اذا كان صادرا عن الشعور بعظمة المعبود ، وسلطانه الأعلى غير المحدود ، ومن أوتي هذا الشعور خشع قلبه ، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه ، فلا يكون مختالا ، ان المختال لا يقوم بحقوق الوالدين ولا حقوق ذوي القربى لانه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره ، واذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين وفضلهما عليه ليس فوقه الا فضل الله تعالى ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته ، فهل يرى نفسه مطالبا بحق ما لليتيم الضعيف ، أو للمسكين الاسيف ، أو للجار القريب او البعيد ، أو للصاحب النبيه أو المغمول (١) ، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول ،؟ كلا ان هذا رجل مفتون بنفسه ، مسحور في عقله وحسه ، فلا يرجى منه البر والاحسان ، وانما يتوقع منه الاساءة والكفران ، اه بتصرف وزيادة.
وأقول ليس من الكبر والخيلاء ان يكون المرء وقورا في غير غلظة ، عزيز النفس مع الادب والرقة ، حسن الثياب بلا تطرس (٢) ولا ابتغاء شهرة ، روى مسلم وابو داود والترمذي من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله (ص) «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل ان الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال (ص) «ان الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمص الناس» وبطر الحق رده استخفافا به وترفعا او عنادا ، وغمص الناس وغمطهم احتقارهم والازدراء بهم. وروى الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال كنت عند رسول الله (ص) فقرأ هذه الآية فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول الله (ص) «ما يبكيك» فقال يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى انه ليعجبني ان يحسن شراك نعلي ، قال «فأنت من أهل الجنة انه ليس بالكبر ان تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس» وروى ابو داود من حديث ابي هريرة ان رجلا جميلا اتى النبي (ص) فقال الي أحب الجمال وقد أعطيت منه ما ترى حتى ما أحب ان يفوقني احد بشراك نعل فمن الكبر ذلك؟ قال (ص) «لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس». ومن الخيلاء
__________________
(١) المغمول هو الخامل.
(٢) تطرس الرجل لم يطعم ولم يشرب الاطيبا والمتطرس المتأنق المختار.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
