الادوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متباينة في بلدان متفرقة ، فمنها عروق ومنها لحاء ومنها ورق ومنها ثمر ومنها عصير ومنها مايع ومنها صمغ ومنها دهن ومنها ما يعصر ويطبخ ومنها ما يعصر ولا يطبخ مما سمى بلغات شتى لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا يصير دواء إلا باجتماعها ومنها مرائر السباع والدواب البرية والبحرية ، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات متغالبون بالمناصبة ومتحاربون بالقتل والسبي أفترى من ذلك الحكيم نتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة وطاف كل وجه وتتبع هذه العقاقير مشرقاً ومغرباً آمناً صحيحاً لا يخاف ولا يمرض سليماً لا يعطب حياً لا يموت هادياً لا يضل قاصداً لا يجور حافظا لا ينسى نشيطا لا يمل حتى عرف وقت أزمنتها ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرق أسمائها ثم وضع مثالها على شبهها وصفتها ، ثم وصف كل شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها أم هل كان لهذا الحكيم بد من أن يتتبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة وورقة ورقة شيئاً فشيئا ؟ وهبه وقع على الشجرة التي أراد ، فكيف دلته حواسه على أنها تصلح للدواء والشجر مختلف فمنه الحلو والحامض والمر والمالح فان قلت يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال ، وأنى له أن يسأل عما لم يعاين ولم يدركه بحواسه أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلمه بغير لسانه وبغير لغته والأشياء كثيرة.
وهبه فعل ، فكيف عرف منافعها ومضارها وتسكينها وتهييجها وباردها وحارها ومرارتها وحراقتها ولينها وشديدها. فلئن قلت بالظن فان ذلك لا يدرك ولا يعرف بالطبايع والحواس ، وإن قلت بالتجربة والشرب فلقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب وجرب تلك الأدوية بجهالته بها وقلة معرفته بمنافعها ومضارها وأكثرها السم القاتل. وان قلت بل طاف في كل بلد وأقام في كل أمة يتعلم لغاتهم ويجرب أدويتهم بقتل الأول فالاول منهم ما كان ليبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير ، فما كان أهل تلك البلدان الذين قتل منهم
