غيرهم طلبا للعيش من أى طريق ، وسواء عليهم فى تحصيله صدقوا أو كذبوا وسواء وفوا أو قصروا ، وسواء راعوا الذمة أو خانوا أو لو كانوا مع هذا كله يخدمون مقاصد لا ممهم يمهدون لها طرق الولاية والسيادة على الأقطار التى يتولون الوظائف فيها ـ كما هو حال الأجانب فى الممالك الاسلامية لا يجدون فى انفسهم حاملا على الصدق والأمانة ، ولكن يجدون منها الباعث على الغش والخيانة. ـ ومن تتبع التواريخ التى تمثل لنا احوال الامم الماضية وتحكى لنا عن سنة الله فى خليقته وتصريفه لشؤون عباده راى ان الدول فى نموها وبسطتها ما كانت مصونة إلا برجال منها يعرفون لها حقها كما تعرف لهم حقهم ؛ وما كان شىء من اعمالها بيد اجنبى عنها ؛ وان تلك الدول ما انخفض مكانها ولا سقطت فى هوة الانحطاط إلا عند دخول العنصر الأجنبى فيها وارتقاء الغرباء إلى الوظائف السامية فى اعمالها ، فان ذلك كان فى كل دولة آية الخراب والدمار ، خصوصا إذا كان بين الغرباء وبين الدولة التى يتناولون اعمالها منافسات واحقاد مزجت بها دماؤهم وعجنت بها طينتهم من أزمان طويلة.
«نعم كما يحصل الفساد فى بعض الاخلاق والسجايا الطبيعية بسبب العوارض الخارجية كذلك يحصل الضعف والفتور فى حمية ابناء الدين او الامة ويطرأ النقص على شفقتهم ومرحمتهم فينقص بذلك اهتمام العظماء منهم بمصالح الملك إذا كان ولى الأمر لا يقدر اعمالهم حق قدرها وفى هذه الحالة يقدمون منافعهم الخاصة على فرائضهم العامة فيقع الخلل فى نظام الأمة ويضرب فيها الفساد ولكن ما يكون من ضره أخف وأقرب إلى التلافى من الضرر الذى يكون سببه استلام الأجانب لهامات الأمور فى البلاد لأن صاحب اللحمة فى الأمة وان مرضت أخلاقه واعتلت صفاته إلا ان ما أودعته الفطرة وثبت فى الجبلة لا يمكن محوه بالكلية فاذا أساء فى عمله مرة أزعجه من نفسه صائح الوشيجة الدينية او الجنسية فيرجع إلى الاحسان مرة اخرى ، وان ما شد بالقلب من علائق الدين او الجنس لا يزال يجذبه آونة بعد آونة لمراعاتها والالتفات إليها ويميله إلى المتصلين معه بتلك العلائق وان بعدوا.
«لهذا يحق لنا ان نأسف غاية الاسف على امراء الشرق واخص من بينهم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
