المقدّمة الثانية : أنّه كلّما كان الكلام وافيا بحيثيّة مشتركة ويتردّد أمرها بين حقيقتين : المميّز لإحداهما أمر عدمي والمميّز للأخرى أمر وجودي ، تعيّن بالإطلاق الحمل على الأوّل ؛ لأنّ الأمر العدمي أسهل مئونة من الأمر الوجودي.
المقدّمة الثانية وهي إثبات كبرى كلّيّة مفادها : أنّه إذا كان هناك أمران مشتركان في حيثيّة واحدة تكون جامعا بينهما ، وكان أحدهما يتميّز عن الآخر بحيثيّة وخصوصيّة عدميّة بينما الآخر يتميّز عن الأوّل بحيثيّة وخصوصيّة وجوديّة ، كان مقتضى الإطلاق وقرينة الحكمة هو حمل ما يدلّ على الحيثيّة المشتركة من دون ذكر قيد وخصوصيّة زائدة عليها أن تحمل هذه الحيثيّة على ذاك الأمر الذي يتميّز بالحيثيّة والخصوصيّة العدميّة ، لا على الأمر الذي تميّز بالخصوصيّة والحيثيّة الوجوديّة ؛ وذلك لأنّ الأمر العدمي أسهل مئونة من الأمر الوجودي.
فإنّهما وإن كانا ذات مئونة زائدة عن تلك الحيثيّة المشتركة بينهما إلا أنّ الحيثيّة الدالّة على الأمر العدمي يكفي في الدلالة عليها السكوت وعدم الإتيان بما يدلّ على الخصوصيّة العدميّة ، بينما الحيثيّة الدالّة على الأمر الوجودي لا يكفي فيها السكوت ، بل لا بدّ من التصريح بهذه الخصوصيّة الوجوديّة ، ولذلك كان الأمر العدمي أسهل مئونة من الأمر الوجودي.
فإذا كان المقصود ما يتميّز بالأمر الوجودي مع أنّه لم يذكر الأمر الوجودي ، فهذا خرق عرفي واضح ؛ لظهور حال المتكلّم في بيان تمام المراد بالكلام.
وبتعبير آخر : إنّ الأمر الوجودي الذي يتميّز عن الأمر العدمي بخصوصيّة وحيثيّة وجوديّة إذا كان مقصودا من الكلام ولم يذكر المتكلّم هذه الخصوصيّة الوجوديّة الدالّة عليه فيكون بذلك خارقا لما هو المتعارف في مقام التخاطب والمحاورات ؛ لأنّ العرف يرى أنّ المتكلّم إذا كان في مقام المحاورة والتخاطب أو التشريع فهو يبيّن كلّ ما يكون له مدخليّة في مراده الجدّي بهذا الكلام ، فإن كان يريد المقيّد لزم ذكر ما يدلّ على القيد وإن كان يريد أمرا وجوديّا ، فلا بدّ أن يذكر هذه الخصوصيّة الوجوديّة التي يتميّز بها ، وإلا لكان بذلك خارجا عن أساليب المحاورات والخطابات العرفيّة.
وخرقه هذا يكون بمثابة من الوضوح بحيث لا يمكن للعرف أن يغضّ النظر عن هذه المخالفة ؛ لأنّه أراد المقيّد بالأمر الوجودي ، ومع ذلك لم يذكر هذا الأمر
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
