صاحب الفطرة السقيمة الا ان عاطفة هذا تكون كفطرته في سقمها ، نعم ان عطف الرجل على بنته يكون أقوى لكونها بضعة منه نمت وترعرعت بعنايته ورعايته ، وانسه بأخيه واخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما لما تقدم. وأما الفرق بين العمات والخالات ، وبين بنات الاخوة والاخوات ، فهو ان الحب لهؤلاء حب عطف وحنان ، والحب لأولئك حب تكريم واحترام ، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان ، وانما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات ، لان الإدلاء بهما من الآباء والامهات ، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الاخوة والاخوات.
هذه هي انواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون ، ويتوادون ويتعاونون ، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان ، والعطف والاحترام ، فحرم الله فيها النكاح لاجل ان تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها الى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والاجانب ، والطبقات البعيدة من سلالة الاقارب ، كأولاد الاعمام والعمات ، والاخوال والخالات ، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر ، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب ، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس ، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
ثم أقول إن هنالك حكمة جسدية حيوية عظيمة جدا وهي ان تزوج الاقارب بعضهم ببعض يكون سببا لضعف النسل فاذا تسلسلت واستمرت يتسلسل الضعف والضوى فيه الى ان ينقطع. ولذلك سببان أحدهما وهو الذي أشار اليه الفقهاء أن قوة النسل تكون على قدر قوة داعية التناسل في الزوجين وهي الشهوة وقد قالوا انها تكون ضعيفة بين الاقارب ، وجعلوا ذلك علة لكراهة تزوج بنات العم وبنات العمة الخ وسبب ذلك ان هذه الشهوة شعور في النفس يزاحمه شعور عواطف القرابة المضادّ له فاما ان يزيله واما أن يزلزله ويضعفه كما علم مما بيناه آنفا.
والسبب الثاني يعرفه الاطباء وانما يظهر للعامة بمثال تقريبي معروف عند الفلاحين وهو أن الارض التي يتكرر زرع نوع واحد من الحبوب فيها يضعف هذا الزرع فيها مرة بعد أخرى الى ان ينقطع لقلة المواد التي هي قوام غذائه وكثرة المواد الاخرى التي لا يتغذى منها ومزاحمتها لغذائه أن يخلص له ، ولو زرع ذلك الحب في
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
