قاعدعند رأسه يقبل بين عينيه ، فانبهت صاحبي رويدا فقلت : انظر إلى العجب العجيب ، قال : اسكتي واكتمي شأنك ، فمنذ ولد هذا الغلام قد أصحبت أحبار الديا على أقدامها قياما ، لا يهنؤها عيش النهار ، ولا نوم الليل ، وما رجع أحد من البلاد أغنى منا ، فلما أصبحنا من الغد وعزمنا على الخروج ركبت أتاني وحملت بين يدي محمدا صلىاللهعليهوآله ، وخرجت معي آمنة تشيعني ، فجعلت الاتان تضرب بيدها ورجلها الارض وترفع رأسها إلى السمآء فرحة مستبشرة ، ثم تحولت بي نحو الكعبة ، فسجدت ثلاث سجدات ، حتى استوينا مع الركب سبقت الاتان كل دوابهم ، فقالت نساء بني سعد : يا بنت أبي ذؤيب أليس هذا أتانك التي كانت تخفضك طورا وترفعك آخر؟ فقلت : نعم ، فقلن : بالله إن لها لشأنا عظيما ، فكنت أسمع الاتان تقول : إي والله وإن لي لشأنا ، ثم شأنا ، أحياني الله عزوجل بعد موتي ، ورد علي سمني بعد هزالي ، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة ، أتدرين من حملت؟ حملت سيد العرب محمدا رسول الله رب العالمين (١) ، هذا ربيع الدنيا وزهرة الآخرة ، وأنا أنادي من كل جانب : استغنيت يا حليمة آخر دهرك ، فأنت سيدة نساء بني سعد ، قالت : فمررت براع يرعى غنما له ، فلما نظرت الغنم إلي جعلن يستقبلن وتعدو إلي كما تعدو سخالها (٢) ، فسمعت من بينها قائلا يقول : أقر الله عينك يا حليمة ، أتدرين ما حملت؟ هذا محمد رسول رب العالمين ، إلى كل ولد آدم من الاولين والآخرين ، قالت : فشيعتني امه ساعة وأوصتني فيه بوصايا ، ورجعت كالباكية ، قالت : وليس كل الذي رأيت في طريقي احسن وصفه ، إلا أني لم أنزل منزلا إلا أنبت الله عزوجل فيه عشبا ، وخيرا كثيرا ، وأجشارا قد حملت من أنواع الثمر ، حتى أتيت به منزل بني سعد ، وما نعلم والله أن أرضا كانت أجدب منها ، ولا أقل خيرا ، وكانت لنا غنيمات دبرات (٣) مهزولات ، فلما صار رسول الله صلىاللهعليهوآله في منزلي صارت غنمي تروح شباعا حافلة ، تحمل وتضع وتدر وتحلب ، ولا تدر في بني سعد لاحد من الناس غيري ، فجمعت بنو سعد رعاتها
_________________
(١) في المصدر زيادة بعد ذلك هى : صنوان وغير صنوان.
(٢) في المصدر : إلى سخولها. قلت : السخال : ولد الشاة.
(٣) الدبر : المصاب بالدبرة : قرحة الدابة تحدث من الرجال ونحوه.
![بحار الأنوار [ ج ١٥ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F855_behar-alanwar-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

