من ذوى التدبير والحزم وأصحاب الحذق والدراية يقومون على سائر شؤون المملكة يوطئون طرق الامن ويبسطون بساط الراحة ويرفعون بناء الملك على قواعد العدل ويوقفون الرعية عند حدود الشريعة ثم يراقبون روابط المملكة مع سائر الممالك الأجنبية ليحفظوا لها المنزلة التى تليق بها بينها ، بل يحملوها على أجنحة السياسة القويمة إلى أسمى مكانة تمكن لها. ولن يكونوا أهلا للقيام على هذه الشؤون الرفيعة حتى تكون قلوبهم فائضة بمحبة البلاد طافحة بالمرحمة والشفقة على سكانها وحتى تكون الحمية ضاربة فى نفوسهم آخذة بطباعهم يجدون فى أنفسهم منبها على ما يجب عليهم وزاجرا عما لا يليق بهم وغضاضة وألما موجعا عند ما يمس مصلحة المملكة ضرر ويوجس عليها من خطر ليتيسر لهم بهذا الاحساس وتلك الصفات أن يؤدوا أعمال وظائفهم كما ينبغى ويصونوها من الخلل الذى ربما يفضى قليله إلى فساد كبير فى الملك. فهؤلاء الرجال بهذه الخلال هم المنعة الواقية والقوة الغالبة.
«يسهل على أى حاكم فى أى قبيل أن يكتب الكتائب ويجمع الجنود ويوفر العدد من كل نوع بنقد النقود وبدل النفقات ، ولكن من أين يصيب بطانه من اولئك الذين أشرنا إليهم : عقلاء رحماء أباة أصفياء تهمهم حاجات الملك كما تهمهم ضرورات حيانهم؟ لا بد أن يتبع فى هذا الأمر الخطير قانون الفطرة ويراعى ناموس الطبيعة فان متابعة هذا الناموس تحفظ الفكر من الخطأ وتكشف له خفيات الدقائق وقلما يخطىء فى رأيه أو يتأود فى عمله من أخذ به دليلا وجعل له من هديه مرشدا. وإذا نظر العاقل فى أنواع الخطأ التى وقعت فى العالم الانسانى من كلية وجزئية وطلب أسبابها لا يجد لها من علة سوى الميل عن قانون الفطرة والانحراف عن سنة الله فى خلقه.
«من أحكام هذا الناموس الثابت ان الشفقة والمرحمة والحمية والنعرة على الملك والرعية إنما تكون لمن له فى الامة أصل راسخ ووشيج يشد صلته بها. هذه فطرة فطر الله الناس عليها ، ان الملتحم مع الامة بعلاقة الجنس والمشرب يراعى نسبته إليها وتسبتها إليه ويراها لا تخرج عن سائر نسبه الخاصة به فيدافع الضيم عن الداخلين معه فى تلك النسبة دفاعه عن حوزته وحريمه «راجع رأيك فيما تشهده كثيرا حتى بين العامة عند ما يرمى أحدهم أهل البلد الآخر أو دينه بسوء على وجه عام كسورى ينتقد
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
