون عليهم حسرة كما بدلوها وغيروها وحرفوها ولم يعملوا بما فيها.

قال المفضل : يا مولاي ثم ماذا يصنع المهدي؟ قال : يثور سرايا (١) على السفياني إلى دمشق ، فيأخذونه ويذبحونه على الصخرة.

ثم يظهر الحسين عليه‌السلام في اثني عشر ألف صديق واثنين وسبعين رجلا اصحابه يوم كربلا ، فيالك عندها من كرة زهراء بيضاء.

ثم يخرج الصديق الاكبر أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه‌السلام وينصب له القبة بالنجف ، ويقام أركانها : ركن بالنجف ، وركن بهجر ، وركن بصنعا ، وركن بأرض طيبة ، لكأني أنظر إلى مصابيحه تشرق في السماء والارض ، كاضواء من الشمس والقمر ، فعندها تبلى السرائر ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت (٢) إلى آخر الآية.

ثم يخرج السيد الاكبر محمد رسول الله صلى الله عليه ونله في أنصاره والمهاجرين ، ومن آمن به وصدقه واستشهد معه ، ويحضر مكذبوه والشاكون فيه والرادون عليه والقائلون فيه أنه ساحر وكاهن ومجنون ، وناطق عن الهوى ، ومن حاربه وقاتله حتى يقتص منهم بالحق ، ويجازون بأفعالهم منذ وقت ظهر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى

____________________

(١) في الاصل المطبوع : « يثور سرابا » فتحرر.

(٢) وبعده : وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، الحج : ٢.

١٦

ظهور المهدي مع إمام إمام ، ووقت وقت ، ويحق تأويل هذه الآية « ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون » (١).

قال المفضل : يا سيدي ومن فرعون وهامان؟ قال : أبوبكر وعمر.

قال المفضل : قلت : يا سيدي ورسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما يكونان معه؟ فقال : لا بد أن يطآ الارض إي والله حتى ما وراء الخاف ، إي والله وما في الظلمات ، وما في قعر البحار ، حتى لا يبقى موضع قدم إلا وطئا وأقاما فيه الدين الواجب لله تعالى.

ثم لكأني أنظر يا مفضل إلينا معاشر الائمة بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نشكوا إليه ما نزل بنا من الامة بعده ، وما نالنا من التكذيب والرد علينا وسبينا ولعننا وتخويفنا بالقتل ، وقصد طواغيتهم الولاة لامورهم من دون الامة بترحيلنا عن الحرمة إلى دار ملكهم ، وقتلهم إيانا بالسم والحبس ، فيبكي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقول : يا بني ما نزل بكم إلا ما نزل بجدكم قبلكم.

ثم تبتدئ فاطمة عليها‌السلام وتشكو ما نالها من أبي بكر وعمر ، وأخذ فدك منها ومشيها إليه في مجمع من المهاجرين والانصار ، وخطابها له في أمر فدك ، وما رد عليها من قوله : إن الابياء لا تورث ، واحتجاجها بقول زكريا ويحيى عليهما‌السلام وقصة داود وسليمان عليهما‌السلام.

وقول عمر : هاتي صحيفتك التي ذكرت أن أباك كتبها لك وإخراجها الصحيفة وأخذه إياها منها ، ونشره لها على رؤس الاشهاد من قريش والمهاجرين والانصار و؟ العرب وتفله فيها ، وتمزيقه إياها وبكائها ، ورجوعها إلى قبر أبيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله باكية حزينا تمشي على الرمضاء قد أقلقتها ، واستغاثتها بالله وبأبيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتمثّلها بقول رقيقة بنت صيفي (٢) :

____________________

(١) القصص : ٥ و ٦.

(٢) في الاصل المطبوع : « رقية » والصحيح ما في الصلب عنونها الجزرى في

١٧

قد كان بعدك وهنبثة

لو كانت شاهدها لم يكبر الخطب

إنا فقدناك فقد الارض وابلها

واختل أهلك فاشهدهم فقد لعبوا

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم

لما نأيت وحالت دونك الحجب

لكل قوم لهم قرب ومنزلة

عند الاله على الادنين مقترب

يا ليت قبلك كان الموت حل بنا

أملوا أناس ففازوا بالذي طلبوا

وتقص عليه قصة أبي بكر وإنفاذه خالد بن الوليد وقنفذا وعمر بن الخطاب وجمعه الناس لاخراج أمير المؤمنين عليه‌السلام من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة واشتغال أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد وفات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بضم أزواجه وقبره وتعزيتهم وجمع القرآن وقضاء دينه ، وإنجاز عداته ، وهي ثمانون ألف درهم ، باع فيها تليده وطارفه وقضاها عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وقول عمر : اخرج يا علي إلى ما أجمع عليه المسلمون وإلا قتلناك ، وقول فضة جارية فاطمة : إن أمير المؤمنين عليه‌السلام مشغول والحق له إن أنصفتم من أنفسكم وأنصفتموه ، وجمعهم الجزل والحطب على الباب لاحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة ، وإضرامهم النار على الباب ، وخروج فاطمة إليهم وخطابها لهم من وراء الباب.

وقولها : ويحك يا عمر ما هذه الجرأة على الله وعلى رسوله؟ تريد أن تقطع نسله من الدنيا وتفنيه وتطفئ نور الله؟ والله متم نوره ، وانتهاره لها.

وقوله : كفي يا فاطمة فليس محمد حاضرا ولا الملائكة آتية بالامر والنهي والزجر من عند الله ، وما علي إلا كأحد المسلمين فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعا.

____________________

اسد الغابة ج ٥ ص ٤٥٤ وقال بنت صيفي بن هاشم بن عبد مناف ، وعنونها في الاصابة ج ٤ ص ٢٩٦ وقال « رقيقة » : بقافين مصغرة بنت ابي صيفى بن هاشم بن عبدالمطلب. ولكن نسب الاشعار أبوبكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتابه السقيفة باسناده عن عمر بن شبة إلى هند ابنة أثاثة راجع كشف الغمة ج ٢ ص ٤٩ ، وفيها اختلاف.

١٨

فقالت وهي باكية : اللهم إليك نشكو فقد نبيك ورسولك وصفيك ، وارتداد أمته علينا ، ومنعهم إيانا حقنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيك المرسل.

فقال لها عمر : دعي عنك يا فاطمة حمقات النساء ، فلم يكن الله ليجمع لكم النبوة والخلافة ، وأخذت النار في خشب الباب.

وإدخال قنفذ يده لعنه الله يروم فتح الباب ، وضرب عمر لها بالسوط على عضدها ، حتى صار كالدملج الاسود ، وركل الباب برجله ، حتى اصاب بطنها و هي حاملة بالمحسن ، لستة أشهر وإسقاطها إياه.

وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد وصفقه خدها حتى بدا قرطاها تحت خمارها ، وهي تجهر بالبكاء ، وتقول : وا أبتاه ، واسرسول الله ، ابنتك فاطمة تكذب وتضرب ، ويقتل جنين في بطنها.

وخروج أمير المؤمنين عليه‌السلام من داخل الدار محمر العين حاسرا ، حتى ألقى ملاءته عليها ، وضمها إلى صدره وقوله لها : يا بنت رسول الله قد علمتي أن أباك بعثه الله رحمة للعالمين ، فالله الله أن تكشفي خمارك ، وترفعي ناصيتك ، فوالله يا فاطمة لئن فعلت ذلك لا ابقى الله على الارض من يشهد أن محمدا رسول الله ولا موسى ولا عيسى ولا إبراهيم ولا نوح ولا ندم ، [ ولا ] دابة تمشي على الارض ولا طائرا في السماء إلا أهلكه الله.

ثم قال : يا ابن الخطاب لك الويل من يومك هذا وما بعده وما يليه اخرج قبل أن اشهر سيفي فافني غابر الامة.

فخرج عمر وخالد بن الوليد وقنفذ وعبدالرحمن بن أبي بكر فصاروا من خارج الدار ، وصاح أمير المؤمنين بفضة يا فضة مولاتك فاقبلي منها ما تقبله النساء فقد جاءها المخاض من الرفسة ورد الباب ، فأسقطت محسنا فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : فانه لاحق بجده رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فيشكو إليه.

وحمل أمير المؤمنين لها في سواد الليل والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم إلى دور المهاجرين والانصار ، يذكرهم بالله ورسوله ، وعهده الذي بايعوا الله



١٩

ورسوله ، وبايعوه عليه في أربعة مواطن في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) وتسليمهم عليه بامرة المؤمنين في جميعها ، فكل يعده بالنصر في يومه المقبل ، فاذا اصبح قعد جميعهم عنه ثم يشكو إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام المحن العظيمة التي امتحن بها بعده.

وقوله لقد كانت قصتي مثل قصة هارون مع بني إسرائيل وقولي كقوله لموسى « يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين » (٢) فصبرت محتسبا وسلمت راضيا وكانت الحجة عليهم في خلائي ، ونقضهم عهدي الذي عاهدتهم عليه يا رسول الله.

واحتملت يا رسول الله ما لم يحتمل وصي نبي من سائر الاوصياء من سائر الامم حتى قتلوني بضربة عبدالرحمن بن ملجم ، وكان الله الرقيب عليهم في نقضهم بيعتي.

وخروج طلحة والزبير بعائشة إلى مكة يظهران الحج والعمرة وسيرهم بها إلى البصرة ، وخروجي إليهم وتدكيري لهم الله وإياك ، وما جئت به يا رسول الله ، فلم يرجعا حتى نصرني الله عليهما حتى أهرقت دماء عشرين الف من المسلمين وقطعت سبعون كفا على زمام الجمل ، فما لقيت في غزواتك يا رسول الله وبعدك اصعب يوما منه ابدا ، لقد كان من أصعب الحروب التي لقيتها ، وأهولها وأعظمها فصبرت كما أدبني الله بما ادبك به يا رسول الله في قوله عزوجل « فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل » (٣) وقوله « واصبر وما صبرك إلا بالله » (٤) وحق والله يا رسول الله تأويل الآية التي أنزلها الله في الامة من بعدك في قوله « وما محمد

____________________

(١) أخرج المصنف رضوان الله عليه أحاديث كثيرة في ذلك في أحوال مولانا أمير المؤمنين تراها في ج ٣٧ ص ٢٩٠ ٣٤٠ من الطبعة الحديثة ، وليس فيها ما يذكر أنهم بايعوه عليه‌السلام على أمرة المؤمنين. بل كانوا يسلمون عليه بامرة المؤمنين ، نعم في أحاديث الغدير ما يذكر أنهم بايعوه على ذلك فراجع ج ٣٧ ص ٢١٧.

(٢) الاعراف : ١٤٩. (٣) الاحقاف : ٣٥.

(٤) النحل : ١٢٧.

٢٠