أجل. كل ما يزخر به هذا الملكوت العظيم فهو في قبضته ، وفناؤه وبقاؤه بمشيئته ، فهل هذا هو معنى غناه الذاتي ؟
قد يكون هذا مظهراً من مظاهر الغنى الإلهي ، ولكنه لا يصلح أن يكون تفسيراً له.
وباريء الكون يمنح الوجود والحياة ، والقوة والسعة ، والكمال والدعة ، والرفعة والسيادة ، والهناء والغبطة ، وما يصبو اليه الانسان في وجوده وما يتطلبه لبقائه وما يكدح للسيطرة عليه لسعادته ، وما يفتقر اليه غير الانسان من الاحياء والأشياء ، لا لنفع يرتجعه من هذه المنح ، ولا لجزاء يأمله كفاء هذه الهبات ، وانما هو محض الاحسان وسجية التفضل ، وهو يفرض على الخلق أن يؤمنوا به ويكلفهم بأن يطيعوه ويلزمهم بأن يتبعوا دينه ويستمسكوا بشريعته لا لمنزلة يرجوها من إيمانهم ، ولا لرغبة يبلغها في عبادتهم ، وإنما هي دلالة لهم على وظيفة العبودية وأخذ بأيديهم الى منهج السعادة ، ثم لو كفر هؤلاء العبيد كلهم بنعمته وجحدوا بربوبيته لم تتضع بذلك له منزلة ولم يتخلخل له سلطان ( إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) (١).
فهل هذا هو معنى غناه الذاتي ؟
قد يكون هذا مظهراً من مظاهر الغني الالهي ، ولكنه لا يصلح أن يكون تفسيراً له.
باريء الكون غني في وجوده وفي كل نعت من نعوت كماله عن العلة ،
__________________
١ ـ الزمر ، الآية ٧.
