تراثنا ـ العدد [ 2 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 2 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ١٧٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

مجلّة تراثنا العدد 2 مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

١
 &

مجلّة تراثنا العدد 2 مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

٢
 &

الفهرس

١ ـ كلمة العدد / قلم التحرير ..............  ٧

٢ ـ نظرات سريعة في فن التحقيق ( ٢ ) / أسد مولوي ...........  ٩

٣ ـ تطور الفقه عند الشيعة في القرنين ٤ و ٥ ( ١ ) / الشيخ جعفر السبحاني .......  ١٥

٤ ـ كتب محققة مطبوعة ............  ٣٥ ـ ٤٠

١ ـ المعتبر / الشيخ ناصر المكارم الشيرازي .............  ٣٥

٢ ـ رسائل الشيخ المفيد / الشيخ محمد مهدي نجف .............  ٣٧

٥ ـ أهل البيت ( عليهم السلام ) في المكتبة العربية ( ٢ ) / السيد عبد العزيز الطباطبائي ...........  ٤١

٦ ـ دليل المخطوطات (١) / السيد أحمد الحسيني .............  ٦٥

٧ ـ لمن هذه الكتب ؟ / السيد جعفر مرتضى العاملي .........  ٩٦

٨ ـ أهل البيت ( عليهم السلام ) في التراث الشعري (١) .............  ١٠٠

٩ ـ كتب قيد التحقيق ...........  ١٠٥ ـ ١٢٠

١ ـ المهذب البارع / الشيخ مجتبى العراقي .............  ١٠٧

٢ ـ تذكرة الفقهاء / السيد جواد الشهرستاني .........  ١٠٩

٣ ـ بناء المقالة العلوية / السيد علي العدناني ..........  ١١٢

٤ ـ الإجازة الكبيرة / الشيخ محمد السمامي الحائري ............  ١١٥

٥ ـ فتح الأبواب / حامد الخفّاف ..........  ١١٨

١٠ ـ كلمة حول النوبختي وكتابه / السيد محمد علي الروضاتي ..........  ١٢١

١١ ـ صدر مؤخراً ............  ١٢٣

١٢ ـ من ذخائر التراث ..........  ١٢٥ ـ ١٧٥

١ ـ تسمية من قتل مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) / السيد محمد رضا الحسيني ...  ١٢٧

٢ ـ رسالة نزهة الألباب / الشيخ جواد الروحاني .......  ١٦٣

٣
 &

مجلّة تراثنا العدد 2 مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

٤
 &

مجلّة تراثنا العدد 2 مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

٥
 &

باسم من له ميراث السماوات والأرض

تراثنا هو ينبوع من الدين

والدين مدعاة تفقيه وتمدين

تراثنا هو تاج للتراث کما

برهانه واضح أجلى البراهين

تراثنا هو كنز لا نفاد له

قد فاق ـ معنىً ـ كنوزاً للسلاطين

تراثنا النور يهدي المقتدين به

ومبعث النور من طه وياسين

تراثنا هو للأجيال مدرسة

وملهم الوعي أفکار الملايين

* * *

تراثنا من هدى القرآن منطلق

جمّ المعارف في شتّى الميادين

تراثنا من هدى الإسلام مصدره

وتوأم الذكر في كلّ المضامين

تراثنا من هدى المختار منبعه

ومن أئمتنا الغرّ الميامين

تراثنا من أحاديث الثقات أتى

ومن رواة وأقطاب أساطين

تراثنا نال بالشرع الشريف عُلاً

وقد حوی شرف الدنيا مع الدين

الايرواني النجفي

٦
 &

كلمة العدد

بقلم التحرير

بسمه تعالى شأنه

صدر العدد الأول من نشرة تراثنا الفصلية التي ارتأينا أن تكون منبراً حرّاً يعكس آثار العاملين في تحقيق التراث الإسلامي وطريقة عملهم ، وتكون سفيراً ينقل ثمار قرائحهم ونتاج أقلامهم من بعضهم إلى بعض .

ولمّا كانت النشرة خاصة بطبقة معيّنة من العلماء والباحثين ، كنّا نتوقع ـ ونحن في بداية الطريق ـ أن يصلنا النقد المتتابع والتساؤلات الكثّر من عارفين بالفنّ متعمّقين فيه ، وكنا نتوقع ـ على الأقل ـ أن يصلنا نقد للسلبيّات التي رافقت ولادة العدد الأول في الشكل والمضمون .

ولكنّ الذي غطّى أرض الواقع شيء آخر :

الإستقبال الحار والإهتمام الجاد والترحيب البالغ ، كانت تتضمّنه رسائل علمائنا الأعلام وفقهائنا العظام وأساتذتنا من ذوي الخبرة بالفنّ والتمكّن فيه من أساتذة الجامعات ومسؤولي المؤسسات الثقافية والعلمية المعنيّة بنشر التراث . . .

* * *

جاءتنا رسائلهم تترى تبارك مجهودنا المتواضع ، مؤكّدة على أنّ النشرة ـ التي هي منهم وإليهم ـ يجب أن تسير سيراً حثيثاً نحو الأحسن ، لأنّها على حدّ تعبير أحد الفضلاء : « خير سفير لنا في الخارج يمكن أن يواجه الظروف العصيبة » .

وعلم نيف على التسعين يرسل لنا رسالة كريمة في إثر رسالة يبارك لنا « المقصد المقدّس العالي » ونحن نحتفظ بهذه الرسالة وفاءً لحقّ شيخنا الجليل .

وهذا اُستاذ فيلسوف يتمنّى أن تكون هذه « النشرة القيّمة التي سوف تملأ الفراغ المؤسف جداً » يقول في موضع آخر من رسالته : « هذه النشرة المفيدة بل الضرورية جداً » .

٧
 &

واُستاذ آخر خبير بالفنّ يعدّ المجلة « من الخطوات الهامة . . . في طريق تعميق معرفة الاُمّة لحضارتها وثقافتها » .

ورسالة . . . ورسالة . . .

لقد زادتنا هذه الكلمات من أساتذتنا الكرام تصميماً ، ومدّتنا بزخم معنويّ عال ، إن دلّ على شيء فهو يدلّ على ما أولوا هذه النشرة من عظيم الإهتمام ، وعرفنا أنّ المسؤولية الملقاة على عواتقنا أكبر بكثير ممّا كنا نتصوّره .

وقد عقدنا ـ بعون الله ـ العزم على أن نكون عند حسن ظنّهم إن شاء الله تعالى .

ونحن إذ نعلن ـ مرة اُخرى ـ للنخبة الخيّرة من محقّقي التراث أنّا على الدرب سائرون ، نمدّ أيدينا الى إخوتنا في خدمة الثقافة الإسلامية العظيمة لمشاركتنا الفعلية الجادّة ، فمن المعلوم أنّ يد الله مع الجماعة .

والله من وراء القصد ، وهو الموفق لكل خير .

٨
 &

نظرات سريعة في فن التحقيق « ٢ »

أسد مولوي

من صفات المحقّق :

من الواضحات أنّ من يتصدّى لأمر ما ، يجب عليه أن يتّصف بصفات تؤهّله لإتقان ما تقتضيه طبيعة هذا الأمر . . . ، فالطبيب مثلاً لا يحتاج في فنّه إلى إتقان الشعر الجاهلي ومعرفة وحشيّه من مأنوسه ، ولا إلى ضبط أوزانه ليعلم أنّ الموشّح متأخّر عن العصر الجاهلي بقرون ، ولا ولا . . . وإن كان من ناحية الثقافة العامّة يحتاج إلى بعض هذه الاُمور . . . ، لكنّها لا تساعده في عمليّة جراحيّة في العين أو كتابة وصفة دواء .

وهكذا قل في كلّ فنّ فنّ من ألوان العلوم الإنسانيّة .

ومن هنا قال الشاعر :

..........

ما كلّ أصلع عالم ومحقّق

ونحن في هذا البحث الموجز ، سنطرق ـ بعون الله تعالى ـ أبواب بعض هذه الصفات ، ذاكرين منها ما يفتح الله به ممّا بقي في الذاكرة من جهد عاشق لهذا الفنّ أمضى معه سنوات طوالاً ، ضيّع عليه طاغوت من طواغيت هذا العصر أينع ثمراتها .

ولنبدأ بالسمة الاُولى المشتركة بين أعمال الإنسان كلّها وهي :

١ ـ الرغبة أو الهواية أو العشق (١) :

هذه الهواية اُولى الشروط الواجب توفّرها في المحقّق ، فإنّ حبّه للتحقيق يسهّل له

____________________________

(١) ذكرناها على الترتيب تدريجاً فإنّ إحداها أرفع من الاُخرى ، ولكلّ واحدة منها درجة ترتفع بصاحبها في سلّم هذا الفنّ .

٩
 &

الصعاب التي تعترضه ، ويذلّل له سبلها ، ويعينه على تخطّي ما يعترض طريقه من عقبات .

لأنّ هذا الفنّ كثير المزالق ، جمّ المعوّقات ، وغير المحبّ لا يهون عليه أن يبذل من ذات نفسه أو ماله أو . . . لغير من يحبّ .

هذا الحبّ يهون على المحقّق السهر والتعب في حلّ جملة مبهمة ، ويسهّل عليه صرف الساعات بل الأيّام محقّقاً مدقّقاً في قراءة كلمة صحّفها الناسخ ، أو عدت عليها عوادي الزمان بمسح أو مسخ .

ويهون عليه ـ مثلاً ـ فوت سفرة يتمتّع فيها بما أباح الله تعالى من مجالي الطبيعة الجميلة ، ويتلذّذ بشمّ الهواء وتذوّق طعم حرّية الإنطلاق من بين أربعة جدران .

ويدفعه إلى تجشّم السفر ـ إن كان قادراً عليه ـ إلى مكتبة بعيدة ، ولولا هذا الحبّ لما كانت المكتبة عنده أبهج من آلات المستشفى لمن يكره المستشفيات .

ويستلّ منه النقود التي هي عماد حياته « أموالكم التي جعل الله لكم قياماً » (١) فيبذلها رخيصة في شراء كتاب أصفر الورق قد اتخذته العثّة لها ملعباً ومطعماً و . . .

ويفعل به هذا الحبّ ويفعل . . .

ومن ذاق عرف . .

هذه الهواية ـ عندي ـ أوّل شرط يجب على طالب هذا الفنّ أن يخبره من نفسه ، لأنّه إن لم يكن راغباً في التحقيق هاوياً له فسيأتيه من منغّصاته ما يصرفه عنه ، وقد يفضي الأمر به إلى طلاق لا رجعة فيه .

٢ ـ الغيرة :

وهي صفة لازمة للمحقّق ، فإنّنا ـ بحمد الله اُمّة لها من علمها وأدبها ورجالها و تراثها ما تفخر به على كلّ الاُمم ـ كثرةً وأصالةً وعمقاً ونفعاً للإنسانيّة ـ .

اُمّة إذا طلعت الشمس تطلع على حلقات المعقّبين بعد صلاة الصبح ، وإذا غربت تغرب على المتهيّئين لختم نهارهم بصلاة المغرب ، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب .

هذه الاُمّة صهرتها بوتقة الإسلام ، واصطبغت بصبغة الله ـ ومن أحسن من الله صبغة ـ أفكارها واحدة ، وتراثها واحد .

____________________________

(١) النساء ٤ : ٥ .

١٠
 &

هذه الاُمّة العريضة الطويلة في المكان والزمان ، لها من التراث العلمي والأدبي والحضاري ، ما ضاقت عنه أرضها الواسعة ففاض على الآخرين مشاعل نور ، انساح نورها فعمّ الأرض كلّها .

تراث هذه الاُمّة أضخم تراث عرفته الدنيا ، وحسبك إنّ ما بقي من مخطوطات اللغة العربيّة فقط ثلاثة ملايين مخطوط ، عدا ما اجتاحته النكبات وأودت به الملمّات ، فضلاً عن أخوات للعربيّة أثمرن فأطيبن وأكثرن كالفارسيّة والتركيّة والاُردويّة . . .

وحسبك أنّ رجال هذه الاُمّة وأعلامها نيفوا على نصف مليون علم ، كما يقول أحد علماء التراجم .

أمّا تراثها الغنيّ ـ بناءً وزخرفةً وخطّاً ونقشاً وابتكاراً ـ ممّا يقرّ العين ويبهج القلب ، فحدّث عن البحر ولا حرج .

هذا التراث الذي صرفت فيه جواهر الأعمار ، وبذلت في سبيله أنوار العيون ، وحماه السلف ذوو الفضل بمهج النفوس ، حريّ بمن يعرفه أن يغار عليه ، وأن يحوطه كما حاطه السابقون .

أذكر ـ فيما أذكر ـ أنّ أمين مكتبة من هؤلاء الذين ليس لهم بالكتاب علاقة إلّا قبض المرتّب رأس كلّ شهر ، طلبت منه تصوير مخطوطة من نفائس كتبنا ، تمتاز بجودة الخطّ وغرابته ، ونفاسة الموضوع وأهمّيّته ، وكانت النسخة ناصلة الأوراق من جلدها ، قد تكسّر من حوافّها الثلاثة ما يقرب من السنتيمتر من كلّ ورقة .

جاءني بالمخطوطة وسألني : هل يصوّرها كلّها ، حتى الكلمة التي دوّنها مالكها المتأخّر ؟ !

فأخذت النسخة ، وكحلت عيني برؤيتها ، وطلبت تصويرها كلّها ـ من الجلد إلى الجلد ـ وأعطيته المخطوطة ، فأخذ يعدّل أوراقها بضرب حوافّها على منضذة أمامه وكسار الأوراق يتناثر وقلبي ينزو بين أضلاعه ، فما ملكت نفسي أن قلت له : ما كفاكم ، أن ألقت بين أيديكم عوادي الزمان بهذه الدرّة المصونة ، ممزّقة الاهاب ، مفككّة الأوصال .

فلا برسول الله صلّى الله عليه وآله ـ وهو أبو هذه النسخة التي تفتخرون بملكيّتكم لها ـ . . . اقتديتم ، حيث أمر بإعزاز كريم ذلّ ،

ولا الرحمة استشعرتم ، فأسوتم لحالها وأشفقتم عليها .

حتى صرتم ترضّون ضلوعها ، وتسيلون دموعها .

فضحك مني . . وذهب يصوّرها .

١١
 &

وكان في وادٍ . . وكنت في وادٍ آخر .

فعلى كلّ طالب لفنّ التحقيق أن يستشعر الغيرة على هذا التراث القيّم ، والغيرة من سمات رشد الاُمّة ، وما ضاعت نفائس كتبنا إلّا حين قصرنا عن الرشد وقلّت الغيرة فينا ، فكان رجال ينسبون لهذه الاُمّة ـ وهي منهم براء ـ سماسرة للأجانب ـ في أقدس مدننا ـ يجمعون المخطوطات بثمن بخس ـ لتستقرّ في المتحف البريطاني وغيره من مكتبات الأجانب .

وأسماء هؤلاء معروفة مذكورة بالسوء ، منهم من مضى ومنهم من غبر .

٣ ـ الذكاء ودقّة الملاحظة :

وهذه سمة يقتضيها الإبداع في كلّ علم ، والتقدّم والتجديد في كلّ فنّ ، وكلّ مبدع في تاريخ البشرية لم يكن ليبدع في فنّه لولا صفات منها : الذكاء ودقّة الملاحظة . . . ولولاها لما زاد العارف بعلم من العلوم أن يكون نسخة مكرورة من اُستاذه بل نسخة من الكتاب الذي قرأه .

وقد قيل لأحد العلماء : إنّ فلاناً قد حفظ الكتاب الفلاني ، فقال : زادت في البلد نسخة .

هذه الملاحظة الدقيقة شرط ضروري في فنّنا الذي نحن بصدده ، لأنّ رسم الخط العربي متشابه الصور متقارب الأشكال ، ومعاني الألفاظ في العربيّة متقاربة ، لأنّ هذه اللغة الكريمة لغة اشتقاقيّة تجمع كل اُسرة من الألفاظ آصرة واحدة ومعنى عام تشتقّ منه المعاني الفرعيّة ، التي هي قريب من قريب .

فإن لم يكن المحقّق دقيق الملاحظة إشتبه عليه ـ مثلاً ـ ( كتب ) من الكتابة المعروفة و ( كتب القربة ) أي خاطها بسير من جلد ، وربّما صحّح الثانية بما يحلو له من لفظ بناء على أنّها خطأ ، وهي ـ في الحقيقة ـ ليست خطأ إلّا في ذهنه وحده .

وتصحيح التصحيف ـ في الغالب ـ يعتمد على هذه الصفة في المحقّق ، ولا يظنّ أنّ المحقّق يحتاج هذه الصفة في تصحيح التصحيف فحسب ، بل هو محتاجها في أغلب أعماله ، فأسماء الرجال ، وواقع الحياة في كلّ عصر ، وظروف النصّ الذي يحقّقه ما ظهر منها وما خفي ، تحتاج إلى هذه الدقّة في الملاحظة لكي لا يتسرّب الخطأ من باب من أبواب الغفلة ، أو ثغر من ثغور الذهول .

١٢
 &

٤ ـ التواضع والإستعانة بذوي الخبرة :

الإسلام السمح السهل ، دين الفطرة ومنهج الإنسانيّة المتساوية التي تجمعها العبوديّة لله تعالى ، والإعتراف بأعلميّة وأفضليّة وقيادة المعصومين عليهم السلام ، أمّا ما عداهم من الناس فـ :

..........

أبوهم آدم والاُمّ حوّاء

هذا الدين العظيم من كريم أخلاقه التواضع ، والتواضع هو السمة الحقيقيّة لهذا الإنسان ـ لو عقل ـ فإنّه مهما بلغ من العلم جاهل بأقرب شيء إليه ـ نفسه ـ ومهما حصل من المال محتاج إلى شربة ماء ، إن فقدها أو منع منها هلك . . .

هذا التواضع حاجة من حاجات المحقّق كي تنمو خبرته ، ويتّسع اطّلاعه وتزيد معلوماته ، فإنّ العلم كلّه في العالم كلّه ، كما يقولون .

فما على طالب المعرفة الحقّة أن يستفيدها من أيّ إنسان صدرت ، وما عليه أن يقول لما يجهله : لا أدري !

المحقق بتواضعه المراد منه ، يفتح لنفسه الطريق في تصحيح الخطأ وتقويم الوهم الذي لا يخلو منه أحد إلّا من عصم الله .

وهو بتواضعه هذا يضيف خبرات إلى خبرته ، وجهود أعمار إلى جهده .

فما عليه أن يستفيد من عارف بتاريخ الخطّ وكيفيّاته ، أو مطّلع على أماكن المخطوطات ومظانها ، أو ناطق فصيح بلغة القرآن ولو كان بدويّاً اُمّيّاً .

ولأذكر مثالاً على ذلك :

جاء في ديوان الشريف المرتضى الذي حقّقه رشيد الصفّار وقدّم له محمد رضا الشبيبي وراجعه وترجم لأعلام الديوان وصحّح بعض ألفاظه الدكتور مصطفى جواد ، وقد رمز لحواشيه بـ ( م .ج ) .

جاء في الصفحة الثانية والثلاثين من الجزء الأوّل قول الشريف :

وإلى فخار الملك اُصدرها

كلماً تسير بذكرها الكتب

وبها على أكوار ناجية

نصَّ المنازل عني الركب

وعلّق عليها بما بلي :

في الأصل نطس الجنادل ، والذي أثبتناه أقرب من الأصل ، فإنّه يقال : نصصت فلاناً : إذا استقصيت مسألته عن الشيء حتى تستخرج ما عنده ، فالركب قد نص أهل المنازل عن الكلمة ( م .ج ) .

١٣
 &

والصحيح أنّ معنى هذه الكلمة المناسب لموقعها هنا قد اغفلته معاجم اللغة ـ في حدود اطلاعي ـ ولكنّه لا يزال حيّاً شائعاً في لهجة الجزيرة العربيّة وما والاها من بادية العراق والشام ، بتغيير بسيط في اللفظ حيث يلفظونها ( نصا ) فتسأل الرجل الغريب : أناص أنت أحداً أم لا ؟ فيجيبك : أنا ناص فلاناً ، أي قاصد .

هذا المعنى من النصّ أي القصد ، قد أغفله ما اطّلعت عليه من المعاجم وهو المراد في بيت الشريف ، فأنّ الشريف قد كتب القصيدة بعد نظمها وأرسلها الى ممدوحه ، ولم يحملها إليه بيده .

فالركب ( أي حامل القصيدة ) قد نصّ منازل الممدوح ( أي قصدها ) نيابة عن الشريف .

وليس هنا استقصاء في المسألة . . ! كما جاء فی التعليق .

هذا التصحيح للفظة في ديوان شاعر هو أحد عظماء المسلمين .

وتفسيرها بالمعنى المناسب الملائم .

واستدراك هذا المعنى على معاجم اللغة .

هذه الاُمور الثلاثة استفدتها من بدويّ اُمّيّ لا يقرأ ولا يكتب .

فالتواضع والإستعانة بالعارفين شرط من اُمّهات الشروط المطلوبة في المشتغل بتحقيق التراث .

وليس المراد من التواضع والإستعانة هنا ميوعة الشخصيّة ، أو الاتّكاليّة أو التطفّل أو . . . ، بل هو التواضع الكريم والإستعانة التي هي من أهمّ مقوّمات هذا الإنسان الضعيف .

للبحث صلة . . .

١٤
 &

تطوّر الفقه عند الشيعة في القرنين الرابع والخامس

وكتاب المهذّب : للقاضي ابن البرّاج

الشيخ جعفر السبحاني

شرف الفقه :

إنّ شرف كلّ علمٍ بشرف موضوعه ، وشرف ما يبحث فيه عن عوارضه وأحواله .

فكلّ علمٍ يرتبط بالله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله ، أو يرجع الى التعرّف على سفرائه وخلفائه وما اُوحي إليهم من حقائق وتعاليم ، وأحكام وتكاليف ، يعدّ من أشرف العلوم ، وأفضلها وأسناها ، لارتباطه به تعالى .

وقد أصبح ( علم الفقه ) ذات مكانةٍ خاصّة بين تلك المعارف والعلوم ، لأنّه الراسم لمناهج الحياة في مختلف مجالاتها ، والمبيّن للنسك والعبادات ، ومحرّم المعاملات ومحلّلها ، ونظام المناكح ، والمواريث ، وكيفيّة القضاء ، وفصل الخصومات والمنازعات ، وغيرها .

وعلى الجملة : هو المنهاج الوحيد والبرنامج الدقيق لحياة المسلم الفرديّة ، والإجتماعيّة ، كيف ويصف عليّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أهميّة تلك التعاليم والبرامج ، من خلال الإشارة الى آثارها في حياة الفرد والجماعة إذ يقول :

( فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك ، والصلاة تنزيها عن الكبر ، والزكاة تسبيباً للرزق ، والصيام ابتلاءً لإخلاص الخلق ، والحجّ تقربةً للدين ، والجهاد عزّاً للإسلامٍ ، والأمر بالمعروف مصلحةً للعوام ، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء وصلة الرحم منماة للعدد ، والقصاص حقناً للدماًء ، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم ، وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل ، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفّة ، وترك الزنى تحصيناً للنسب ، وترك اللواط تكثيراً للنسل ، والشهادات استظهاراً على المجاحدات ، وترك الكذب تشريفاً للصدق ، والسلام

١٥
 &

أماناً من المخاوف ، والأمانة نظاماً للاُمّة ، والطاعة تعظيماً للإمامة ) (١) .

وإذا كان ( الفقه ) كفيلاً بسعادة الإنسان في الدارين ، ومبيّناً لفرائض العباد و وظائفهم ، فقد اختار الله سبحانه أفضل خلائقه ، وأشرف أنبيائه لإبلاغ تلك المهمّة الجسيمة ، فكان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) في حياته مرجع المسلمين ، في بيان وظائفهم و ما كانوا يحتاجون إليه من أحكام ، كما كان قائدهم في الحكم والسياسة ، ومعلّمهم في المعارف والعقائد .

فقام ( صلّى الله عليه وآله ) بتعليم الفرائض والواجبات والعزائم والمنهيّات ، والسنن والرخص ، وما يتكفّل سعادة الاُمّة ونجاحها في معترك الحياة ، وفوزها ونجاتها في عالم الآخرة .

إكمال الشريعة بتمام أبعادها :

إنّ الشريعة التي جاء بها خير الرسل ، وأفضلهم هي آخر الشرائع التي أنزلها الله سبحانه ، لهداية عباده فهو ـ صلوات الله عليه ـ خاتم الأنبياء ، كما أنّ كتابه وشريعته خاتمة الشرائع ، وآخر الكتب .

قال سبحانه : « مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا » ( الأحزاب ـ ٤٠ ) .

وبما أنّه ( صلّى الله عليه وآله ) خاتم الأنبياء ، وشريعته خاتمة الكتب والشرائع ، يجب أن تكون شريعته ـ حتماً ـ كاملة الجوانب ، جامعة الأطراف لن يفوتها بيان شيء ، وتغني المجتمع البشري عن كلّ تعليم غير سماويّ .

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه ينصّ على ذلك ويصرّح بأنّه زوّده بشريعة اكتملت جوانبها يوم قال تعالى : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » ( المائدة ـ ٣ ) .

وظاهر قوله : « أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » أنّه سبحانه أكمل دينه النازل على نبيّه الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) من جميع الجوانب ، وكلّ الجهات .

____________________________

(١) نهج البلاغة قسم الحكم ، الحكمة رقم ٢٥٢ .

١٦
 &

فهذا الدين كامل من حيث توضيح المعارف والعقائد ، كامل من حيث بيان الوظائف والأحكام ، كامل من جهة عناصر استمراره ، وموجبات خلوده ، ومتطلّبات بقائه ، على مدى الأيّام والدهور .

فلا وجه ـ إذن ـ لقصر الآية على الكمال من ناحية دون ناحية ، وجانب دون جانب ، فهي بإطلاقها تنبیء عن كمال الشريعة في جميع جوانبها ، ومجالاتها من غير اختصاص بالإيمان ، أو بالحجّ ، أو بغيره .

على أنّ حديث الإكتمال الوارد في هذه الآية ، لا يختصّ بإكمال الدين من حيث بيان العقيدة وتبليغ الشريعة ، بل يعمّ الإكتمال من جهة بقاء الشريعة واستمرار وجودها طيلة الأعوام والحقب القادمة ، إذ ليس حديث الدين كالمناهج الفلسفيّة والأدبيّة وما شبه ذلك ، فإنّ الإكتمال في هذه المناهج يتحقّق بمجرّد بيان نظامها وتوضيح خطوطها الفكريّة ، سواء أطبّقت على الخارج أم لا ، وسواء استمرّ وجودها في مهبّ الحوادث أم لا ، بل الدين شريعة إلهيّة اُنزلت للتطبيق على الخارج ابتداءً واستمراراً حسب الأجل الذي اُريد لها .

فتشريع الدين من دون تنظيم عوامل استمرار وجوده يعدّ ديناً ناقصاً .

ولأجل ذلك دلّت السنّة على نزول الآية « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ » يوم غدير خمّ عندما قام النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) بنصب عليّ ( عليه السلام ) للولاية والخلافة (١) .

والعجب أنّ ابن جرير أخرج عن ابن جريح ، قال : مكث النبيّ ( ص ) بعدما نزلت هذه الآية « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ . . . » إحدى وثمانين ليلة (٢) .

وبما أنّ الجمهور أطبقوا على أنّ وفاة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) كانت في الثاني عشر من ربيع الأوّل ، فينطبق أو يقارب يوم نزول هذه الآية على الثامن عشر من شهر ذي الحجّة ، وهو يوم الغدير الذي قام النبي ( صلّى الله عليه وآله ) فيه بنصب عليّ عليه السلام للخلافة والولاية .

ولأجل هذه العظمة الموجودة في مفهوم الآية ، روى المحدّثون عن طارق بن شهاب قال : قالت اليهود للمسلمين : إنّكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا ـ معشر اليهود ـ نزلت ، لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال : وأيّ آية ؟ قال : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » .

____________________________

(١) راجع الغدير ج ١ ص ٢١٠ ـ ٢١٧ للوقوف على مصادر هذا الأمر .

(٢) الدرّ المنثور ج ٢ ص ٢٥٧ و ٢٥٩ .

١٧
 &

وأخرج ابن جرير ، عن عيسى بن حارثة الأنصاري قال : كنّا جلوساً في الديوان ، فقال لنا نصراني : يا أهل الإسلام : لقد اُنزلت عليكم آية لو اُنزلت علينا لاتّخذنا ذلك اليوم ، وتلك الساعة عيداً ما بقي اثنان ، وهي قوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » .

كما روى ابن جرير ، عن ابن جريح ، عن السديّ أنّه لم ينزل بعد هذه الآية حرام و لا حلال ، ورجع رسول الله ( ص ) فمات (١) .

* * *

بماذا تحقق الكمال ؟

لا شك أنّ الشريعة الإسلاميّة من جانب الأحكام والعقائد اكتملت بامرين أحدهما : كتاب الله سبحانه ، والآخر سنّة نبيّه الكريم .

أمّا الأوّل فقد عرّف سبحانه مكانته ، وسعة معارفه بقوله : « وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ » ( النحل ـ ٨٩ ) .

فلا شك أنّ المراد من لفظة « كُلِّ شَيْءٍ » ، هو كلّ شيءٍ اُنيط بيانه إلى سفرائه وأنبيائه سبحانه من العلوم والمعارف ، والمناهج والتعاليم التي لا يصل الفكر الإنساني إلى الصحيح منها ، بلغ ما بلغ من الكمال .

فهذه الاُمور تكفل ( الكتاب الكريم ) ببيانها وذكر خصوصيّاتها ، وأمّا العلوم التي يصل إليها البشر بفكره ، كالفنون المعماريّة ، والمعادلات الرياضيّة والقوانين الفيزياويّة والكيماويّة ، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب ، وليس بيانها من مهامه ووظائفه .

نعم ربّما يحتمل أن يكون للآية معنىً أوسع ، حتى يكون القرآن الكريم قابلاً لتبيان تلك المعارف والعلوم ، غير أنّ هذا الإحتمال ـ على فرض صحّته ـ لا يصحّح أن يكون ( القرآن الكريم ) مصدراً لهذه المعارف ، حتى يرجع إليه كافّة العلماء والإختصاصيّون في هذه العلوم ، وإنّما يتيسّر استخراج هذه العلوم والمعارف لمن له مقدرة علميّة إلهيّة غيبيّة ، حتى يتسنّى له استخراج هذه الحقائق والمعارف من بطون الآيات وإشاراتها ، وهو ينحصر في جماعة قليلة .

____________________________

(١) الدرّ المنثور للعلّامة جلال الدين السيوطي ( المتوفى عام ٩١١ هجـ ) ج ٢ ص ٢٥٨ .

١٨
 &

وأمّا مكانة السنّة فيكفي فيها قوله سبحانه : « وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ » ( النجم ـ ٣ ) وقوله سبحانه : « وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا » ( الحشر ـ ٧ ) ، وغير ذلك من الآيات التي تنصّ على لزوم اقتفاء أثر النبيّ ، وتصرّح بوجوب اتّباعه ، وعدم مخالفته ومعصيته .

وعلى ذلك تكون الشريعة الإسلاميّة شريعة كاملة الجوانب ، كاملة الجهات والأطراف ، قد بيّنت معارفها ، وأحكامها بكتاب الله العزيز وسنّة نبيّه الكريم ، فلم يبق مجال للرجوع إلى غير الوحي الإلهي وإلى غير ما صدر عن النبيّ الكريم .

وهذه الحقيقة التي تكشف عنها الآية ـ بوضوح ـ وأنّ الدين اكتمل في حياة النبيّ بفضل كتابه وسنّته ، ممّا اطبقت عليه كلمة العترة الطاهرة بلا خلاف ، ولإيقاف القارئ على ملامح كلماتهم في هذا المقام ، نأتي ببعض ما ورد عنهم في ذلك المجال :

لكلّ شيء أصل في الكتاب والسنّة :

لقد صرّح أئمّة أهل البيت والعترة الطاهرة بأنّه ما من شيءٍ في مجالي العقيدة والشريعة إلّا وله أصل في الكتاب والسنّة ، وهذا هو ما يظهر من كلماتهم ونصوصهم الوافرة .

روى مرازم ، عن الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن الكريم تبيان كلّ شيء ، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج العباد إليه إلّا بيّنه للناس حتى لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا نزل في القرآن إلّا وقد أنزل الله فيه (١) .

وروى عمرو بن قيس ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاُمّة إلى يوم القيامة ، إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ، وجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه (٢) .

وروى سليمان بن هارون قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : ما خلق الله حلالاً ولا حراماً إلّا وله حدّ كحدّ الدار ، فما كان من الطريق فهو من الطريق ، وما كان من

____________________________

(١) الكافي ج ١ ص ٤٨ .

(٢) الكافي ج ١ ص ٤٨ من كتاب فضل العلم .

١٩
 &

الدار فهو من الدار ، حتى أرش الخدش فما سواه ، والجلدة ونصف الجلدة (١) .

وروى حماد ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : ما من شيءٍ إلّا وفيه كتاب أو سنّة (٢) .

وعن المعلّى بن خنيس قال ، قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما من أمرٍ يختلف فيه اثنان ، إلّا وله أصل في كتاب الله عزّ وجلّ ، ولكن لا تبلغه عقول الرجال ، (٣)

وعن سماعة ، عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) قال ، قلت له : أكلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه ( صلّى الله عليه وآله ) أو تقولون فيه ؟ قال : بل كلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه ( صلّى الله عليه وآله ) (٤) .

هذا هو حال الكتاب والسنّة عند أئمّة العترة الطاهرة ، فلو لم نجد حكم كثير من الموضوعات والحوادث ، في الكتاب والسنّة ولا وقفنا على جملة من المعارف والعقائد فيهما ، فما ذلك إلّا لأجل قصور فهمنا وقلّة بضاعتنا ، لأنّ في الكتاب رموزاً وإشارات ، وتنبيهات و تلويحات منها تستنبط أحكام الحوادث والموضوعات ، ويهتدي بها الإنسان إلى المعارف والعقائد ، وقد اختصّ علمها بهم دون غيرهم .

كما أنّ عندهم سنّة النبيّ التي لم تصل إلى كثير منها أيدي الناس ، هذه هي حقيقة الحال عن أئمّة العترة الطاهرة ، وعلى ذلك اقتفت شيعتهم أثرهم في تشييد صرح المعارف والعقائد ، وإرساء فقههم ، وفروعهم واُصولهم .

إنّ القاریء الكريم لو راجع الجوامع الحديثيّة والتفسيريّة ، ووقف على كيفيّة استدلال الأئمّة الطاهرين ، بالآيات والسنّة النبويّة على كثير من المعارف والأحكام ، يقف على صحّة ما قلناه ، وهو أنّ عندهم علم الكتاب بالمعنى الجامع الوسيع ، كما أنّ عندهم السنّة النبويّة بعامّتها .

وهذا لا ينافي أن يكون الكتاب هادياً للاُمّة جمعاء ، ويكون طائفة من السنّة في أيدي الناس ، غير أنّ الإكتناه برموز الكتاب وإشاراته ، والإحاطة بعامّة سننه ، من خصائص العترة الطاهرة .

وقد قام بعض الأفاضل من طلّاب مدرستنا بجمع الأحاديث ، التي استدلّ فيها الأئمّة الطاهرون بالكتاب والسنّة على اُمورٍ وأحكام ، ممّا لم تصل إليه أفهام الناس ، وإنّما خصّ علم ذلك بهم .

____________________________

(١و ٢ و ٣ و ٤) الكافي ج ١ ص ٤٨ ـ ٥٠ ـ من كتاب فضل العلم .

٢٠