حبس كل منا واحد ، فلماذا كان كرامة لواحد وانتقاما من الآخر؟
ولا يخفى على المؤمن العارف أن هذا الاعتقاد يعارض التوحيد الخالص ولذلك كان من المقاصد فى الآية والحكم فى سببها تقرير التوحيد ببيان أن الأنبياء والرسل كسائر البشر فى الخضوع لسنن الله ونظام خلقه.
قال الاستاذ الامام فى بيان مزايا الاسلام من رسالة التوحيد ما نصه :
«ثم أماطأى الاسلام) اللثام عن حال الانسان فى النعم التى يتمتع بها الأشخاص أو الأمم ، والمصائب التى يرزؤون بها ، ففصل بين الأمرين فصلا لا مجال معه للخلط بينهما. فأما النعم التى يمتع الله بها بعض الأشخاص فى هذه الحياة والرزايا التى يرزأ بها فى نفسه فكثير منها كالئروة والجاه والقوة والبنين أو الفقر والضعة والضعف والفقد ربما لا يكون كاسبها أو جالبها ما عليه الشخص فى سيرته من استقامة وعوج أو طاعة وعصيان ، وكثيرا ما أمهل الله بعض الطغاة البغاة أو الفجرة الفسقة وترك لهم متاع الحياة الدنيا إنظارا لهم حتى يتلقاهم ما أعد لهم من العذاب المقيم فى الحياة الأخرى وكثيرا ما امتحن الله الصالحين من عباده ، وأثنى عليهم فى الاستسلام لحكمه وهم الذين إذا أصابتهم مصيبة عبروا عن اخلاصهم فى التسليم بقولهم (٢ : ١٥٦ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) فلا غضب زيد ولا رضا عمرو ولا اخلاص سريرة ولا فساد عمل مما يكون له دخل فى هذه الرزايا ولا فى تلك النعم الخاصة ، اللهم إلا فيما ارتباطه بالعمل ارتباط المسبب بالسبب على جارى العادة كارتباط الفقر بالاسراف ، والذل بالجبن وضياع السلطان بالظلم ، وكارتباط الثروة بحسن التدبير فى الأغلب ، والمكانة عند الناس بالسعى فى مصالحهم على الأكثر ، وما يشبه ذلك مما هو مبين فى علم آخر.
«أما شأن الأمم فليس على ذلك فان الروح الذى أودعه الله جميع شرائعه الآلهية من تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء وتحديد مطامح الشهوات والدخول إلى كل أمر من بابه ، وطلب كل رغيبة من اسبابها ؛ وحفظ الامانة ، واستشعار الأخوة ، والتعاون على البر ، والتناصح فى الخير والشر ، وغير ذلك من أصول الفضائل ـ ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم ومشرق سعادتها فى هذه الدنيا قبل الآخرة (٣ : ١٤٥ وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) ولن يسلب الله عنها نعمته مادام هذا الروح
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
