زمنا محدودا ، ثم تفنى كأن لم تكن شيئا مذكورا.
انك قد خلقت للبقاء ولك فى الوجود طوران طور عاجل قصير وهو طور الحياة الدنيا ، وطور آجل أبدى وهو طور الحياة الآخرة ، وسعادتك فى كل من الطووين تابعة لارادتك ، وما توجهك اليه من العمل فى حياتك ، فأعمال الناس متشابهة ، ومشقتهم فيها متقاربة ، وإنما يتفاضلون بالارادات والمقاصد ، لانها هى التى تكون تارة علة وتارة معلولا لطهارة الروح وعلو النفس وسموّ العقل ورقة الوجدان وهى هي المزايا التى يفضل بها انسان على إنسان.
يحارب قوم حبا فى الربح والكسب ، أو ضراوة بالقتل والفتك ، فاذا غلبوا أفسدوا فى الأرض ، وأهلكوا الحرث والنسل ، ويحارب آخرون دفاعا عن الحق ، وإقامة لقوانين العدل ، فاذا غلبوا عمروا الأرض ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فهل يستوى الفريقان ، اذ استوى فى البداية العملان؟ وهما فى القصد والارادة متباينان.
يكسب الرجل طلبا للذات ، وحبا فى الشهوات ، فيغلو فى الطمع ، ويوغل فى الحيل ، ويأكل الربا أضعافا مضاعفة ، حتى يجمع القناطير المقنطرة ، فاذا هو يمنع الماعون ويدعّ اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، ولهو اذا سئل البذل فى المصالح العامة أشد بخلا ، وأكزّ يدا وأقبض كفا ؛ ويكسب الرجل طلبا للتجمل فى معيشته وحبا للكرامة فى قومه وعشيرته ، فيجمل فى الطلب ؛ ويتحرى الحلال من الربح ، ويلتزم الصدق والأمانة ، ويتوقى الغش والخيانة ثم هم ينفق من سعته فيواسى البائس الفقير ويعين العاجز والضعيف. وتكون له اليد فى بناء المدارس والمعابد والمستشفيات والملاجىء ، فهل يستوى الرجلان وهما فى الثروة سيان؟ وفى ظاهر العمل متشابهان أم يفضل أحدهما الآخر بحسن الارادة؟
الارادة تصغر الكبير وتكبر الصغير. وترفع الوضيع وتضع الرفيع. وبها تتسع دائرة وجود الشخص. حتى تحيط بكرة الأرض بل تكون أكبر من ذلك بما يتبوأ من منازل الكرامة فى عالم العقول والأرواح ، واذا كان يريد بعمله دار البقاء فان وجوده يكون كبيرا بحسب كبر ارادته وواسعا بسعة مقصده وبذلك
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
