تعلو نفسه على نفوس من أخلدوا الى الشهوات وكان حظهم من عملهم كحظ الحشرات وغيرها من الحيوانات : أكل وشرب وسفاد وبغى من القوى على الضعيف.
قس على هذا وجود من يريد بعمله القرب من الله والتخلق بأخلاقه والتحقق بتجليات أسمائه وصفاته ؛ القرب من الواسع العليم الخلاق الحكيم الرحمن الرحيم بسعة القلب وبسطة العلم وإقامة النظام والحكمة ونصب ميزان العدل وبسط بساط الرحمة ، ألا تراه يكون أشرف وجود بشرى وأعلاه بحسب ارادته وسنن الله؟
لست بهذا الرمز إلى مكانة ارادة البشر من تصريف أعمالهم وتوجيهها الى سعادتهم أو شقاوتهم بخارج عن موضوع تفسير الآية الكريمة. فان رب العزة قد جعل عطاءه للناس معلقا على ارادتهم ولا يقدر هذا حق قدره إلا قليل منهم. فهم فى حاجة إلى مثل هذا التذكير بل إلى أكثر منه.
اذا فقهت هذا فقهت معنى قوله (وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) أى الذين يعرفون نعمة الله عليهم بقوة الارادة ويستعملونها فيما يعرج بهم إلى مستوى الكمال فتكون أعمالهم صالحة رافعة لنفوسهم ونافعة لغيرهم. وأبهم هذا الجزاء لتعظيم شأنه.
قال الأستاذ الامام : كأنس ين النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبى صلىاللهعليهوسلم بحفظهم قوة ارادتهم فكانوا السبب فى انجلاء المشركين عن المسلمين. وخصهم بالذكر الذى يعينه الوصف تنويها بهم ووعدا لهم بالجزاء وهو من التفصيل لاجمال من يريد الآخرة.
ثم إنه بعد هذا البيان المنبه لهم الى استعدادهم ضرب لهم هذا المثل فىء غيرهم كما ضرب لهم المثل قبل ذلك فى أنفسهم بتمنيهم الموت فقال (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) «كأين» بمعنى «كم» الخبرية ومعناها أن ما دخلت عليه كثير وفيها لغتان فصيحتان مشهورتان «كائن» بوزن فاعل مبنية على السكون وبها قرأ ابن كثير و «كأين» بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة وسكون النون التى قالوا إن اصلها التنوين اثبت له صورة فى الخط كما ينطق به فى هذه الكلمة خاصة) وبها قرأ الباقون. وقالوا إن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
