فكتب إليه عمر : أن إبعث سلمانَ وحذيفةَ رائدين ، فليرتادا منزلاً برياً بحرياً ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر .
فأرسلهما سعد ، فخرج سلمان حتى يأتي الأنبار ، فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة ، وسار حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة ، فأعجبتهما البقعة ، فنزلا فصليا ودعوا الله تعالى أن يجعلها منزل الثبات .
ثم رجعا إلى سعد فأخبراه ، فارتحل سعد من المدائن حتى نزل الكوفة في المحرم سنة سبع عشرة ، وكتب إلى عمر : اني قد نزلت بالكوفة منزلاً فيما بين الحيرة والفرات برياً وبحرياً * (١) ينبت الحلفاء والنصيّ * (٢) ، وخيرت المسلمين بينها وبين المدائن ، فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها كالمسلحة .
ولما استقروا بها ، عرفوا أنفسهم ورجع إليهم ما كانوا فقدوا من قوتهم وأول شيء خط فيها وبني ، مسجدها ، قام في وسطه رجل شديد النزع فرمى من كل جهة بسهم ، وأُمر أن يبنى ما وراء ذلك ، وبني ظلّة في مقدمة المسجد على أساطين رخام من بناء الأكاسرة في الحيرة . (٣)
وهكذا رأينا سلمان يختار هذه البقعة وكأن يد الغيب دلته عليها ، فهي اليوم مزار ملايين المسلمين ، أحياءً وأمواتاً وفي ظهرها ثاني أكبر مقبرة في العالم حيث مدفن أمير المؤمنين علي عليه السلام والبررة الصالحين من مواليه .
ولم يفتر سلمان عن ذكرها ، والتنويه بفضلها ، فكان يقول :
الكوفة قبة الإسلام ، يأتي على الناس زمان لا يبقى مؤمن إلا وهو بها أو يهوي قلبه إليها .
ويقول : أهل الكوفة أهلُ الله ، وهي قبة الإسلام يحن إليها كلُّ مؤمن . (٤)
__________________
|
*١) : كانوا يسمون النهر الكبير بحرا . |
(٣) : مقتضبة من الكامل ٢ / ٥٢٧ ـ ٥٢٨ . |
|
*٢) : الحلفاء نبت ينبت في الماء وكذلك النصي . |
(٤) : معجم البلدان ٤ / ٤٩٢ . |
