ثم يقول (ع) : وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حيث يقول : « رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ » والله ما سأله إلا خبزاً يأكله ، لأنه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه .
إن شئت ثلثت بداوود ـ صلىاللهعليهوسلم ـ صاحب المزامير ، وقارىء أهل الجنة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيكم يكفيني بيعها ، ويأكل قرص الشعير من ثمنها .
ثم يستطرد واصفاً زهد عيسى عليه السلام قائلاً : وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام فلقد كان يتوسد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب ، وكان أدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وضلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله ، دابته رجلاه ، وخادمه يداه .
ثم يعود عليه السلام ، فيصف زهد النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقول :
ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ، ويردف خلفه ، ويكون الستر على باب بيته ، فتكون في التصاوير ، فيقول : يا فلانة ـ لإحدى زوجاته ـ غيبيه عني فاني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها . . الخطبة (١) .
وأمير المؤمنين علي عليه السلام كان قمةً في الزهد والتعبد ، ويكفي في ذلك ، ما ورد عن ضرار بن حمزة الضبائي حين دخل على معاوية ، فسأله معاوية عنه ، فقال :
__________________
(١) : تصنيف نهج البلاغة / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ رقم الخطبة ١٥٨ .
