الرابع : أنّ الإتيان بالواجب النفسي لمّا صار قيدا ومقدّمة للإتيان بالمقيّد أو التقيّد ، والمفروض أنّ المقيّد أي ( المقدّمة الموصلة ) مقدّمة له فيلزم من ذلك توقّف الواجب النفسي على حصول المقدّمة الموصلة ، وتوقّف حصول المقدّمة الموصلة على الواجب النفسي وهذا دور ؛ لتوقّف كلّ منهما على الآخر في الوجود (١).
وبذلك يظهر أنّ الوجوب الغيري لا يمكن أن يتعلّق بالحصّة الموصلة ، بل هو متعلّق بمطلق المقدّمة. وعليه يتعيّن أن يكون الملاك من الوجوب الغيري هو التمكّن من الإتيان بالواجب لا الوصول إليه وحصوله.
ويمكن أن يبرهن على الثاني بأنّ غرض الوجوب الغيري ليس هو التمكّن ، بل نفس حصول الواجب النفسي ؛ لأنّ دعوى أنّ الغرض هو التمكّن إن أريد بها أنّ التمكّن غرض نفسي فهو باطل بداهة وخلف أيضا ؛ لأنّه يجعل المقدّمة موصلة دائما لعدم انفكاكها عن التمكّن الذي هو غرض نفسي ، مع أنّنا نتكلّم عن المقدّمة التي تنفكّ خارجا عن الغرض النفسي.
وإن أريد بها أنّ التمكّن غرض غيري فهو بدوره طريق إلى غرض نفسي لا محالة ، إذ وراء كلّ غرض غيري غرض نفسي ، فإن كان الغرض النفسي منه حصول الواجب النفسي ثبت أنّ هذا هو الغرض الأساسي من الواجبات الغيريّة ، وإلا تسلسل الكلام حتّى يعود إليه لا محالة.
الدليل على وجوب المقدّمة الموصلة : أنّ الغرض والملاك من الوجوب الغيري هو
__________________
(١) ونضيف إلى ذلك بعض المحاذير التي ذكرها صاحب ( الكفاية ) :
أوّلا : أنّ الإتيان بالمقدّمة مع عدم قصد التوصّل بها إلى الواجب النفسي ، معناه أنّ ما أتى به ليس هو متعلّق الوجوب الغيري ؛ لأنّه مختصّ بالمقدّمة الموصلة فيلزم منه الإعادة مجدّدا.
وثانيا : لو كانت المقدّمة خصوص الموصلة إلى الواجب النفسي ، فحيث إنّ فعل الواجب اختياري للمكلّف إن شاء فعله وإن شاء خالفه فيلزم تعليق المقدّمة الموصلة على اختيار المكلّف ، فيكون اختياره دخيلا في الملاك والغرض ، وهذا لا يمكن لأحد أن يلتزم به.
وثالثا : أنّ المكلّف إذا أتى بالمقدّمة ولم يشرع بالواجب بعد ، فهل يسقط الوجوب الغيري المتعلّق بها أو لا؟
فإن قيل بعدم سقوطه لزم الإعادة والتكرار ، وإن قيل بسقوطه فهذا لازمه أنّه لم يتعلّق بالحصّة الموصلة.
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ٣ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F812_sharh-alhalqatelsalesa-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
