وقد توإلى الخلاف والشقّاق ، ودارت الدوائر على المسلمين بعد مقتل عثمان وانتخاب علي عليهالسلام للزعامة باتفاق المهاجرين والأنصار ، إلاّ من شذّ ولا يتجاوز عددهم خمسة ، وعند ذلك ثقل على الأُمّة عدل علىّ وسيرته ، فثارت الضغائن البدرية ضدّه فوقع ما وقع ، وتوالت الوقائع والأحداث ، فجاءت وقعة الجمل الّتي أُريقت فيها دماء المسلمين ، لأجل إزالة الإمام وتنحيته عن حقّه ومقامه. وبعد ما انتصر الإمام على الناكثين وعاد الحق إلى مقره ، نجم قرن آخر تمثل في وقعة صفين الّتي ذهبت ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين ، إلى أن انتهى الأمر إلى وقعة النهروان الّتي شغلت بال الإمام واستنفدت طاقات المسلمين ، واستشهد الإمام ، والمسلمون بعد لم يندمل جرحهم ، وبويع ولده الإمام الحسن السبط للخلافة ، وأخذ بزمام الأمر أشهراً قلائل ، غير أنّ ابن ابي سفيان شنّ الغارة على العراق وشيعة الحسن عليهالسلام ومبايعيه ، فانجرّ الأمر إلى التصالح ، وأُنيخ جمل الخلافة على باب بني أُميّة يتداول كرتها واحد بعد واحد ، حتّى انتكث عليهم فتلهم وأجهز عليهم عملهم بانتفاضة الأُمة ضدّهم ، إلى أن استولى العباسيون فصاروا خلفاء الأُمة وقادتها ، ولم يكونوا بأحسن من الأمويين.
|
يا ليت جور بني مروان دام لنا |
|
وليت عدل بني العباس في النار |
كان العباسيون يتوارثون الخلافة من الآباء إلى الأولاد ، وكان للإسلام صولة وللمسلمين هيبة ، ولم تكن تجترىء القوى الكافرة في العالم عبر قرون على غزو المسلمين ، وإن كانت الفتن والحروب الداخلية دائرة بينهم. غير أنّ تلك الحروب وضعف القيادة الإسلامية أتاحت فرصة صالحة للقوى الكافر ة المتربّصة بالمسلمين لشنّ الغارة على الوطن الإسلامي وضرب الإسلام والمسلمين ضربة قاضية في أوائل القرن السادس ، حيث أنشبت مخالبها في جسد الإسلام والمسلمين ، وانقضّت عليهما بالحملات الصليبية في أوائل ذلك القرن ، وكان منطلق شنّ تلك الحملات والغارات من جانب الغرب ، عن طريق البحر تارة على سواحل الشامات ، وأُخرى عن طريق البر عبر القسطنطنية.
كانت تلك الحروب لا تزال طاحنة ومشتعلة ينتصر فيها المسلمون على
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

