ما يعهدون في أنفسهم من ان الذي يتعود الا لم يقل شعوره به ويصير عاديا عنده كما نرى من حال الرجل تعمل له عملية جراحية وتتكرر فانه في المرة الاولى يتألم تألما شديدا ثم لا يزال التألم يخف بالتدريج حتى نراه لا يبالي به ، وهكذا نشاهد في كثير من الآلام والامراض التي يطول أمرها.
اقول والظاهر ان نضح الجلود من العذاب ان كان حقيقة لا مجازا يكون هو اثر لفح النار بسمومها لأهل تلك الدار كما قال تعالى (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ) ومتى لفح الجلد مرارا يبطل إحساسه وينفصل عن البشرة ويتربى تحته جلد آخر كما هو مشاهد في الدنيا.
ثم تكلم الاستاذ عن استشكال بعض المتكلمين لتعذيب الجلود الجديدة مع ان العصيان لم يكن بها ولم اكتب ما قاله ولا أتذكره والمشهور في الجواب عندهم ان البدل يكون عين الاصل المبدل منه في مادته وغيره في صورته ، وهذه سفسطة ظاهرة ، وذكر الرازي بعد هذا الجواب جوابا ثانيا وهو ان المعذب هو الانسان وذلك الجلد ما كان جزءا من ماهيته بل هو كالشيء الزائد الملتصق به ، وثالثا وهو ان المراد بالجلود السرابيل قال وطعن فيه القاضي بمخالفته للظاهر ـ ورابعا وهو ان هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع قال كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهي فقد ابتدأ وكلما انتهى الى آخره فقد ابتدأ من أوله فكذلك قوله (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) يعني كلما ظنوا انهم نضجوا واحترقوا وانتهوا الى الهلاك اعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا انهم الآن حدثوا ووجدوا فيكون المقصود دوام العذاب وعدم انقطاعه اه تصويره لهذا الوجه وقد علمت انه يوافق ما اختاره الاستاذ الامام في العبارة ورأيت انه صورها بما هو اقرب من هذا التصوير الى العقل واللفظ وذكر الرازي عن السدي وجها خامسا ورده لظهور بطلانه.
وقد رد الآلوسي الاشكال من أصله قال وعندي ان هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلا عن فاضل ، وذلك لان عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لانه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الادراك والشعور وهو أشبه الاشياء بالآلة فيد قاتل النفس ظلما مثلا آلة له كالسيف الذي
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
