أى غزاة ـ وهو جمع لغاز من الجموع النادرة ومثله عفّى جمع عاف ـ سواء كان غزوهم فى وطنهم أو بلاد أخرى فقتلوا : لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا. أى ما مات أولئك المسافرون ، وما قتل أولئك الغازون ، وقرن هذا القول بالكفر مشعر بأن مثله لا ينبغى أن يصدر عن مؤمن لأنه انما يصدر من الكافرين وبيان ذلك من وجهين.
(أحدهما) أن هذا القول مخالف للمعقول مصادم للوجود فان من مات أو قتل فقد انتهى أمره وصار قول لو كان كذا) عبثا لأن الواقع لا يرتفع ، والحسرة على الفائت لا تفيد ، ومن شأن المؤمن أن يكون صحيح العقل سليم الفطرة ولذلك جعل سبحانه الخطاب فى كتابه موجها الى العقلاء ، وبين أن أولى الالباب هم الذين يعقلونه ويتذكرون به ويقبلون هدايته ، وقال فيمن لا إيمان لهم (٧ : ١٧٩ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ).
(ثانيهما) ان هذا القول يدل على جهل قائله بالدين أو جحوده ، فان الدين يرشد الى تحديد الآجال وكونها باذن الله كما تقدم قريبا فى تفسير قوله تعالى (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) فارجع اليه.
والمشهور فى كتب التفسير المتداولة أن المراد بالذين كفروا المنافقون الذين تقدم ذكرهم فى الآيات. وقال الاستاذ الأمام : يقول بعض المفسرين إن هذا القول وقع من بعض الكفار فعلا فنهى الله المؤمنين أن يقولوا مثله والمختار أن هذا قول لا يصدر إلا عن كافر فلا يليق مثله بالمؤمنين. وقد سئل فى هذا المقام عن مسألة القضاء والقدر ، فقال اننى أجب السائل بمثل ما أجبت به من سألنى عن ذلك من غير المسلمين ، اذ قال : إن هذه العقيدة هى السبب فى تأخر المسلمين عن غيرهم من الامم ، فانهم ينكرون الاسباب ولا يحفلون بها فقلت له : ان ما ينتقد على المسلمين من ذلك لا يرجع منه شىء الى الاسلام الخالص ، فما قرره فهو الحق الواقع
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
