يقول (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) الالهي أي جنسه على ألسنة أنبيائهم أو التوراة خاصة (آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) منه من تقرير التوحيد الخالص واتقاء الشرك كله صغيره وكبيره واثبات النبوة والرسالة وما يغذي ذلك الايمان ويقويه من ترك الفواحش والمنكرات وعمل الصالحات أي مصدقا لما معكم من أصول الدين وأركانه التي هي المقصد من ارسال جميع الرسل لا يختلفون فيها وانما يختلفون في طرق حمل الناس عليها وهدايتهم بها وترقيتهم في معارجها بحسب سنة الله في ارتقاء البشر بالتدريج جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كما أن العدل هو المقصد من جميع الحكومات وانما تختلف الدول في القوانين المقررة له باختلاف أحوال الامم ، فليس من العقل ولا الصواب ان تنكر الامة تغيير حاكم جديد لبعض ما كان عليه من قبله اذا كان يوافقه في جعله مقررا للعدل مقيما لميزانه بين الناس كما كان أو اكمل ، وفي هذه الحال يسمى مصدقا لما قبله لا مكذبا ولا مخالفا ، فالقرآن قرر نبوة موسى وداود وسليمان وعيسى وصدقهم فيما جاؤا به عن الله تعالى ووبخ الاقوام المدعين لاتباعهم على إضاعتهم لبعض ما جاؤا به وتحريفهم للبعض الآخر ، وعلى عدم الاهتداء والعمل بما هو محفوظ عندهم ، حتى أن أكثرهم هدموا الاساس الاعظم للدين وهو التوحيد فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا الا ليعبدوا إلها واحدا كما سيأتي في سورة التوبة ويذكر أيضا في تفسير الآية الآتية ـ فتصديق القرآن لما معهم لا ينافي ما نعاه عليهم من الاضاعة والنسيان والتحريف والتفريط.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) أي آمنوا من قبل أن ننزل بكم هذا العقاب وهو طمس الوجوه وردها على أدبارها ، فالطمس في اللغة هو ازالة الأثر بمحوه أو خفائه كما تطمس آثار الدار واعلام الطرق بنقل حجارتها أو بالرمال تسفوها الرياح عليها ومنه «ربنا اطمس على أموالهم» أي أزلها وأهلكها والطمس على الاعين في قوله (وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ) يصدق بازالة نورها وبغؤورها ومحو حدقتها وكذلك طمس النجوم ، والوجه يطلق على وجه البدن ووجه النفس
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
