فى لذاتهم وجاههم ونشر سمعتهم وتأييد كلمتهم فيصدهم عن سبيل الله ، وإن العقول والاخلاق الحسنة التى هى أصل جميع المنافع هى مثال الحرث أى إن المال الذى ينفقونه فيما ذكر هو الذى أفسد أخلاقهم وأهلك عقولهم بما صرفها عن النظر الصحيح ولفتها عن التفكر فى عواقب الامور ، ثم أشار إلى ما قالوه فى جعل التشبيه فى المثل مركبا وهو أن حالهم فيما ينفقونه وإن كان فى الخير كحال الريح ذات الصر المهلكة للزرع. فهم لا يستفيدون من نفقتهم شيئا. ومن المفسرين من جعل هذا فيما ينفقونه فى عداوة النبى صلىاللهعليهوسلم ومقاومة دعوته سواء كان المنفقون هم اليهود أم أهل مكة. ومنهم من جعل ذلك فيما ينفق المنافقون رياء أو تقية. وقد خاب الفريقان وخسروا بنصر الله نبيه والمؤمنين وبفضيحة المنافقين فى سورة براءة. وبعض المفسرين يخص هذا الانفاق بما يفعله الكافر على سبيل البر وهو لا يفيده فى الآخرة شيئا إذ الايمان شرط لقبول الاعمال ونفعها فى تلك الدار.
أما وصف القوم الذين أهلكت الريح حرثهم بكونهم ظلموا أنفسهم فقد قال الزمخشرى فى الكشاف مبينا نكتته ما نصه «فأهلك عقوبة لهم لأن الاهلاك عن سخط أشد وأبلغ» وفى هامشه كتب باملائه فى ذلك أن النكته فى ذلك هى إفادة أن أولئك المنفقين لا يستفيدون شيئا منه لأن حرث الكافرين الظالمين هو الذى يذهب على الكلية إذ لا منفعة لهم فيه لا فى الدنيا ولا فى الآخرة فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب على الكلية لأنه وان كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى لما فيه من حصول أغراض لهم فى الآخرة والثواب بالصبر على الذهاب» ا ه.
وأقول : إن الوصف يشعر بأن الجوائح قد تنزل بأموال الناس من حرث ونسل عقوبة على ذنوب اقترفوها ولكنه ليس نصافى ذلك لما علمت من تعليل الكشاف آنفا ولا يعارض ذلك ما ثبت من الأسباب الطبيعية لها لأنه لا يستنكر على البارىء الحكيم الذى وضع سنن ارتباط الأسباب بالمسببات فى عالم الحس أن يوفق بينها وبين سننه الخفية فى إقامة ميزان القسط فى البشر لهدايتهم إلى ما به كمالهم من طريق العلوم الحسية التى يستفيدونها من النظر والتجربة ومن طريق الايمان بالغيب الذى يرشد إليه الوحى الالهى. ويسمى ما ترتب عليه حدوث الشىء سببا له وما قارن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
