أحد. أحدها ، أو منها : مقام ابراهيم ، أى موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر. فأى دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت من بيوت العبادة الصحيحة المعروفة فى ذلك العهد وضع ليعبد الناس فيه ربهم ـ وابراهيم أبو الأنبياء الذين بقى فى الأرض أثرهم بجعل النبوة والملك فيهم لا يعرف لنبى قبله أثر ولا يحفظ له نسب.
وقوله (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) آية ثانية بينة لا يمترى فيها أحد ، وهى اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله ، حتى إن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم مادام فيه. مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها فى المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الاسلام.
ويرد على إقرار الاسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف ، وأجيب عنه : بأنها حلت للنبى صلىاللهعليهوسلم ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده ، كما ورد فى الحديث. وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له. وأقول : إن حرمة مكة كلها وما يتبعها من ضواحيها وحلها للنبى صلىاللهعليهوسلم ساعة من نهار أمر زائد على ما نحن فيه ، وهو أمن من دخل البيت والنبى لم يستحل البيت ساعة ولا بعض ساعة ، وإنما كان مناديه ينادى بأمره : «من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» ولما أخبر أبو سفيان النبى صلىاللهعليهوسلم بقول سعد بن عبادة حامل لواء الأنصار له فى الطريق : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة : قال صلىاللهعليهوسلم «كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة» راجع السير).
وأما فعل الحجاج أخزاه الله فقد قال الأستاذ الامام : انه كان من الشذوذ الذى لا ينافى الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه ، وتأمين من دخله ، وهذا الجواب مبنى على أن أمن من دخل البيت ليس معناه : أن البشر يعجزون عن الايقاع به عجزا طبيعيا على سبيل خرق العادة. وإنما معناه : أنه تعالى ألهمهم احترامه لاعتقادهم نسبته إليه عزوجل ، وحرم الالحاد والاعتداء فيه. ولم يكن الحجاج وجنده يعتقدون
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
