بوجوب الاعتصام بحبل الله وهو كتابه وعدم التفرق والاختلاف. ولكن صوت هؤلاء الافراد لا يسمع بين جلبة جمهور العلماء لا سيما أصحاب المناصب والخطوة عند الأمراء والملوك الذين يدعمون سلطتهم بجمهور العلماء الذين يتبعهم العامة.
ومن العجيب أن هؤلاء العلماء الافراد الذين تنبهوا فى القرون الوسطى إلى سوء حال علماء الاسلام الذين يلقبهم الغزالى بعلماء السوء لم يحاولوا معالجة هذا الداء واصطلام أرومته وهى تفرق المذاهب والتعصب لها بالدواء الذى وصفه الله تعالى فى كتابه ؛ وهو تأليف أمة تدعو إلى الاعتصام وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بل اكتفى بعضهم بالشكوى من ذلك وإنكاره فى الكتب التى يؤلفها كالامام الرازى أو باللسان لبعض تلاميذه كما نقل الرازى عن أكبر شيوخه فى تفسير قوله تعالى (٩ : ٣١ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً) فانه بعد تفسير اتخاذهم أربابا بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون كما ورد فى الحديث المرفوع قال ما نصه :
«قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضى الله عنه قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى فى بعض مسائل وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتو إليها وبقوا ينظرون إلى كالمتعجب! يعنى كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الروابة عن سلفنا وردت على خلافها! ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا فى عروق الأكثرين من أهل الدنيا» اهـ.
أقول : إن الرازى رحمهالله تعالى كان يقرر هذه الحقيقة عند ما يفسر آياتها وينساها فى مواضع أخرى ، فيتعصب للأشعرية فى أصول العقائد وللشافعية فى فروع الفقه ، لا سيما فيما يخالفون فيه الحنفية. وهذا هو أصل الداء الذى يشكو من بعض أعراضه عند الكلام فى مسائل الخلاف مع الغفلة عن سببها. أما الامام الغزالى فقد تجرد عن التعصب للمذاهب كلها فى نهايته ووصف الدواء فى بعض كتبه كالقسطاس المستقيم راجع ذلك فى ص ١٢ من الجزء الثانى) ولكنه لم يوفق إلى تأليف أمة تدعو إليه وتقوم به.
وإذا كان الرازى وشيخه يقولان فى علماء القرن السابع والغزالى يقول فى علماء القرن الخامس ما قالوا فما ذا نقول فى أكثر علماء زماننا وهم يعترفون بما نعرفه من
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
