ثمّ ان الفتك الذي هو قيد الايمان كما في نص الحديث شامل باطلاقه لكل من أراد الوقعية بالمؤمن سواء من ناحية الإجهاز عليه ، أو من جهة اغتيابه وإظهار عيوبه للناس ، أو من جهة النميمة المثيرة للاحن والبغضاء الموجبة لملاشاة الأخوة بين المؤمنين ، أو من جهة اشاعة الفاحشة التي يقول فيها سبحانه وتعالى : « الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدّنيا والآخرة »
فان في كل ذلك وردت الشريعة المحذّرة عنه ، الحاكمة على مرتكب هذه الجهات بالخروج عن ربقة الإيمان.
حفظ الجوار :
حماية الجار من عادات العرب الفاضلة ولهم في ذلك أيام بيض وصحائف ناصعة وإن تطرّق فيها بعضهم فخرج إلى الرعونة (٣٨) لكنها في الجملة مما يمدحون بها ، ولم يبرحوا متهالكين عليها ، فكانت تراق على ذلك الدماء ، وتقوم الحرب العوان على أشدها لأنها من ولائد الحفاظ والشهامة والغيرة على الأحساب وفيها الابقاء على المستجيرين من عادية المرجفين وجلب ودّهم وودّ ذويهم وقبائلهم ، وسيادة الإلفة وتوارث المحبة ، وظهور الأبهة وبروز المنعة ، واخماد الفتن ودحض الفوضى ، ولعل العداء يعود حنانا بارجاء الفتك لأجل الإستجارة الى التفاهم ، أو تبيين أغراض النمامين المثيرين للعداء أو بالمعاذير المقبولة.
وقد حفظ المؤرخون من قضاياهم في هذه الخصلة التي تتفق مع العقل نأتي على بعضها :
منها قصة « أوفى بن مطر المازني » مع رجل جاوره وعنده امرأة أعجبت أخاه قيسا فلم يصل اليها مع زوجها فقتله غيلة وبلغ ذلك « أوفى » فقتل أخاه قيسا بجاره وقال :
|
إني ابنة العمريّ لا ثوب فاجـر |
|
لبست ولا من غدرة أتقنّـع |
|
سعيت على قيس بذمة جاره |
|
لأمنع عرضي إن عرضي ممنّعُ |
__________________
٣٨) في غرر الخصائص للوطواط ص١٦ ، كان حارثة بن مر يسمى مجير الجراد لأنه حمى جرادا لأنه حمى جرادا حط يفنائه ، وكان ثور بن شحمة الضبيّ يسمى مجير الطير فلا تصاد بأرضه ، وحمى زياد الأعجم حمامة تصوت على شجرة فقتلها حبيب وشكاه زياد الى الملهب فالزم حبيبا دية الحر وأعطى زيادا الف دينار.
