حرم على نساء العام أن يلدن البنات من أجل مولد في قريش ، وشمس النهار ، وقمر الليل ، فطوبى لثدي أرضعته ، ألا فبادرون إليه يا نساء بني سعد ، قالت : فنزلنا في جبل و عزمنا على الخروج إلى مكة ، فخرج نساء بني سعد على جهد منهن ومخمصة (١) ، وخرجت أنا مع بني لي على أتان لي معناق (٢) تسمع لها في جوفها خضخضة (٣) ، قدبدأ عظامها من سوء حالها ، وكانت تخفضني طورا ، وترفعني آخر ، ومعي زوجي ، فكنت في طريقي أسمع العجائب من كل ناحية ، لا أمر بشئ إلا استطال إلي فرحا ، وقال لي : طوبى لثديك يا حليمة ، انطلقي فإنك ستأتين بالنور الساطع ، والهلال البدري ، فاكتمي شأنك وكوني من ورآء القوم ، فقد نزلت بشاراتك ، قالت : فكنت أقول لصاحبي : تسمع ما أسمع؟ فيقول : لا ، مالي أراك كالخائفة الوجلة تلتفتين يمنة ويسرة ، مري أمامك ، فقد تقدم نساء بني سعد ، وإني أخاف أن يسبقني إلى كل مولود بمكة ، قالت : فجعلنا نجد في المسير والاتان كأنها تنزع حوافرها من الظهر نزعا ، فينا أنا في مسيري إذا أنا برجل في بياض الثلج ، وطول النخلة الباسقة ، ينادي من الجبل : يا حليمة مري أمامك ، فقد أمرني الله عزوجل أن أدفععنك كل شيطان رجيم ، قالت : حتى إذا صرنا على فرسخين من مكة بتنا ليلتنا تلك ، فرأيت في منامي كان على رأسي شجرة خضرآء ، قد ألقت بأغصانها حولي ، ورأيت في فروعها شجرة كالنخلة ، قد حملت من أنواع الرطب ، و كان جميع من خرج معي من نساء بني سعد حولي ، فقلن : يا حليمة أنت الملكة علينا ، فبينا أنا كذلك إذ سقطت من تلك الجشرة في حجري تمرة فتناولتها ووضعتها في فمي ، فوجدت لها حلاوة كحلاوة العسل ، فلم أزل أجد طعم ذلك (٤) في فمي حتي فارقني رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فلما أصبحت كتمت شأني ، قلت : إن قضى الله لي أمرا فسوف يكون ، ثم ارتحلنا حتى نزلنا مكة يوم الاثنين وقد سبقني نساء بني سعد ، وكان الصبي الذي معي قد ولدته لا يبكي ولا يتحرك ولا يطلب لبنا ، فكنت أقول لصاحبي : هذا الصبي ميت
_________________
(١) المخمصة : خلاء البطن من الطعام. مجاعة تورث خمص البطن وضموره.
(٢) هكذا في الاصل والمصدر ، والمعناق : الدابة السريع السير. طويل العنق.
(٣) الخضخضة : الحكرة.
(٤) أى في يقظتى بعد.
![بحار الأنوار [ ج ١٥ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F855_behar-alanwar-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

