لا يكون قبل وقوعه بيوم أو أيام أو شهور بل لا بد فيه من زمن يكفى لتعميمه فيها وصيرورته من الأمور المسلمة المشهورة عندها حتى لا يغيب عن الأذهان.
وحاصل المعنى أن محمدا ليس إلا بشرا رسولا قد خلت ومضت الرسل من قبله فماتوا وقد قتل بعض النيين كزكريا ويحيى فلم يكن لأحد منهم الخلد وهو لا بد أن تحكم عليه سنة الله بالموت فيخلو كما خلوا من قبله ، إذ لا بقاء إلا لله وحده ولا ينبغى للمؤمن الموحد أن يعتقده لغيره ، أفئن مات كما مات موسى وعيسى ، أو قتل كما قتل زكريا ويحيى ، تنقلبون على أعقابكم ، أى تولون الدبر راجعين عما كان عليه ، يهديهم الله بهذا إلى أن الرسول ليس مقصودا لذاته فيبقى للناس ، وإنما المقصود من إرساله ما أرسل به من الهداية فيجب العمل بها من بعده ، كما وجب فى عهده ، ولله در أنس بن النضر ورضى عنه فانه فى تلك الساعة التى زاغت فيها الابصار والبصائر ، واشتد الكرب حتى بلغت القلوب الحناجر ، وقال بعض الضعفاء والمنافقين ما قالوا ؛ قد قال «يا قوم ان كان محمد قتل فان رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلىاللهعليهوسلم اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء» ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل.
قال فى الكشاف «والانقلاب على الأعقاب الإدبار عما كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقوم به من أمر الجهاد وغيره وقيل الارتداد وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين. ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم وإسلامه» وقال الاستاذ الامام : إن كلمة (انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشىء بعد الاقبال عليه ، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذى جاهر بالدعوة اليه بعض المنافقين ؛ والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق. وهذا هو الصواب.
قال تعالى (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً) لأنه وعد بأن ينصر من ينصره ويعز دينه ويجعل كلمته هى العليا وهو منجز وعده لا يحول دون إنجازه ارتداد بعض الضعفاء والمنافقين على أعقابهم فانه يثبت المؤمنين ويمحصهم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
