وقد حذف مفعول ليبين لتتوجه العقول السليمة ، الى استخراجه من ثنايا الفطرة القويمة ، وقد اشار الاستاذ الامام الى بعض الحكم في تحريم تلك المحرمات عقب سردها ورأينا أن نؤخر ذكرها فنجعله في هذا الموضع ليكون بيانا لما وجهت اليه النفوس هنا بحذف المفعول ، وانما كتبنا عنه في مذكرتنا بيان عاطفة الاب السائقة الى تربية ولده وهي تذكر بغيرها من مراتب صلات القرابة واننا نذكر ما يتعلق بهذا المقام بالايجاز ، ومحل الاسهاب فيه كتب الاخلاق.
ان الله تعالى جعل بين الناس ضروبا من الصلة يتراحمون بها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع ، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر ، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة ، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الاولاد والوالدين من العاطفة والاريحية ، فمن اكتنه السر في عطف الاب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه الى العناية بتربيته الى أن يكون رجلا مثله ، فهو ينظر اليه كنظره الى بعض أعضائه ، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه ، ويجد في نفس الولد شعورا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته ، وقوام تأديبه وعنوان شرفه ، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه ، وبتلك الرحمة والاريحية يعطف الاب على ابنه ويساعده.
هذا ما قاله الاستاذ ولا يخفى على انسان ان عاطفة الأم الوالدية أقوى من عاطفة الاب ، ورحمتها أشد من رحمته ، وحنانها أرسخ من حنانه ، لأنها أرق قلبا وأدق شعورا ، وان الولد يتكوّن جنينا من دمها الذي هو قوام حياتها ، ثم يكون طفلا يتغذى من لبنها ، فيكون له مع كل مصة من ثديها ، عاطفة جديدة يستلها من قبلها ، والطفل لا يحب أحدا في الدنيا قبل أمه ، ثم انه يحب أباه ولكن دون حبه لأمه ، وان كان يحترمه أشد مما يحترمها ، أفليس من الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والاولاد حب استمتاع الشهوة فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة؟ بلى ، ولاجل هذا كان تحريم نكاح الامهات هو الاشد المقدم في الآية ويليه تحريم البنات ، ولو لا ما عهد في الانسان من الجناية على الفطرة والعبث بها والافساد فيها لكان لسليم الفطرة أن يتعجب من تحريم الامهات والبنات ، لأن فطرته نشعر بأن النزوع الى ذلك من قبيل المستحيلات ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
