التوحيد ، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار ، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون ، وتعدّ النصارى مثلنا ، واللّه في القلوب شكوك ، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد ، يا خيبة من اتّبعك فإنّه معرض للزندقة والانحلال ، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً ، لكنّه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه ، وفي الباطن عدوّ لك بحاله وقلبه.
فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن ، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل ، يا مسلم اقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ واللّه ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك.
بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار ، أو بالتأويل والإنكار ، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ واللّه ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت ، بل تزدري بمن يذكر الموت. فما أظنك تقبل علي قولي ولا تصغي إلى وعظي ، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات ، وتقطع لي أذناب الكلام ، ولا تزال تنتصر حتّى أقول البتة سكت ، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد ، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك ـ واللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء ، عما أنّ أولياءك فيهم فجزة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر ، قد رضيت منك بأن تسبني علانية ، وتنتفع بمقالتي سراً ، فرحم اللّه امرأً أهدى إلىّ عيوبي ، فإنّي كثير العيوب ، غزير الذنوب ، الويل لي إن أنا لا أتوب ، وافضيحتي من علاّم الغيوب! ودوائي عفو اللّه ومسامحته وتوفيقه وهدايته ، والحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين » (١).
__________________
١ ـ تكملة السيف الصقيل ، للمحقّق المعاصر الكوثري ، ص ١٩٠ ـ ١٩٢ كتبه من خط ابن قاضي :
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

