وهل هم إلا من الدهماء وأخلاط الناس وفدوا من فارس والروم والحبشة طلباً للعيش ، واليوم أصبحوا يزاحمون سادات قريش في ديارهم ، لقد عظم عليهم أن يروا أنفسهم في هذا الموقع ، فهم يتعاملون مع الحياة والناس من زاوية محيطهم الضيق . ولم يكونوا ـ في يوم من الأيام ـ ليفكروا في حدوث مثل هذا في حياتهم ، ولكنه الواقع الذي لا مفر منه ، فها هم الدهماء ـ بنظرهم ـ يحتلون الصدارة في مجلس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحمد من ؟ لو لم يكن نبياً لكان سيد العرب بلا منازع ، فكيف وهو اليوم النبي المرسل الذي يمني أصحابه ببسط نفوذ الإسلام على ما وراء الجزيرة وكسر شوكة الأباطرة والأكاسرة والمتجبرين ، وقد رأوا انتصارته الكاسحة رأي العين ولمسوها بأنفسهم .
أجل ، عظم في نفس عيينة أن يرى نفسه مضطراً للجلوس إلى جانب سلمان ولم يكن يخطر على بال هذا المغرور المائل بعطفه أن سلمان سيصبح يوماً ما أميراً على البلد التي كانت مقراً لأكاسرة الفرس ، وأنه سيحتل مكان سابور ذي الأكتاف ، وابرويز ، ويزدجرد هؤلاء الذين دوخوا العالم بانتصارتهم ، وأذاقوا الناس أنواع ظلمهم ، سيحتل مكانهم ليحكم بين الناس بالعدل والحق وبما أنزل الله .
لو فكر عيينة بمثل هذا لجن أو صعق ،
ومرت السنين تتلوها سنين والمسلمون يسجلون أعلى الإنتصارات وأعظمها في ميادين الفتح ووعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بفتح مدائن كسرى وظهورهم على القصور الحمر في الروم وقصور الحيرة في صنعاء ، هذا الوعد ظل حلماً في نفوس المؤمنين ينتظرون تحقيقه ، وخيالاً في نفوس المنافقين ، حتى حان الموعد ، وتحقق الوعد الحق .
ففي سنة أربعة عشر للهجرة تجهز المسلمون لغزو القادسية ، وكان في نية عمر ـ ثاني الخلفاء ـ الشخوص إليها بنفسه ، فاستشار علياً عليه السلام في ذلك فنهاه ، وقال له في كلام طويل :
