بعض الناس في التشريع كالعبادات والعقائد والحلال والحرام واثبات الشرك لليهود هنا وفي تلك الآية لا ينافي تسميتهم اهل الكتاب الذي يدخل فيه الايمان بالله والانبياء فانه قال في الآية السابقة (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) أي إيمانا لا يعتد به اذ لا يقي صاحبه من الشرك.
اقول قد بينا في مواضع كثيرة من التفسير حقيقة الشرك في الألوهية وهو الشعور بسلطة وتأثير وراء الاسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى وكل قول وعمل ينشأ عن ذلك الشعور ، والشرك في الربوبية وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين والحلال والحرام عن بعض البشر دون الوحي وهذا النوع من الشرك هو الذي أشار الاستاذ الامام الى تفسير النبي (ص) لآية التوبة به وهي قوله تعالى في أهل الكتاب كلهم (٩ : ٣٢ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فسر النبي (ص) اتخاذهم أربابا بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام كما ذكرنا غير مرة ، فهذا إثبات لطروء الشرك على أهل الكتاب وان لم يجعل ذلك عنوانا لهم في القرآن لانه ليس من أصل دينهم وليميزهم عن مشركي الوثنيين ، وبينا أيضا ان الشرك في الالوهية والربوبية قد سرى منذ قرون كثيرة الى بعض المسلمين حتى عرفت طوائف منهم بنبذ الاسلام ألبتة كطوائف الباطنية (راجع مباحث الشرك في ص ٥٧ و ٦٨ ـ ٧٦ و ٣٥٤ ـ ٣٦٠ من جزء التفسير الثاني وفي ص ٢٤ و ٤٥ و ٣٢٥ و ٣٤٧ من جزئه الثالث و ٨٢ من جزئه الخامس وفي غير هذه المواضع من التفسير والمنار) وباثبات الشرك لأهل الكتاب تظهر مناسبة وضع هذه الآية بين هذه الآيات في محاجتهم ودعوتهم الى الاسلام كأنه يقول لا يغرنكم انتماؤكم الى الكتب والانبياء وقد هدمتم اساس دينهم بالشرك الذي لا يغفره الله بحال من الاحوال.
اما الحكمة في عدم مغفرة الشرك فهي أن الدين انما شرع لتزكية نفوس الناس وتطهير أرواحهم وترقية عقولهم والشرك هو منتهى ما تهبط اليه عقول البشر وأفكارهم ونفوسهم ومنه تتولد جميع الرذائل والخسائس التي تفسد البشر في أفرادهم وجمعياتهم لأنه عبارة عن رفعهم لافراد منهم أو لبعض المخلوقات التي هي دونهم أو مثلهم الى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
