كان مالاً من أموال المسلمين ، يحمل به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ؛ فلقائل أن يقول له : أيجوز للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعةً مخصوصة ، أو عقاراً مخصوصاً من مال المسلمين ، لِوَحْي أوْحَى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن يحكم بالاجتهاد ، أو لا يجوز للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك ؟
فإن قال : لا يجوز ، قال ما لا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه ، وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى ، بل قالت : أمّ أيمن تشهد لي ، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة ؛ ولم يتضمّن هذا الخبر ذلك ، بل قال لها لمّا ادعت وذكرت من يشهد لها : هذا مالٌ من مال الله لم يكن لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ؛ وهذا ليس بجواب صحيح.
وأمّا الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة ، ففيه من الإشكال مثل ما في هذا الخبر ، لأنّه إذا شهد لها علي عليهالسلام وأمّ أيمن أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهب لها فَدَك ، لم يصح اجتماع صدقها وصدق عبد الرحمن وعمر ، ولا ما تكلّفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم ، لأنّ كونها هبة من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لها يمنع من قوله : « كان يأخذ منها قوتكم ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله » لأنّ هذا ينافي كونها هبة لها ، لأنّ معنى كونها لها انتقالها إلى ملكيتها ، وأن تتصرّف فيها خاصّة دون كل أحد من الناس ، وما هذه صفته كيف يقسم ويحمل منه في سبيل الله !
فإن قال قائل : هو صلىاللهعليهوآلهوسلم أبوها ، وحكمه في مالها كحكمه في ماله وفي بيت مال المسلمين ، فلعلّه كان بحكم الأبوّة يفعل ذلك !
قيل : فإذاً كان يتصرّف فيها تصرّف الأب في مال ولده ، ولا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده ، فإذا مات الأب لم يجز لأحد أن يتصرّف في مال ذلك الولد ، لأنّه ليس بأب له فيتصرّف في ماله تصرّف الآباء في أموال أولادهم ، على أنّ الفقهاء أو مُعظمهم لا يجيزون للأب أن يتصرف في مال الابن.
