وحال البيوت التي تتكون منها الامة ، ثم انه تعالى بعد بيان تلك الاحكام الخصوصية ، أراد ان ينبهنا الى بعض الحقوق العمومية ، وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس ، فبدأ ذلك بالامر بعبادته تعالى ، وعبادته ملاك حفظ الاحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس ، والخشوع لسلطانه في السر والجهر ، فمتى كان الانسان على هذا فانه يقيم هذه الاحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله ولذلك كانت النية عندنا تجعل الاعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يمونه ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الاعمال ذات المنافع العامة فعمله بهذه النية يجعل حرثه من افضل العبادات فليست العبادة في قوله هنا (وَاعْبُدُوا اللهَ) خاصة بالتوحيد كما قال المفسر (الجلال) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الاعمال.
(وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) من الاشياء أو شيئا من الاشراك (قال) اختلف تعبيرهم والمعنى واحد ، والاشراك بالله يستلزم الايمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالاولى. أقول يعني ان الشرك هو الخضوع لسلطة غيبية وراء الاسباب والسنن المعروفة في الخلق بان يرجى صاحبها ويخشى منه ما تعجز المخلوقات عن مثله ، وهذه السلطة لا تكون لغيره تعالى فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه في أمر من الامور التي هي وراء الاسباب المقدورة للمخلوقين عادة لان هذا خاص به تعالى فمن اعتقد أن غيره يشركه فيه كان مؤمنا مشركا (١٢ : ١٠٦ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) وأما التعطيل فهو إنكار الالوهية ألبتة أي إنكار تلك السلطة الغيبية التي هي مبدأ كل قوة وتصرف وفوق كل قوة وتصرف ، فاذا نهى تعالى ان يشرك به غيره فيما استأثر به من السلطة والقدرة والتصرف ولم يجعله من الهبات التي منحها خلقه وعرفت عن سنته فيهم فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته يكون أولى.
(قال) والاشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الاصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند الله تعالى يقربون المتوسل بهم اليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم والآيات
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
