تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر معتصمين بحبل واحد متوجهين إلى غاية واحدة لما تفرقوا فى المقاصد ولو لم يتفرقوا لما اختلفوا فى الدين وتعددت فيهم المذاهب فى أصوله وفروعه حتى قتل بعضهم بعضا. فلا تكونوا مثلهم فيحل بكم ما حل بهم.
فهذه الآية متممة لقوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ) وما بعدها فالاعتصام بحبل الله هو الأصل وبه يكون الاجتماع والاتحاد الذى يجعل الأمة كالشخص الواحد ، والدعوة إلى الخير هى التى تغذو هذه الوحدة وتمدها وتنميها ؛ والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تقوم به أمة قوية هو الذى يحفظها ويؤيدها ويشد أزرها. قال الأستاذ الامام : إن هذه الآية كالدليل على أنه يجب أن تكون وجهة الأمة الداعية الآمرة الناهية واحدة لأن الذين سبقوهم ما أفلحوا لعدم وحدتهم كأنه يقول : لا يمكن أن تتكون فيكم أمة للدعوة والأمر والنهى إلا إذا اجتمعت على مقصد واحد فالترتيب فى الآيات طبيعى ، اذ من البديهى ان المتفقين فى المقصد لا يختلفون اختلافا ضارا ينافيه وانما يقع الاختلاف بعد التفرق فى المقاصد والتباين فى الاهواء بذهاب كل الى تأييد مقصده وإرضاء هواه فيه. والاختلاف فى الرأى لاجل تأييد المقصد المتفق عليه لا يضر بل ينفع وهو طبيعى لا مندوحة عنه.
أقول : وقد أورد الامام الرازى لاتصال هذه الآية بما قبلها قولين أقربهما ثانيهما ، وان كان الاول منهما صحيحا فى نفسه فقال : «فى النظم وجهان (الأول) انه تعالى ذكر فى الآيات المتقدمه انه بين فى التوراة والانجيل ما يدل على صحة دين الاسلام وصحة نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمدا صلىاللهعليهوسلم واحتالوا فى إلقاء الشكوك والشبهات فى تلك النصوص الظاهرة. ثم انه تعالى أمر المؤمنين بالايمان بالله والدعوة الى الله. ثم ختم ذلك بأن حذر من مثل فعل أهل الكتاب وهو إلقاء الشبهات فى هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص ، فقال ولا تكونوا أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات كالذين تفرقوا واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم فى التوراة والانجيل تلك النصوص الظاهرة. فعلى هذا الوجه تكون من تتمة جملة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
