أفعال عباده ، وما لا يريده لا يقع منه حتما ، وقد ثبت فى العقل والنقل أن من أفعال العباد ما هو ظلم فتعين أن تكون أفعالهم منهم لا منه ، ووجهوا الآية الثانية على إثبات هذا. وقالت الأشعرية : إن وقوع الظلم منه تعالى محال لأنه عبارة عن تصرف الانسان فى ملك غيره وليس لغير الله ملك فيكون ظالما بتصرفه فيه. ولذلك بين بعد نفى إرادة الظلم أن له ما فى السموات والأرض. فهم يقولون إنه لو عذب الأتقياء الصالحين وأثاب الفجار المفسدين لم يكن ذلك منه ظلما بل عدلا لأنه تصرف فى ملكه.
ونحن نقول أولا إن الآيتين فى واد وهذه المسائل الكلامية فى واد آخر وثانيا إن الظلم محال عليه تعالى لا لأن الظلم عبارة عن تصرف المتصرف فى ملك غيره وأن تصرفه فى ملكه لا يمكن أن يكون ظلما فان هذا غير صحيح وانما يستحيل عليه الظلم لأنه ينافى الحكمة والكمال فى النظام وفى التشريع. ومن حمل عبيده أو دوابه ما لا تطيق يقال انه قد ظلمها ، بل فالوا فيمن حفر الأرض ولم تكن موضعا للحفر انه ظلمها وسموها الأرض المظلومة وسموا التراب الذى يخرج منها المظلوم ومن نقص امرءا حقه فقد ظلمه قال تعالى (١٨ : ٢٣ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) ولعل هذا هو الأصل فى معنى الظلم. وقال الراغب «الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشى فى غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه» فالظلم الذى ينفيه تعالى عن نفسه فى الأحكام هو ما ينافى مصلحة العباد وهدايتهم لسعادة الدنيا والآخرة وفى الخلق ما ينافى النظام والاحكام.
ومن مباحث اللفظ والنظم فى الآيات أنه جعل النشر فى آية (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) الخ على غير ترتيب اللف إذ ذكر فى اللف الابيضاض قبل الاسوداد وذكر فى النشر حكم من اسودت وجوههم قبل حكم من ابيضت وجوههم. وليس اللف والنشر الذى يسمونه المرتب أبلغ مما يسمونه المشوش وانما يختلف ذلك باختلاف الكلام فلا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح. وقد قيل ان نكتة الترجيح هنا جعل مطلع الكلام ومقطعه فى بيان حال المؤمنين وجزائهم فوافق ذلك استحسان البلغاء جعلهما مما يسر ويشرح الصدر ، وقيل ان نكتة ذلك بيان ان المقصود من الخلق الرحمة دون العذاب ولذلك بدأ بذكر أهل الرحمة وختم بذكر جزائهم وادمج ذكر الآخرين فى الأثناء. والقول الأول ترجيح بحسب اللفظ والثانى ترجيح
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
