الذين كانوا فى مرتبة من اليقين والاذعان : قد صدقها العمل الذى كان منه بذل الانفس والأموال فى سبيل الايمان. الذين عاتبهم الله ووبخهم على تلك الهفوة التى وقعت من بعضهم بما تقدم وما يأتى فى هذا السياق من الآيات. وأما أولئك الكافرون فهم الذين دعوا إلى الايمان ، وأقيم لهم على الدعوة الدليل والبرهان. فجاحدوا وعاندوا وكابروا الحق ، وآثروا مقارعة الداعى ومن استجاب له بالسيف. وقعدوا له ولهم كل مرصد. فاذا نظرنا فى شرك هؤلاء الكافرين. وفى حالهم مع أولئك المؤمنين. نجد أن شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحق مع خصمه فيحمله البغى والعدوان على مجاحدته من غير حجة ولا دليل : يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل فاذا شاهد الذين دعوه ثابتين مطمئنين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتى يمتلأ قلبه رعبا منهم. هذا هو شأن الكافرين المعاندين. مع المؤمنين الصادقين. كأنه تعالى يقول : هذه هى الطبيعة فى المشركين : اذا قاوموا المؤمنين. فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم الى موالاتهم والالتجاء اليهم.
قال : وبهذا يندفع قول من يقول : ما بالنا نجد الرعب كثيرا ما يقع فى قلوب المسلمين ولا يقع فى قلوب الكافرين. فان الذين يسمون أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والاذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال فى سبيل الله وتمنى الموت فى الدفاع عن الحق. فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم وانما رعب المشركين مرتبط بايمان المؤمنين وما يكون له من الآثار. فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الاسلام من الحق وما كان عليه سلفهم من الايمان والصفات والأعمال. فالقرآن باق على وعده ولكن هات لنا المؤمنين الذين ينطبق ايمانهم على آياته ولك من انجاز وعده فى هذه الآية وغيرها ما تشاء : وتلا قوله تعال (٢٤ : ٥٥ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الآية.
قال : وعلى هذا يكون الاشراك سببا للرعب كسائر الأسباب العادية التى ربط الله بها المسببات كالشرب للرى والأكل للشبع. فمن وصل اليه الحق تزلزل الباطل فى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
