وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) فلا بد للمرء فى حفظ نفسه ومن معه من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لا سيما أمهات المنكرات المفسدة للاجتماع كالكذب والخيانة والحسد والغش : فهذا ليس من فروض الكفاية التى يتواكل فيها الناس كصلاة الجنازة اذ لا يجب على كل من علم ان هنا ميتا ان ينتظر غسله ليصلى عليه بل يكفى ان يعلم أنه يوجد من يصلى عليه ولكنه اذا رأى منكر اوجب عليه أن ينهى عنه ولا ينتظر غيره لأنه تغير على رأيه.
أقول ويظهر تذييل الآية بقوله تعالى (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) على هذا الوجه ما لا يظهر على الوجه الآتى فهو يقول ان القائمين بما ذكرهم الفائزون بما أعده الله من السعادة لاهل الحق دون سواهم ولا يصح أن يكون خاصا بالقائمين بفرض الكفاية وفسره الاستاذ الامام بالفلاح فى الدنيا فالأمة التى تترك ذلك تكون من الخاسرين لا المفلحين.
قال الاستاذ الامام : بقى علينا بيان معنى الآية على القول بأن «من» للتبعيض وتقدير الكلام ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة ، فههنا فريضتان إحداهما على جميع المسلمين والثانية على الأمة التى يختارونها للدعوة. ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة وليس معناه الجماعة كما قيل وإلا لما اختير هذا اللفظ والصواب أن الأمة أخص من الجماعة فهى الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء فى بنية الشخص. والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل فى إيجادها وإسعادها ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافا أرجعوها إلى الصواب. وقد كان المسلمون فى الصدر الأول لا سيما زمن أبى بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة حتى كان الصعلوك من رعاة الابل يأمر مثل عمر بن الخطاب ـ وهو أمير المؤمنين ـ وينهاه فيما يرى أنه الصواب.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
